خائنٌ بعيون النظام ودخيلٌ بعيون المعارضة ... عبد الحليم خدام يفارق الحياة

الثلاثاء 31 مارس 202005:04 م

توفّي عبد الحليم خدام، الرئيس المؤقت السابق لسوريا والنائب الأسبق لكلّ من الرئيسين حافظ الأسد وابنه بشار، صباح الثلاثاء 31 آذار/ مارس 2020 بأزمة قلبية في منزله بالعاصمة الفرنسية باريس، حيث يقيم منذ عام 2005.

أكّد حفيد خدام، عبد الحليم وصهره عرفان طرابيشي نبأ الوفاة، الذي كان في عداد ناشريه الأوائل على موقع تويتر جمال الجراح وزير الإعلام اللبناني السابق وعضو تيار المستقبل.

تعرُّفه إلى الأسد وصعود نجمه

ولد خدام في مدينة بانياس الساحلية السورية عام 1932، وتعرّف إلى حافظ الأسد في اتّحاد طلبة سوريا في خمسينيات القرن الماضي، عندما كان خدام يدرس الحقوق في جامعة دمشق.

بعد تخرّجه، شرع خدام في مزاولة مهنة المحاماة. وعقب الانقلاب الذي قاده حزب البعث العربي الاشتراكي- الذي انضمّ إليه خدام في سنّ الخامسة عشرة وكان أميناً لشعبته في بانياس- في الثامن من آذار/ مارس عام 1963، تبوأ خدام منصب محافظ القنيطرة حتى سقوطها بيد الاحتلال الاسرائيلي عام 1967، ثم أصبح محافظ حماة فمحافظ العاصمة دمشق.

وتردد أنّ خدام أذاع نبأ سقوط القنيطرة بيد الاحتلال الإسرائيلي قبل حدوثه بثماني عشرة ساعة.

لاحقاً تولّى خدام منصب وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية عام 1969 في حكومة نور الدين الأتاسي. وبعد انقلاب "الحركة التصحيحية" الذي قاده حافظ الأسد عام 1970، أصبح الأخير رئيساً للحكومة، واختار عبد الحليم خدام وزيراً للخارجية، وهو منصب احتلّه خدام أربعة عشر عاماً إلى أن أصبح نائباً لرئيس الجمهورية عام 1984.

كان خدام مسؤولاً عن ملفّات غاية في الأهمية خلال العقود الثلاثة التي حكم فيها حافظ الأسد سوريا، منها: العلاقات المتنامية مع إيران، خصوصاً في ظل حرب الخليج الأولى، والأزمة السياسية مع العراق في عهد صدام حسين، وقطع العلاقات وإغلاق الحدود بين البلدين، وملف الحرب الأهلية اللبنانية، والقضية الفلسطينية.

قال حسين الحسيني الرئيس السابق لمجلس النوّاب اللبناني وحركة أمل، مطلع عام 2020، أن لبنان لا يزال يعيش تحت بنود "الاتّفاق الثلاثي" الذي أُقرّ في دمشق عام 1985 بين القوّات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل. وكان خدام مهندسه، بحسب الحسيني. ويرى البعض في اتّفاق الطائف نسخة عن الاتّفاق الثلاثي.

كان خدام يقول إن حافظ الأسد برغم ديكتاتوريته "كان حريصاً على وحدة الدولة السورية"... رحيل معارضٍ "من عظام رقبة النظام".

كذلك اتّهم خدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين بمحاولة اغتياله ثلاث مرّات بسبب "مواقف الحكومة السورية أو خطبها في اجتماعات جامعة الدول العربية"، بحسب ما قاله خدام لجريدة الشرق الأوسط عام 2014.

رأيه في حافظ الأسد

برغم انشقاق خدام عن النظام السوري عام 2005 وانتقاله إلى فرنسا، نفى مراراً وتكراراً أن يكون له دور في تحوّل سوريا إلى النظام الديكتاتوري، أو موافقته على ذلك، معلّلاً تبرئته هذه بأنّه كان مسؤولاً عن الملفّ الخارجيّ في معظم تلك السنوات. "لقد نَجَحْتُ في السياسة الخارجية: أعدت سوريا إلى موقعها الطبيعي في المحيط العربي وحتى في المحيط الدولي"، قال خدام في مقابلة مع قناة الجزيرة عام 2017.

ونفى خدام حتى آخر سنوات حياته أن يكون ضامراً أيّ كرهٍ لحافظ الأسد، "لأنني أعرفه منذ أن كنّا طالبين"، قال في المقابلة عينها. "لكنّني ألقي عليه اللوم في كثير من الأمور، وكنت ألومه في وجهه".

يقول خدام إن حافظ الأسد برغم ديكتاتوريته "كان حريصاً على وحدة الدولة السورية".

انتقال السلطة إلى بشار وانشقاق خدام

بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000، خلفه خدام مدة 37 يوماً رئيساً مؤقتاً للبلاد، أشرف خلالها على انتقال السلطة إلى بشار الأسد ووافق على تعديل المادة 83 من دستور سوريا، لخفض العمر الأدنى المسموح لبالغيه بالترشح لرئاسة الجمهورية من 40 إلى 34 عاماً، وهو عمر بشار آنذاك.

"القيادة اتَّخذت قراراً في غيابي لترشيح بشار للرئاسة وطلبتْ من رئيس مجلس الشعب دعوة المجلس لتعديل الدستور"، قال خدام في لقاء مع قناة العربية عام 2011. وأضاف: "طبعاً أنا صمتت، في مثل هذه الظروف: الرجل في الأرض ميت، والوضع مُكرِب".

"جاءني المرسوم، فوقّعت عليه... لم أتردد"، استطرد خدام. وتابع: "أعرف أنّ كل شيء مرتّب سلفاً. الاعتراض لم يكن مجدياً… طبعاً لم أكن مقتنعاً".

بقي عبد الحليم خدام نائباً لرئيس الجمهورية حتى استقالته في حزيران/ يونيو 2005 وانتقاله إلى باريس، حيث كان يقيم في منزلٍ فاخر بجوار قوس النصر وشارع الشانزليزيه. هناك أسس عام 2006 "جبهة الخلاص الوطني"، التي تفكّكت عام 2009. وأصدر كتاباً عنوانه "التحالف السوري الإيراني والمنطقة".

"القيادة اتَّخذت قراراً في غيابي لترشيح بشار للرئاسة وطلبتْ من رئيس مجلس الشعب دعوة المجلس لتعديل الدستور"... تعرّفوا إلى عبد الحليم خدام النائب السابق لكلّ من بشار وحافظ الأسد.

"يرغب الرجل في فتح الطريق أمام جيل أصغر سناً"، قال أحمد حاج علي، المسؤول في حزب البعث لوكالة أسوشيتد برس بعد استقالة خدام.

لكنّ خدام سرعان ما أعلن نفسه معارضاً للنظام السوري، إذ قال أواخر عام 2005 إن بشّار الأسد هدّد رئيس الوزراء اللبناني آنذاك، رفيق الحريري، قبل اغتيال الأخير بفترة وجيزة. وعام 2006، قال لمجلّة دير شبيغل الألمانية: "جميع من في سوريا يعرف أنني رحت أبتعد عن النظام السوري بوتيرة متزايدة منذ وفاة الرئيس حافظ الأسد"، وقال في المقابلة نفسها إن مواقفه "من جميع النقاط السياسية تختلف جذرياً عن تلك التي تتبناها القيادة في دمشق".

الثورة السورية

دعم عبد الحليم خدام الثورة السورية التي اندلعت في آذار/ مارس عام 2011. لقي دعمه الثورة رفضاً من قبل مؤيدي النظام السوري، الذين اتّهموه بالخائن، ومن قبل معارضين اتّهموه بأنه من "عظام رقبة" النظام الذي يثورون ضده، وبأن له أطماعاً سلطوية جعلته يؤيد الثورة. ورحّب بعض المعارضين به على أنّه أّوّل من انشقّ عن النظام قبل الثورة بست سنوات.

"الشعب السوري بطبيعته ليس متطرفاً، لكن هناك نوعاً من القهر وشعوراً بأن العالم تخلى عنه، وهو ما دفع بكثيرين من السوريين إلى الهروب نحو التطرف"، قال خدام في مقابلته مع جريدة الشرق الأوسط لدى حديثه عن أسلمة المعارضة المسلحة.

كذلك نادى خدام بتدخل المجتمع الدولي لحماية الثوار في سوريا منذ البداية، وقال لوكالة رويترز بعد اندلاع الثورة ببضعة أشهر، إن السوريين سيتسلّحون لحماية أنفسهم إذا لم يحمِهم أحد. في اللقاء ذاته، وصف خدام بشارَ الأسد بأنه ضعيف الشخصية وغير قادر على اتّخاذ القرار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard