لمّا يحملني ألبوم "موج عالي" لتريز سليمان إلى أرشيف جريدة "فلسطين"

الثلاثاء 31 مارس 202001:18 م

منذ أن وجدت نفسي تحت رهن الحجر الصحي، توقف الزمن عندي، وانتعش عالم افتراضي موازي لا أتحكّم به، يجتاح عزلتي ويرميني بآلاف الاقتراحات عما يمكنني مشاهدته، قراءته أو سماعه. لم أستمع له وهربت منه الى قوقعة موسيقية اختار فيها سماع ومشاهدة ما أريد.

مثل الجميع، أكاد لا أذكر كيف كانت حياتي منذ بضعة أسابيع. أعيش مع عائلتي الصغيرة بعزلتنا البرلينية، محاولين إرجاء المشاكل التي تنتظرنا بعد بضعة أشهر، لكن كورونا علّقت التفكير بها: كيف أبحث عن منزل آخر الآن أو عمل والعالم أصلاً ينهار من حولنا؟ سأنتظر قليلاً، أتجاهل قلقي وأنزوي في مكان أمتهنه لأهرب من مواجهة الأسوء، سأغوص في جرائد قديمة وأبحث عن أشباح تركت فتاتها هنا وهناك.

البحث عن قصص غابرة

بحكم بحثي عن الحياة الموسيقية في بلاد الشام بداية القرن العشرين، غالباً ما أعود إلى جرائد تلك الحقبة. وسط حفلة الجنون والموت التي تحيطنا، ومع استحالة إنتاج أي عمل بنّاء وبناتي في المنزل، قررت أن أستكمل بحثي، علّني أهرب من عجزي عن ملاحقة ما يجري من حولي، وبدت الجرائد الفلسطينية وجهتي المفضّلة بعد تنقيبي المسبق لجرائد بيروت.

اخترتُ أن أبدأ بجريدة فلسطين، إحدى أهم صحف تلك الفترة، التي كان يصدرها بيافا الصحافي عيسى داوود العيسى، بين عامي 1911 و1967، والتي كانت تعكس الحياة السياسية والثقافية للمدينة. في نفس الوقت، وجدتني أشغّل راديو الحي من بيروت (وما بعدها) بين الحين والآخر، لسماع أصوات مألوفة تأتيني من مدن بعيدة. أعيد أحياناً أغاني المهرجانات المفضّلة لدي، وأستمع لألبوم تريز سليمان الجديد "موج عالي". خلطة غريبة تتناسب مع الوضع المجنون الذي وجدنا أنفسنا فيه، لا سيّما عندما أعود إلى تشغيل أسطوانات قديمة مضى عليها أكثر من مئة عام.

لا أعلم ما الذي جذبني بالأساس إلى ألبوم تريز، لكنّه بالتأكيد تماشى مع اختياري العودة إلى جرائد فلسطين القديمة. تداخلت عملية بحثي مع رغبة المغنية الفلسطينية تريز سليمان، بالغناء في هذا الألبوم عن الشخصي والعام، عن الدمار والأمل، عن الحب وفلسطين. إذ تغني تريز بكثير من الحب رغم الجروح وتحلف باسم الحب "الدايم القايم فوق الخراب". ساهم بهذا التواصل حميمية صوتها المليء بالحنين، كلمات الأغاني التي كسرت عزلتي، سلاسة ألحان الموسيقي الفلسطيني ريمون حدّاد، ولمسة العازفين النروجيين، إيفيند آرسيت وهيلغي أندرياس.. كلّ هذا تركني مع أفكار ومشاعر مختلطة.

أضحكني الهوس بالاصطياف والسياحة بلبنان: مقالات تتغنى بجمال الطبيعة ونقاوة الجوّ هناك، إعلانات لأوتيلات في بيروت وزحلة... "لبنان وحده هو مصيف فلسطين الطبيعي". أبتسم بمرارة وأنا أفكر كيف أصبح لبنان اليوم سجناً كبيراً للفلسطينيين، كيف يخنق ويذلّ كل من يعيش هناك أكثر فأكثر

متل الشتي بيجي وبيروح

أصبح عالمي الحالي خيالياً بامتياز، ما بين تصفح عدد تلو الآخر، سنة بعد سنة. 1931، 1932، 1933... أتعقّب الحفلات والإعلانات، وأنا أستمع لأغاني الألبوم التسع، هذا الألبوم الذي بدوره ارتبط إصداره بأزمة كورونا، إذ كان من المفترض أن تقيم تريز حفل إطلاق الألبوم في أوسلو، لكن تأجل الإطلاق واقتصر على منصّات خدمات الموسيقى الرقمية، تماماً كحياتنا المؤجلة وعلاقتنا الاجتماعية المتباعدة أكثر فأكثر.

لم تكن تعرف تريز الحيفاوية أن أغنيتها "كنا حلوين"، ستوصف بدقة عالمي الآن الذي أضحى "مقاسه غرفة". إذ بت فعلاً أرى "عيون الناس من أزاز"، القلب "نقص شقفة"، والموت صار "مجرّد كلمة". على وقع كلمات أغنية "متل الشتى بيجي وبيروح"، أعود إلى ذلك الزمن الذي كنّا فيه "صدفة حلوين"، لتنهمر عليّ أخبار فلسطين قبل النكبة، أخبار كثيرة من هنا وهناك. أعجبتني كثرة المقالات عن الهند وغاندي التي كانت تنشرها جريدة فلسطين في تلك الفترة، صفحات تتوالى عن التجربة الهندية، وتساءلت إن كان البعض يبحث حينها عن آمال وتجارب أخرى تقتدي بها البلاد التي وجدت نفسها تحت الانتداب الإنكليزي، وخطر قيام وطن لليهود على أرض فلسطين.

أضحكني الهوس بالاصطياف والسياحة بلبنان: مقالات تتغنى بجمال الطبيعة ونقاوة الجوّ هناك، إعلانات للوكندات وأوتيلات في بيروت، ضهور الشوير، الأرز وزحلة... "لبنان وحده هو مصيف فلسطين الطبيعي". أبتسم بمرارة وأنا أفكر كيف أصبح لبنان اليوم سجناً كبيراً للفلسطينيين، كيف يخنق ويذلّ كل من يعيش هناك أكثر فأكثر. أختنق. أهرب من أفكاري، ألجأ لصمت تريز المليء بالأمل في أغنية "وردة"، وأواصل قلب الصفحات، "بروغرام" مفصّل يأخذني برحلة تساعدني على "تغيير جو": عشرة أيام تبدأ بحيفا وتتجه إلى مختلف المناطق اللبنانية، تمرّ بالشام وتعود عن طريق طبريا والناصرة إلى حيفا، مثل ألبوم تريز الذي يبدأ وينتهي بذات النقطة، "باسم الآخر" و"باسم الحب"، معرّجاً على ضياعنا، صمتنا وآمالنا...

الموسيقى الإلكترونية في أغنية "جنرال أمل" تساهم بسحبي نحو الماضي، وتحيط هذه العودة بطبول تقرع "عالياً باسم الجمال". أستمع إلى هذه الأغنية ذات النفس الحماسي الغريب وأنا أتعقّب عبر صفحات الجريدة إعلانات السهرات المختلفة: ها هي أم كلثوم تحيي حفلاتها بيافا بالباريزيانا، وبحيفا بسينما عين دور "حيث كلّت الأكف من التصفيق الحاد". تعيد جريدة فلسطين نشر حديث أجراه معها كاتب من دمشق حيث يصفها "بالهادئة الساذجة (على البركة)" ويتملل من تكلّفها. لا بدّ أنّه انزعج من أنّ امرأة تفرض عليه الانتظار، لا تسايره وترفض أن تشفي غليله بالإفصاح له عن غراميّاتها، لا بل تطلب منه سحب سؤاله الذي لم يعجبها: "هل تعرّفت الآنسة على الحب؟".


الموسيقى الإلكترونية في "جنرال أمل" تساهم بسحبي نحو الماضي، وتحيط هذه العودة بطبول تقرع "عالياً باسم الجمال". أستمع إلى هذه الأغنية ذات النفس الحماسي الغريب وأنا أتعقّب عبر صفحات الجريدة إعلانات السهرات: ها هي أم كلثوم تحيي حفلاتها بيافا بالباريزيانا، وبحيفا بسينما عين دور "حيث كلّت الأكف من التصفيق الحاد"

لما الخيال يصير حقيقة

أشغّل راديو الحي، يصادف اليوم ذكرى تأسيس إذاعة "هنا القدس". البث كلّ النهار مستوحى من البرامج الأصلية للإذاعة. يتساوى الواقع بالخيال تماماً، الصوت بالكلمات المطبوعة، والجريدة بالإذاعة. أأنا فعلاً هنا أو هناك؟ لا أدري. تتداخل أسماء لأشخاص سكنوا أو مرّوا على هذه المدن، أصبحوا اليوم أعز أصدقائي.

أبو صلاح العكاوي يبشّر باستحضار لمحلاته بيافا والقدس وحيفا اسطوانات عمر الزعني، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، أحمد عبد القادر وعبد الغني السيد. شركة "سودوا الشرقية" تدعو من يريد تعبئة أسطوانات معها إلى التواصل مع وكيلها العام بفلسطين وشرقي الأردن، سعد الدين إدريس، الذي أصبح أيضاً وكيل بيضافون، وصرّح مفتخراً استحضاره لأسطوانات محمد عبد الوهاب بالطائرة.

إميل بوتاجي الذي انتظر إعلاناته بفارغ الصبر، يعدني إعلاناً تلو الآخر بالسعادة وساعات الأنس والهناء إذا اقتنيت من عنده آخر موديلات فونوغرافات جرامافون وهيز ماستر فويس، وإذا استمعت لأسطوانات نادرة لسهام وأم كلثوم. لا ينفك يغريني بأسعاره المعتدلة مع تسهيلات بالدفع، ويدعوني لزيارة محلاته بيافا، حيفا، القدس وعمان والتفرج مجاناً، وتريز بالخلف تغني عن "ملح إلّي راحوا".

أستمع لأغنية "موج البحر"، التي تحملني أمواجها إلى ساحل فلسطين، فأتخيل لحظة وصولي لمرفأ يافا على وقع صوتها، أتّجه الى بار عزيز حيث "أرشق الراقصات والمغنيات"، أنتظر إعلان بروغرامه الجديد ولا يأتي. لا بأس، قهوة وحديقة الباريزيانا تعدني "بخدمة نظيفة ممتازة من فتيات رشيقات حاذقات". أضحك، وأتشوّق لحضور حفلة فنية كبرى غداً ليحيى اللبابيدي ويوسف حسني، فهي ستكون ليلة "كلّها فرح، حياة، وتسلية لا تعوّض"، سأستطيع خلالها التمتّع بمشروب يقدمّ لي مجاناً.

على إيقاع بيت "حتى إنّ الذئاب لم تقصد نهش قلوبنا، و،أنا جائعة للفرح"، من قصيدة "الطريق إلى الفرح" للشاعرة الفلسطينية أسماء عزايزة، التي تردّدها تريز في أغنية "الجوع"، يتزايد غضبي ومرارتي مما يجري حولي. أتابع ازدياد القلق عبر صفحات الجريدة. عدد بعد عدد يتسرّب لي ويحيطني خوفهم من المشروع الصهيوني، من الانتداب الإنكليزي، من وعد بلفور، ومن شراء الأراضي.


لا تبيعوا أرضكم، جملة أقرأها في كل عدد. محمد عزيز بك الميقاتي يتوجّه مراراً إلى "العربي" الحريص على استقلال وطنه وإنقاذ أراضيه، ويحثّه على تشجيع الصناعة الوطنية وتدخين سجائره، "سجائر صندوق الأمة"، فهي "لذيذة الطعم، جدية الصنع"، والأهم هي" تقدّم أكبر خدمة مادية لصندوق الأمة". ابتسم، أطفئ الموسيقى وأغلق اللابتوب، وأهرع لأدخن سجائري مثلما يطلب مني محمد عزيز... علّني أنقذ فلسطين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard