أطباء يمنيون يتخلّون عن طفلة تصارع الموت خوفاً من كورونا

الاثنين 30 مارس 202002:40 م

في حادثة صادمة، تخلى عدد كبير من أطباء مستشفيات مدينة عدن اليمنية عن طفلة لم تتخط الرابعة من عمرها، وهي تصارع الموت مدة أسبوع قبل دخولها في غيبوبة ووفاتها لا لشيء إلا لخشيتهم من أن تكون مصابة بفيروس كورونا.

كانت الطفلة بحاجة ماسة إلى البقاء على جهاز التنفس الاصطناعي إذ تعاني أزمة ربو، ومعها شهادة طبية بأنها تعالج منه قرابة عام في العيادات الخاصة بصنعاء وجوارها، لكن هذا لم يقنع الأطباء الذين خافوا على سلامتهم وحياتهم.

ولم تسجل في اليمن أي إصابة بفيروس كورونا حتى الآن.

"انعدام الإنسانية"

ووفق بلاغ لأسرة الطفلة جواهر عبد الله (أربعة أعوام) وجّهته إلى "الرأي العام ومنظمات حقوق الإنسان والجهات المعنية" عبر فيسبوك مساء 29 آذار/مارس، فإن والدها علي شيخ صالح السوري من أبناء يافع محافظة أبين (جنوب شرقي صنعاء) "تعرض للابتزاز من قبل الأطباء في مستشفى الصداقة في 22 آذار/مارس إذ أسعفت الطفلة عقب نقلها من مستشفى الرازي في خنفر وكانت تعاني ضيق تنفس وتحسساً في الصدر وتتلقى العلاج في محافظة أبين وعدن في العيادات الخاصة أكثر من عام".

ولفتت الأسرة إلى تدهور حالة الطفلة في تلك الفترة "نتيجة عدم تشخيص حالتها بالشكل المطلوب ومعرفة مرضها"، مضيفةً أنه "عند إدخالها العناية المركزة في مستشفى الصداقة بعدن كانت والدتها بجانبها قبل طرد الأطباء لها من دون أي سبب وبرغم حاجة الطفلة إلى والدتها في تلك الظروف".

وفي اليوم التالي لإدخالها المستشفى، قالت طبيبة العناية المركزة للأب: "يا عم شل بنتك، أما إذا خليتها هنا تموت". فأخرجها ونقلها إلى المستشفى الألماني وهي في حالة يرثى لها. لكن الأسرة فوجئت برفض المستشفى قبول الطفلة فنقلتها حالاً إلى مستشفى خليج عدن في المعلا ثم إلى مستشفى الوالي فإلى مستشفى صابر فالبريهي والجمهورية، وهذه جميعها رفضت قبول الطفلة التي كانت حالتها تزداد سوءاً.

جواهر (أربعة أعوام) طفلة يمنية مريضة بالربو، تركها الأطباء تصارع الموت نحو أسبوع، رافضين استقبالها في أي مستشفى في عدن خشية أن تكون مصابة بفيروس كورونا وتنقل إليهم العدوى

فبركة وتعنت

وأوضحت الأسرة في بيانها سبب الرفض المتكرر للطفلة، قائلةً: "نُشر مقطع فيديو للطفلة جواهر من داخل العناية المركزة بمستشفى الصداقة زعم أنها مصابة بفيروس كورونا وجرى تداول الفيديو على نطاق واسع عبر المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي".

وأضاف البيان: "ظلت الطفلة تعاني سكرات الموت في ظل وجود أطباء ومستشفيات غابت عنهم الإنسانية والرحمة والشفقة وأمامهم طفلة تنازع الموت ثلاثة أيام وطفلتي تزداد حالتها سوءاً بسبب التنقل بين المستشفيات في العاصمة عدن وكانت محتاجه للتنفس الصناعي في العناية المركزة لبقائها على قيد الحياة".

بعد ثلاثة أيام من عناء التنقل بين المستشفيات، اتجهت الأسرة بالطفلة إلى الحجر الصحي في البريقة برغم اقتناع الأسرة بطبيعة حالتها (مريضة بالربو لا بالكورونا)، لكن "تعنت المستشفيات" اضطرهم لذلك. وقوبل تحرك الأسرة اليائس بالرفض أيضاً "بحجة أن المستشفى غير جاهز لاستقبال حالات الكورونا"، وفق الأسرة.

في الأثناء، كانت حالة جواهر تزداد تدهوراً، وانتهى بها الحال إلى مستشفى "ال بي بي" في البريقة حيث فُحصت في قسم الطوارئ وأخذت منظمة الصحة العالمية منها عينةً لفحصها، أثبتت لاحقاً أن الطفلة خالية من الكورونا.

وعقب ظهور النتيجة، اتهجت الأسرة إلى مستشفى عدن الألماني حيث قبل دخولها قسم العناية المركزة أخيراً، لكن بعدما كانت قد تدهورت صحتها تماماً ودخلت في غيبوبة ثم لفظت أنفاسها الأخيرة في 28 آذار/مارس.

وختمت الأسرة بيانها بأن طفلتها "تعرضت بما لا يدع مجالاً للشك للتعذيب غير المباشر والعنجهية اللا إنسانية من قبل مصور وناشر الفيديو ومروجي الإشاعات المغرضة بحقها"، مطالبةً "جميع الجهات المختصة (النيابية والقضائية) ومنظمات حقوق الإنسان بمحاسبة القائمين على مستشفى الصداقة والتحري عن نشر الفيديو الذي سبب عدم قبول الطفلة وإسعافها في كل مستشفيات عدن".

عقاب رادع

ونقل موقع "عدن تايم" المحلي عمن وصفه بأنه "مصدر مسؤول في وزارة الصحة العامة اليمنية" قوله إن "الوزارة ستتخذ خلال الساعات المقبلة عدداً من القرارات والإجراءات الاستثنائية الصارمة ضد كل من تخاذل وتسبب في وفاة الطفلة جواهر".

وأشار المصدر إلى أن "قضية الطفلة جواهر باتت قضية رأي عام ولن تمر مرور الكرام. الوزارة تدخلت في الموضوع وأحالته إلى الشؤون القانونية للتحقيق بشأنه".

هلع كورونا يصيب الكوادر الصحية في عدن اليمنية… الطاقم الطبي في أحد مستشفيات المدينة صوّر مقطع فيديو للطفلة من دون علم أهلها، ونُشر بين الأطباء والمواطنين على أنها حالة إصابة بـ"كورونا" فرفض الجميع استقبالها وتطبيبها

وذكر مدير مكتب الصحة في عدن جمال خدابخش للموقع المحلي: "أنا مصدوم جداً جداً من الخوف والهلع الذي أصاب الطواقم الطبية والتمريضية والذي راحت ضحيته الطفلة".

وأعرب العديد من اليمنيين النشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن صدمتهم من الموقف غير الإنساني لأطباء المستشفيات المذكورة من الطفلة.

وقالت الناشطة الحقوقية اليمنية هدى الصراري: "استهتار أطباء عدن أبى إلا أن يقتل جواهر، برفضهم إنقاذ حياتها وتقديم المساعدة لها وإدخالها المستشفى للعلاج".

واستطردت: "كل أطباء العالم يخوضون قتالاً شرساً ضد كورونا ويخاطرون بحياتهم إلا في اليمن".

ورأى آخرون أن جريمة "قتل الطفلة" شارك فيها مصور وناشر الفيديو الكاذب "وكل شخص تداوله أو روّج له من دون التحقق من صحة ما جاء فيه".

ودافع بعض الأطباء عن موقف أطباء عدن، فقال أحدهم: "أطباء اليمن لا يوجد ما يحميهم. وسائل الحماية معدومة تماماً. الدكتور اليمني إن قدم الخدمة ولا يوجد له ما يحميه فهو بذلك قاتل لنفسه لأنه يعرف أنه سيموت حتماً وأصحاب الربو أكثر تأثراً بكورونا من غيرهم".

وأضاف إليه آخر: "طالبوا الدولة بتوفير الألبسة الواقية والأجهزة للكادر الصحي أولاً".

وتجدر الإشارة إلى أن القطاع الصحي في اليمن بشكل عام، وفي عدن بشكل خاص، يعاني تدهوراً كبيراً في البنى التحتية والكوادر الطبية والتمريضية والتجهيزات الطبية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard