"تخلوا عن عاداتهم فأصابهم الفيروس"... نقاشات حميمية في حمّام "باريس الصغرى"

INLINE_SwampTunisia_2

الثلاثاء 31 مارس 202006:50 م

بالقرب من منطقة بني مطير الساحرة أو "باريس الصغرى" كما يسميها أهالي معتمدية فرنانة التونسية، والمتميزة بهوائها النقي، جبالها الساحرة، شلالاتها الرقراقة ومعمارها الفريد الذي يطغى عليه اللون الأحمر، يكسو سطوح المنازل، وحتى القصر الرئاسي للزعيم الراحل، الحبيب بورقيبة.

يتوافد عدد من التونسيين، إلى بقعة وسط الجبل تعرف بحمام القوايدية، بغية التلذُّذ بمائها الساخن الذي تفوق حرارته 50 درجة، والاستمتاع بجمال الغابات التي أحاطت بالمكان من كل جانب، وأضفت عليه رونقاً خاصاً.

مع طلوع شمس كل يوم، يتوافد الناس إلى المنطقة، في صورة تبعث على التساؤل عن سر هذا الانجذاب الغريب لـ"الحمام"، رغم أن رائحة الكبريت تفوح منه، ويتميز بلون داكن نتيجة الأوساخ التي تراكمت في قاعه بسبب كثرة مرتاديه.

الساعة تشير إلى السابعة صباحاً، يصل مراد (36 عاماً) موظف بنك، من منطقة فرنانة التي تبعد 9 كلم عن حمام القوايدية، إلى أقرب محطة تصل إليها وسائل النقل، ليكمل طريقه إلى المكان المقصود.

3 كلم هي المسافة الفاصلة بين الطريق المُعبَّد الذي نزل فيه مراد، والحمام الذي يقبع في عمق الجبل المكسوّ بأشجار البلوط، الزان، نباتات الريحان، الذرو والأنج، وغيرها من النباتات التي اختلفت أسماؤها باختلاف المُبرِّرات التي قدمها لنا محدثنا، حول أسباب إقباله الدائم على هذا الحمام.

"هنا لا مجال للفيروسات، هنا الدواء موجود، ومتوفر دون معاناة، ولا عزاء لأصحاب القصور، والفيلات الفخمة في المدينة"

15 دقيقة سيراً على الأقدام، هي مدة كافية لنطلّ من أعلى الجبل على الحمام الذي تتصاعد منه أعمدة البخار، نتيجة لحرارة المياه التي تتزامن مع برودة طقس الصباح، حيث لا تتعدى درجة الحرارة 15 درجة، لينطق مراد كلمته المعتادة، وصلنا إلى "طبيب الغابة".

وضع مراد حقيبة الظهر التي كان يحملها، وأخرج هاتفه الجوال ليلتقط الصور من أعلى الجبل، قائلاً بحماس: "هنا لا مجال لفيروس كورونا، هنا الدواء موجود، ومتوفر دون معاناة (في إشارة إلى الغابة والحمام)، ولا عزاء لأصحاب القصور، والفيلات الفخمة في المدينة".

زحمة الصباح

أخذ مراد حقيبته بسرعة قائلاً: "لنحث الخطى قليلاً فهذا وقت ذروة، وسيمتلئ المكان فجأة بالوافدين، ولن نجد مكاناً للاستمتاع بالماء الساخن".

بمجرد وصولنا إلى الحمام ألقى محدثنا التحية على الموجودين الذي يفوق عددهم 20 فرداً، ومن مختلف الأعمار، من 9 سنوات حتى 70سنة، وأخرج من حقيبته 4 بيضات ليضعهم في مكان خارج الخيمة التي يستحم فيها الرجال، ويطلق عليها "الغلاية"، وهي عين ساخنة جداً تفوق حرارتها 70 درجة، كي يتناولهم بعد خروجه من الحمام كوجبة، مع خبز القمح والشعير الذي تتميز به المنطقة.

رفع مراد ستار الخيمة أو "العشة" كما تسمى هنا، والمتمثل في قطعة قماش بالية، جال بنظره يميناً ويساراً بحثاً عن مكان يضع فيه "أدباشه" إلا أنه لم يفلح، نظراً للاكتظاظ، وصغر المكان الذي يستحمون فيه، والذي لا يتجاوز 3 متر مربع، فقال: "نعم، هي زحمة الصباح".

خرج من داخل الحمام، وجلس يتبادل أطراف الحديث مع بعض الشباب صغار السن والكبار، الذين جاؤوا من منطقة تسمى "الفروحة"، وهي تبعد 5 كلم عن الحمام، حيث بادر أحدهم يقول: "إن هذا المكان هو السبيل الوحيد للقضاء على برد المفاصل ونزلات البرد، بالإضافة إلى أنه المفر الأول والأخير للوقاية من فايروس كورونا".

يؤيد كلامه أحدهم قائلاً: "نعم الماء الساخن كفيل بالقضاء على الفيروسات وتطهير الجسم، وقد شاهدت ذلك في تقرير بثته إحدى القنوات الفضائية".

مراد بدوره قال إنه يأتي إلى هذا المكان منذ نعومة أظافره، وقد أثبت حمام القوايدية فاعليته في القضاء على عدة أمراض، مثل الجرب، القمل ونزلات البرد، مقدماً أمثلة عن أسماء بعض المستفيدين من ذلك، دون أن يذكر دليلاً علمياً واحداً.

مورد رزق وشفاء للمرضى

وصل العم مصطفى الذي خرج لتوه من الحمام، وهو كهل يبلغ من العمر 62 سنة، عامل يومي، لدعم كلام بقية المجموعة، يقول لرصيف22: "هذا الحمام أثبت أنه الأفضل حتى الآن، لقد جبت جميع محافظات البلاد ومدنها، ولم أجد مثل هذا المكان الذي يمنحك راحة استثنائية لكونه ينبع من الطبيعة، ولا يحتوي على أي مركبات ولا مكروبات قد تصيب الجسم".

ويؤكد أيضاً أن هذا المكان كان يمثل مورد رزق لشباب المنطقة، ففي كل فصل صيف تأتي عائلات من محافظات أخرى ويستقرون في خيم هنا لمدة تتجاوز الشهرين، كل حسب حاجته، من أجل التداوي بالماء الساخن والاستمتاع بجمال الطبيعة، وعلى هذا النحو، يقوم البعض من شباب المنطقة بتوفير دكاكين مؤقتة تباع فيها المواد الغذائية والخبز، ويتم إنشاء مقاه ومحال لبيع اللحوم، وهو ما يساعد في تدوير العجلة الاقتصادية بالمنطقة التي تتميز بطابعها الريفي.

"بركاتك جدي الصلاح"

تنهد العم مصطفى والحسرة تلف محياه قائلاً: "هذا المكان ذهبت بركته منذ أن تخلى الناس عن العادات والتقاليد، وراح الجميع يقلد أبناء المدينة ويسمعون كلام أبنائهم الذين غيرت المدارس والكليات تفكيرهم، وجعلتهم أسيري التكنولوجيا الحديثة وما يمليه عليهم العصر الحالي".

ففي ماض ليس بالبعيد، كانت النسوة يصعدن قمة الجبل الذي يبعد عن الحمام 2 كلم، مصحوبين بأبنائهن للتبرك بـ"الصلاح"، وهو جامع صغير موجود في قمة الجبل، يقال حسب رواية العم مصطفى، إنه لوليّ صالح، يذهب إليه الجميع لطلب البركة والعفو والستر، حتى أن سكان المنطقة يقدمون له الأضاحي كل خريف، ويقيمون له الولائم تحت اسم" الزردة" طلباً لإرضائه، وأن يسهل لهم حياتهم، ويزيح عنهم المشاكل والكرب.

ويذهب إلى هذه "الزردة" المئات من المواطنين، مثقفين وغير مثقفين، وهناك تباع لعب الأطفال وأواني الطبخ والخضر والغلال وتوزع اللحوم، كما يتم وضع الأموال داخل هذا الجامع حتى تحل العقد وتسهل كل الأمور والأعمال.

يرجع العم مصطفى أسباب انتشار الأمراض والأوبئة إلى ابتعاد الناس عن عاداتهم وتقاليدهم.

ويرجع العم مصطفى أسباب انتشار الأمراض والأوبئة إلى ابتعاد الناس عن عاداتهم وتقاليدهم، ودخولهم في متاهات الحياة التي لا تسمن ولا تغني عن جوع.

ورغم مقاطعة الجميع للعم مصطفى، لإثنائه عن مثل هذه الترهات التي قال عنها أحد الحضور واسمه نبيل إنها "شرك بالله"، إلا أنه تشبث بكلامه حتى انفض الجميع من حوله، منهم من دخل للاستحمام ومنهم من غادر نحو بيته.

"أغلقوه قبل أن تقع كارثة"

يعلق الناشط الحقوقي سليم بن الشادلي على تعلق بعض الناس بخرافات متعلقة بأماكن، وطقوس في مواجهة وباء ككورونا، قائلا: "الفئات المهمشة غير قادرة على مجابهة فيروس كورونا، لذلك تلجأ إلى أبسط الوسائل مثل التوجه إلى برك المياه الساخنة، اعتقادا منهم أنه تصرف سليم، وهو ما يتعارض والتوصيات التي أقرتها وزارة الصحة".

ويرجع الشادلي تواصل إقبال الناس على الحمام للاستمتاع بالمياه الساخنة رغم تحذيرات السلط المعنية إلى عدم تسجيل محافظة جندوبة لأي إصابة بالفيروس.

وأضاف الشادلي، وهو من سكان "جندوبة"، أن تواصل زحف الناس على الحمام أمر خطير وقد يتسبب في كارثة صحية، منبها إلى عدم الإستماع إلى خرافات كبار السن الذين يعتقدون أن الحمام دواء لكل داء.

كما دعا السلط الجهوية إلى غلق هذا المكان وإجبار الناس على الإلتزام بالحجر الصحي قبل حلول الكارثة

وحول فاعلية الاستحمام بالمياه الساخنة وشربها للقضاء على الفيروسات، ومنها خطر كورونا المستجد، نفى المدير الجهوي للصحة بمحافظة الكاف، طارق الراجحي، في تصريح لرصيف22، صحة هذه الممارسات، مؤكداً أنه لا توجد أي تجربة علمية تؤكد ذلك.

حذر مدير الصحة بمحافظة "الكاف" التونسية في تصريح لرصيف22 من الاستحمام في شكل مجموعات، وأنه يساعد على نشر العدوى، في وقت يتبادل فيه الناس شائعات على قدرات "خارقة" للحمام في مواجهة كورونا

كما حذر من الاستحمام في شكل مجموعات، والذي من شأنه أن يساعد على نقل العدوى ويزيد انتشار الفيروس.

وقد أكّدت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها، حول المغالطات التي يتم تداولها، أن "أخذ حمام ساخن لن يخلّص من الإصابة بفيروس كورونا".

وتشير دراسات إلى أن فيروسات كورونا، بما في ذلك المعلومات الأولية عن الفيروس المسبب لمرض كوفيد-19، قد تظل حية على الأسطح لبضع ساعات أو عدة أيام.

وقد يختلف ذلك باختلاف الظروف، مثل نوع السطح ودرجة الحرارة أو الرطوبة البيئية، وهو ما دعا إليه الراجحي من خلال تجنب التجمعات وعدم ملامسة الأسطح والالتزام بالحجر الصحي تجنباً لغدر "الحمام"، الذي قد يساهم في انتشار الفيروس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard