حروب النفط السعودية لم تنته سابقاً بشكل سريع... ما هي تطورات الحرب الحالية؟

الأربعاء 1 أبريل 202006:52 م

في آذار/مارس الماضي، فشلت السعودية وروسيا في الاتفاق على تقليل نسبة إنتاج النفط، ما أتاح لكلتا الدولتين ولسائر الدول المنتجة للذهب الأسود الحرية التامة برفع إنتاجها، نحو أغرق الأسواق وجعل الأسعار تتهاوى إلى مستويات غير مسبوقة.

فشلت الدولتان في التوصل إلى اتفاق، بعدما طلبت السعودية - ثالث أكبر منتج لهذا النوع من الطاقة- من روسيا التي تعدّ ثاني أكبر منتج، خفض الإنتاج بنسبة كبيرة من أجل إحداث نقص في السوق، من أجل رفع الأسعار التي هبطت كثيراً عقب اندلاع أزمة فيروس كورونا.

عقب فشل الاتفاق مع روسيا، أعلنت السعودية رفع حصتها في سوق النفط من 10 ملايين برميل إلى 13 مليون برميل يومياً، بأسعار منخفضة، كي تستحوذ على جميع عقود المستوردين.

تعتقد السعودية أن رفع إنتاجها من النفط وهبوط أسعاره ضربة قوية لروسيا واقتصادها تجبرها على العودة من أجل وضع اتفاق جديد يحدد نسبة إنتاج كل دولة.

وكانت روسيا ومنظمة "أوبك" التي تمثل الدول المنتجة للنفط اتفقتا، عام 2014، على خفض الإنتاج لدى حدوث تراجع في الأسعار، من دون أن يشمل الاتفاق الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت أكبر منتج للنفط (13 مليون برميل يومياً).

لماذا رفضت روسيا الاتفاق مع السعودية؟

يرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن خفض الإنتاج إلى أقل من 11 مليون برميل يرفع الأسعار، لكن المستفيد الأكبر هو أمريكا التي تبيع نحو 13 مليون برميل، ومن الممكن أن تزيد الكمية، مستغلةً تراجع إنتاج موسكو حتى تستحوذ على الأسواق وتُبرم عقوداً جديدة وتحقق أرباحاً أكبر.

ووفقاً لوكالة "بلومبيرغ"، فإن موسكو تريد أن تتراجع أسعار النفط من أجل الضغط على الأمريكيين الذين زادوا إنتاج النفط الصخري، فيما أبقت الشركات الروسية نفطها في الآبار امتثالاً لاتفاق خفض الإنتاج مع أوبك.

ضربة لأمريكا قبل روسيا

في المقابل، يبدو أن السياسة السعودية النفطية أحدثت أضراراً أكبر لحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية وليس لروسيا، إذ أغلقت الشركات الأمريكية عقب قرار الرياض إغراق السوق 40 منصة إنتاج للنفط الصخري حتى نهاية الأسبوع الماضي، لتصل إلى 624 منصة.

وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، فإن مقدار إنتاج النفط الأمريكي تراجع إلى مستويات غير مسبوقة، إذ قررت الشركات خفض إنفاقها من 30% إلى 40%، وهذا يعني فقدان الآلاف من الأمريكيين وظائفهم.

في سياق متصل، قال الخبير الاقتصادي في "بنك أوف أميركا" فرانسيسكو بلانش للصحيفة البريطانية إن منتجي النفط الصخري "لن يحققوا مكاسب إذا كان السعر أقل من 35 دولاراً أمريكياً للبرميل".

ورأت أستاذة مركز الشؤون العالمية في جامعة نيويورك كارولين كيسان، في مقال نشرته في صحيفة "ذا هيل" الأمريكية، أن روسيا تنتقم من الولايات المتحدة بسبب فرض عقوبات جديدة عليها، لا سيما تلك التي فرضتها على شركة "روسنفت" الروسية التي تستثمر في النفط الفنزويلي.

وأضافت كيسان أن حل الأزمة قد يكون في دفع ولي العهد السعودي إلى رفع الراية البيضاء والموافقة على تقليص زيادة الإنتاج أو عودة روسيا والسعودية إلى إبرام اتفاق جديد.

يبدو أن السياسة السعودية أحدثت أضراراً أكبر لحليفتها أمريكا وليس لروسيا، إذ أغلقت الشركات الأمريكية عقب قرار الرياض إغراق السوق 40 منصة إنتاج للنفط الصخري حتى نهاية الأسبوع الماضي، لتصل إلى 624 منصة... تطورات الأزمة النفطية بين السعودية وروسيا وأمريكا

وعليه، بدأت واشنطن حملة للضغط على الرياض حيث وجّه عدد من كبار الحزب الجمهوري الذي يعدّ أبرز داعمي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خطاباً إلى المملكة، يهددون فيه باتخاذ إجراءات انتقامية ضدها.

وقال السيناتور الجمهوري تيد كروز لشبكة "CNBC" الأمريكية، في 30 آذار/مارس، إنه وثمانية من أعضاء مجلس الشيوخ في الحزب الجمهوري وبّخوا السفيرة السعودية الأميرة ريما بنت بندر خلال مكالمة هاتفية بسبب اندلاع حرب أسعار النفط مع روسيا التي تهدد بإفلاس الشركات الأمريكية.

وأضاف كروز الذي يمثل ولاية تكساس: "لم أجرِ مكالمة مع مسؤول أجنبي مثلما حدث مع السفيرة السعودية، لقد قلنا لها بصراحة تامة كل ما لدينا".

وتابع: "قلنا هناك سلسلة كاملة من الخطوات التي يمكننا اتخاذها من أجل الضغط على المملكة إذا واصلت الانخراط في حرب اقتصادية ضد الولايات المتحدة"، خاتماً كلامه "إنكم (السعوديون) لا تتصرفون تصرف أصدقاء عندما تحاولون تدمير الآلاف من الشركات الصغيرة في جميع أنحاء تكساس والولايات المتحدة".

فكرة أمريكية لحل الأزمة

في الإطار نفسه، نقلت وكالة "رويترز"، في 1 نيسان/أبريل، عن مسؤولين أمريكيين أن هناك فكرة لإقامة تحالف مع السعودية من أجل إدارة سوق النفط العالمية.

وقررت الإدارة الأمريكية في الشهر الماضي تعيين ممثلة خاصة لشؤون الطاقة في الرياض من أجل التنسيق بين البلدين بشأن سوق النفط.

وبحسب "رويترز"، فإن الإدارة الأمريكية تتجه نحو التفاوض مع السعودية لكبح صدمة الأسعار التي تهدد بإفلاس الشركات وتسريح الآلاف من عمال النفط والغاز قبيل الانتخابات الرئاسية، في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

هل تخضع السعودية؟

في إشارة إلى اعتزام السعودية استمرار زيادة الإنتاج، تقوم المملكة حالياً بشحن حوالى 1.3 مليون برميل يومياً إلى مصر - وهو أعلى مستوى في ثلاث سنوات على الأقل - للتخزين ثم إعادة تصديرها إلى أوروبا.

تشير التوقعات إلى أن الرياض ستضطر إلى خفض الأسعار لبيع كل النفط الذي تريده، وإذا قامت المملكة بهذه الخطوة ستُعمق الأزمة مع الدول المنتجة للنفط، بينما بدأ الأمريكيون حملة ضغط على الرياض والتلويح بسلسلة من الخطوات

وتعتبر الشحنات المُصدَّرة إلى مصر كبيرة إذ أصبحت القاهرة أكبر وجهة للخام السعودي في الشهر الماضي وحلت محل الصين واليابان اللتين تتصدران قائمة أكبر مستوردي النفط السعودي شهرياً.

وفي الخامس من الشهر الجاري، من المتوقع أن تعلن السعودية الأسعار الرسمية للنفط في أيار/مايو المقبل.

بحسب وكالة "بلومبرغ" الأمريكية، فإن التوقعات تشير إلى أن الرياض ستضطر إلى خفض الأسعار لبيع كل النفط الذي تريده، مضيفة أنه "إذا قامت المملكة بهذه الخطوة فستُعمق الأزمة مع الدول المنتجة للنفط".

في سياق آخر، ترى كيسان أن خفض السعودية للإنتاج ربما لن يُنهي الأزمة بشكل كامل، لأن سبب هبوط أسعار النفط هو تراجع الطلب العالمي عليه بسبب تفشّي كورونا، لذا ما تحتاجه السوق هو عودة انتعاش الاقتصاد العالمي.

ماذا عن الأزمات السابقة؟

في الأزمات الماضية، لم تنته حروب النفط التي أعلنتها السعودية سريعاً، بل استمرت أعواماً، وكانت الولايات المتحدة أكبر مستفيد من هبوط الأسعار لأنها كانت تستورد النفط، ولم تكن تتعامل معه كمنتج كما هو الحال اليوم.

في حزيران/يونيو عام 1985، خلال اجتماع في مدينة الطائف السعودية، حذّر الملك الراحل فهد بن عبد العزيز دول أوبك من أن بلاده لن تتحمل عبء تخفيض الإنتاج. وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، أغرقت الرياض السوق حتى انهار سعر النفط من 31 دولاراً أمريكياً للبرميل إلى 10 دولارات، واستمرت في سياستها هذه حتى نهاية عام 1986.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر عام 1997 خلال اجتماع في إندونيسيا، رفعت السعودية الإنتاج لمحاربة النفط الفنزويلي، وهذا ما أدى إلى انخفاض النفط من 20 دولاراً للبرميل إلى أقل من 10 دولارات، واستمرت الأزمة حتى نيسان/أبريل عام 1999.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2014، رفعت السعودية ضخ النفط في الأسواق من أجل إلزام الدول الأخرى باتفاق على الإنتاج، فانهار السعر من حوالي 100 دولار أمريكي للبرميل إلى 28 دولاراً أمريكياً. ولم تتراجع الرياض حتى عام 2016 بعدما أبرمت مع روسيا اتفاقاً على خفض الإنتاج.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard