فصل تعسفي وخفض أجور وإجازات غير مدفوعة... كابوس عمال مصر في زمن الكورونا

الاثنين 30 مارس 202007:10 م

خلال الأسابيع القليلة الماضية، وتحديداً مع اجتياح وباء كورونا أغلب بلدان العالم، اتخذت الحكومة المصرية إجراءات احترازية مشدّدة، تخوفاً من انتشار الفيروس في أرجاء البلاد.

بدأت تلك الإجراءات بتعطيل الدراسة في المدارس والجامعات وتعطيل العمل في المحاكم وانتهت بحظر تجوال يبدأ من الساعة السابعة مساءً وحتى السادسة صباحاً، كما خفّضت الحكومة المصرية ساعات عمل موظفي القطاع العام فقط. 

وتحت شعار" خليك في البيت"، ناشدت الحكومة المصرية المواطنين بضرورة الابتعاد عن أماكن الازدحام والمكوث في المنزل تجنباً لانتقال العدوى، كما طالبت القطاع الخاص بجعل الموظفين يعملون عبر المنازل "إن أمكن ذلك".

بموازاة عدم اهتمام الحكومة المصرية بموظفي القطاع الخاص، بدأت بعض الشركات في اتخاذ مجموعة من التدابير الخاصة بالعاملين لديها، فحصل فصل تعسفي لأعداد كبيرة من المؤسسة الواحدة بموازاة استقطاع نسبة معينة من الراتب الشهري لآخرين، في مقابل إجبار مؤسسات أخرى لموظفين بالنزول والعمل في ظروف صعبة من دون مراعاة الرعب الذي سيطر على المواطنين من تفشي الوباء. 

ووفقا لآخر إحصائيات وزارة الصحة المصرية، يوم أمس الأحد في 29 آذار/ مارس، فإن إجمالي العدد الذي تم تسجيله في مصر بفيروس كورونا المستجد هو 609 حالات من ضمنها 132 حالة شفاء خرجت من مستشفى العزل، و40 حالة وفاة. 

فصل وتشريد عمال

من دون إبداء أسباب واضحة، قامت الشركة السعودية "سيرا للسياحة" بفصل حوالي 350 موظفاً بشكل تعسفي، بعدما توقفت حركة الطيران في مصر خلال الأسبوع الماضي بسبب الفيروس. 

تقول هاجر، وهي إحدى الموظفات اللواتي تم فصلهن عن العمل: "كان من المقرر أن ينتهي عقد عملي في شهر حزيران/ يونيو المقبل، لكنني فوجئت بإعلامي أن الشركة قد فصلتني عن العمل بسبب الأوضاع التي تمر بها البلاد". 

بدوره، أكد أحمد وهو أحد العاملين في الشركة السعودية نفسها على كلام هاجر، موضحاً أن الشركة علّلت فصل موظفيها بتأزم الوضع بسبب انتشار الفيروس. 

ويضيف: "أعمل في الشركة منذ أربع سنوات، وأُبلغت بقرار فصلي عن العمل عبر رسالة نصية على الهاتف، فتوجهت أنا وزملائي إلى مقر الشركة لكننا فوجئنا بمنعنا من الدخول". 

وفي سياق متصل، يقول محمد وهو أحد العاملين في شركة "كابو" للملابس الجاهزة: "أعطت الشركة العمال ويبلغ عددهم ما يقرب الـ500 عامل إجازة من دون راتب لمدة ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى أن جميع العمال الذين انتهت عقود عملهم في شهري شباط/ فبراير وآذار/ مارس لم يتم تجديد عقودهم مرة أخرى". 

"أعمل في الشركة منذ سنوات، وأُبلغت بقرار فصلي عن العمل برسالة نصية. حين توجهنا إلى مقر الشركة مُنعنا من الدخول"... تركت الحكومة للقطاع الخاص حرية إدارة شؤون موظفيه خلال أزمة كورونا، فسُجّلت حالات عديدة من الطرد واقتطاع الرواتب والإجازات غير المدفوعة

من جانبه، يكشف رئيس نقابة السياحيين حمدي عز عن تلقي لجنة الطوارئ والأزمات أكثر من 500 شكوى ضد أصحاب شركات السياحة والفنادق خلال الأسبوع الماضي، تركزت بمعظمها في غلق منشآت وفصل تعسفي للعاملين، بالإضافة إلى إعطاء اجازات مفتوحة من دون رواتب. 

بموازاة ذلك، شكلت نقابة السياحيين لجنة طوارئ وأزمات لتتبّع وضع العاملين في القطاع السياحي، خاصة في المدن السياحية مثل شرم الشيخ والغردقة والأقصر وأسوان وسفاجا.

تهديد وتمييز بين الموظفين

في إجراءات غير مسبوقة أو متوقعة، قامت شركة الاستشارات الهندسية "ECG" التي تشرف على بعض المشروعات في العاصمة الإدارية الجديدة بإعلام المهندسين والموظفين العاملين في الشركة بتخفيض راتبهم الأساسي، بنسبة تتراوح من 5 إلى 25 في المئة، تماشياً مع حزمة الإجراءات الحكومية الجديدة خوفاً من تفشي فيروس كورونا. 

كان هذا ما اشتكى منه أحمد أبو العلا، وهو مهندس في الشركة المذكورة، قائلاً إن الإجراء جاء بموازاة إجراءات أخرى قامت بها الشركة كان من ضمنها العمل من المنزل الذي بدأ منذ منتصف الأسبوع الماضي.

ويشير أبو العلا إلى أن الشركة التي يعمل فيها الآلاف الموظفين والمهندسين، كانت قد خيّرت العاملين ما بين الموافقة على تقليل الأجور أو الفصل من الشركة. 

في المقابل، لم يرَ كارم أبو الحسن مفراً من الذهاب لمقر عمله في شركة للهواتف المحمولة بقيت تعمل حتى بعد الإجراءات التي تقوم بها الحكومة المصرية، ورغم أن الشركة تعمل على فترات، منها الصباحي والمسائي، إلا أنها قامت بإجراء استثنائي تسبب في حالة من الاستياء لدى العاملين، حيث قررت ضم الفترتين الصباحية والمسائية في فترة واحدة ما تسبب في اكتظاظ عدد الموظفين رغم ركود السوق المصري. 

ارتفاع نسبة البطالة، زيادة معدل الفقر، تهديد القطاع غير الرسمي، هبوط في الناتج المحلي... توقعات اقتصادية للمرحلة المقبلة في مصر على خلفية انتشار كورونا، وسط كابوس يعيشه عمال القطاع الخاص بسبب حالات عديدة من الطرد التعسفي واقتطاع الرواتب

يقول عامر: "حاولنا الحديث مع مدير الفرع بشأن زيادة الأعداد وحول إمكانية تقسيم عدد الموظفين على أيام الأسبوع، وبدوره نقل مدير الفرع رغبة واقتراحات العاملين في الشركة لمدير المبيعات الذي يتابع العمل من المنزل خوفاً من العدوى، لكن اقتراحات الموظفين قوبلت بالرفض والإصرار على نزول طاقم العمل بالكامل في فترة واحدة".

" بطالة وفقر وأزمات اقتصادية"

"هناك ثلاثة محاور اقتصادية سوف نشاهدها خلال المرحلة القادمة"، بذلك يبدأ حديثه الخبير الاقتصادي محمد شرين الذي أوضح: "تسريح العمالة سيكون له تأثير على معدل البطالة خلال الفترة المقبلة، حيث من المتوقع أن ترتفع النسبة مرة أخرى بعدما كانت انخفضت نسبياً خلال الأعوام الماضية"، مشيراً إلى نسبة النساء مع الأسف سوف تكون الأعلى في معدل البطالة خلال المرحلة المقبلة. 

ويتوقع الخبير الاقتصادي أن تتضاعف نسبة العاطلين عن العمل عن النسبة التي أعلنها الجهاز المركزي للإحصاء العام الماضي والتي بلغت 7.5 في المئة، وأن يكون للوضع الإجمالي تأثير على تزايد مؤشر الفقر في مصر.

ويشير شرين إلى أن التأثير على نسبة الفقر في مصر، والتي بلغت 32.5 في المئة وفقا لأخر إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، لن تكون فقط من ضحايا القطاع الخاص، فهناك توقعات بأن قطاعات أخرى ستسقط في فخ الفقر ومنها القطاع غير الرسمي الذي يمثل العمالة اليومية وغير المسجلين في الجهاز المركزي، إضافة إلى عمالة المصانع. 

"هذا الموقف يؤكد على ضرورة وجود التنظيمات النقابية المستقلة التي قاومتها الدولة خلال السنوات الماضية، واتحاد عمال قادر على التفاوض مع الحكومة والقطاع الخاص الذي قام بتشريد العمال منذ بداية العزل الصحي".

بموازاة ذلك، سيلجأ عاملون من المسرحين من القطاع الخاص للعمل في القطاع غير الرسمي، ما سيترك تأثيراً على العاملين أساساً في هذا القطاع، وفق الخبير الاقتصادي.

محور آخر سيتأثر خلال المرحلة المقبلة، حسب الخبير، هو الناتج المحلي الذي كان من المتوقع أن يحقق نمواً اقتصادياً خلال العام الحالي يصل إلى 85 في المئة، لكن الآن ثمة توقع بنمو سلبي يصل إلى 1.3 في المئة، بمعنى هبوط اقتصادي خلال هذا العام بنسبة 7.1 في المئة.

ويشير شرين إلى أن هذه الأرقام تستند على توقعات البنك الدولي، متوقعاً أن يكون سبب هذا الهبوط المتوقع هو أزمة تسريح العمالة من القطاع الخاص الذي له الحصة الأكبر من الإنتاج في مصر. 

من جانبه، يقول عضو اللجنة التحضيرية لحزب العيش والحرية (تحت التأسيس) أكرم اسماعيل إن هناك متطلبات حقيقية للعزل الصحي الناجح في دولة فيها نسبة مرتفعة من الفقر، يأتي على رأسها توفير بديل لمصدر الرزق الذي سيتأثر خلال هذه الفترة، عدا ذلك سيكون للعزل الكلي تأثير سلبي للغاية على قطاع كبير مصدر رزقه محدود. 

ويلفت اسماعيل إلى أن هذا الموقف يؤكد على ضرورة وجود التنظيمات النقابية المستقلة التي قاومتها الدولة خلال السنوات الماضية، واتحاد عمال قادر على التفاوض مع الحكومة والقطاع الخاص الذي قام بتشريد العمال منذ بداية العزل الصحي، لأن الجهات الرسمية ستجد صعوبة حقيقية في السيطرة على القطاع الخاص ومنعه من تسريح العمالة كما حدث خلال الأيام الماضية. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard