من طقوس التوحد مع الأرض إلى التيار الإيكولوجي... هل اهتم الفن حقاً بالبيئة؟

الثلاثاء 28 أبريل 202006:34 م

نشرت مجلة الغارديان البريطانية مقالاً يوضح بأن تلوث البيئة عامل مساهم في ظهور فايروس كوفيد-19 وانتشاره. ورغم أن البيئة واحدة من الموضوعات التي تتحكم بمستقبل الإنسانية إلا أن الاهتمام بها مازال خجولاً على مستوى الإعلام والفن.

خلال السنوات العشرين الماضية بدأت تظهر بعض الأعمال الفنية المهتمة بقضية البيئة، لكن ماذا عن تاريخ الفن؟ هل كانت البيئة واحدة من موضوعات تاريخ الفن؟ أم أنه لا يمكن تصنيف البيئة كواحدة من موضوعات الفن الأساسية عبر تاريخه. وطبعاً، ليس المقصود هنا حضور الطبيعة في الفن، بل الفن الذي يهدف إلى التوعية بقضايا البيئة.

لا يمكن اعتبار البيئة واحدة من الموضوعات الأساسية في تاريخ الفن، وليس المقصود هنا حضور الطبيعة في الفن، بل الفن الذي يهدف إلى التوعية بقضايا البيئة.

نشرت مجلة الغارديان البريطانية مقالاً يوضح بأن تلوث البيئة عامل مساهم في ظهور فايروس كوفيد-19 وانتشاره. ورغم أن البيئة واحدة من الموضوعات التي تتحكم بمستقبل الإنسانية إلا أن الاهتمام بها مازال خجولاً على مستوى الإعلام والفن

الفن والطبيعة

لكي يحقق الإنسان رسومات الكهوف الأولى لجأ إلى استخراج عناصر من الطبيعة، مثل الصباغات الطبيعية المستخلصة من الأتربة الحمراء، الفلزات وأغصان الشجر. ورغم أنه رسم باستعمال هذه الأدوات عناصر مستمدة من الطبيعة، وخصوصاً الحيوانات، كما تبين كهوف التاميرا، لاسكو، الصحراء الجزائرية وغيرها، إلا أنه لا يمكن اعتبار رسومات الكهوف الأولى بمثابة فن بيئي، لأن غاية هذه الرسومات لم تكن التوعية لأي من المخاطر البيئية، بل بالعكس ربما كانت غايتها هي تحديد الحيوان الذي يجب اصطياده، أو مجرد رسم الصراع بين الحيوان والصياد، والمعروف أن الكثير من الرسوم الجدارية كانت لغاية تحديد مُلكية كل حيوان كنوع من التدوين.

هكذا نميز بين الفن الذي رسم الطبيعة وبين الفن البيئي، فيمكن القول إن الطبيعة قد حضرت في فنون الحضارات ما قبل التاريخ، الفرعونية، البابلية، وغيرها. ففي الحضارة الصينية القديمة مثلاً، دأب الفنان على تأمل الطبيعة ساعات طويلة قبل بدء الرسم، لتحقيق أعلى تواصل مع حكمة الطبيعة، لأن فلسفة الفن الصيني تعتبر بأن اللوحة هي تكملة للطبيعة، وليس تقليداً أو محاكاة لها. ومع الحضارة الإغريقية التي ركزت على الإنسان، تراجع حضور الطبيعة في الفن، وإن نشط التفكير بها في المجال الفلسفي، من قبل فلاسفة الطبيعة الأربع الأوائل، ومن ثم مع أرسطو.

كما في الفن الياباني والصيني، سنجد العديد من الباحثين الذين يصنفون فن المنمنمات الإسلامية، الذي يشكل غالباً من زخرفات نباتية، بكونه واحداً من الفنون التي اهتمت بقضية البيئة، دون أن ننسى أن صورة الجنة في الكتب السماوية تصورها على شكل الغابة، بأنهار، أشجار، ظلال، وعسل وغيرها. إن الجنة في الديانات عبارة عن واحة طبيعية، أشبه بزمننا الحالي بالمحميات الطبيعية وجمالها الهائل.

الثقافة المدمرة للطبيعة

علينا الانتظار لانقضاء المرحلة الكلاسيكية لاستعادة الطبيعة في الفلسفة والفن، وقد تبدو كتابات جان جاك روسو، الكتابات الأولى التي نبهت إلى أثر الحضارة الإنسانية على الطبيعة. انتقد روسو في كتاباته الثقافة الإنسانية، وفاضل عليها الغريزة الفطرية، ودعى لعودة الحضارة الإنسانية إلى العلاقة البدئية مع الطبيعة.

وقد تجسد ما كتبه بوضوح في ولادة الحركة الرومانسية، وخصوصاً في لوحتها الأشهر "الرحالة فوق بحر من الضباب، 1818" للرسام الألماني Caspar David Friedrich كاسبر ديفيد فريدريك (1774 - 1840)، والتي اعتبرت انطلاقة للفن الرومانسي في الرسم، وهي تقابل بين الطبيعة والإنسان.

يقف الرحالة في اللوحة على قمة جبل وينظر من تحته إلى بحر من الضباب كما يشير العنوان. لقد كانت علاقة الإنسان والطبيعة واحدة من الموضوعات الأساسية في الحركة الرومانسية، لذلك يمكن اعتبارها أولى التفاتة ثقافية إلى الطبيعة قبل نشأة الفن البيئي في القرن العشرين.

الطبيعة في الفن الانطباعي

يعتبر الفنان طلال معلا في مقال بعنوان "الفن البيئي، صراع الحكمة الإنسانية"، أن الحركة الانطباعية أعادت محور الفن حول الطبيعة. لقد أخرجوا المرسم من الغرف المغلقة إلى الطبيعة، وأدخلوا الطبيعة في فلسفتهم الجمالية، يكتب في ذلك: "استطاع الانطباعيون إعادة تقييم العمل الفني، من خلال مجموعة معطيات تمحورت حول النور والانعكاس وعلاقتهما بالطبيعة، وهكذا بدأ التعامل مرة أخرى مع مفردات الطبيعة ذات الصلة مثل: الانعكاس، الانكسار، الماء، الأثير، الهواء، الموج، البحر، الغيم، الشمس والضوء. وتمثل أعمال مونيه فن المناخ بحق".

لقد رسم الانطباعيون البحيرات، الأنهار والشمس، لكنهم لم يحملوا لوحاتهم أي بعد توعوي لذهن المتلقي لإدراك المخاطر البيئية.

نشأة الفن البيئي

أيضاً، لم تكن المدارس الفنية الناشئة في بداية القرن العشرين مهتمة بموضوع البيئة، وعلينا الانتظار حتى الستينيات من القرن العشرين، حتى نتمكن حقاً من تلمس إنتاجات إبداعية يمكن أن نطلق عليها وصف "الفن البيئي". فبدءاً من الستينيات، بدأ العديد من الفنانين، ومعظمهم من الألمان، مثل: نيكولاوس لانغ Nikolaus Lang، ليلي فيشر، هانس هاكي Hans Haacke، جوزيف بويس Joseph Beuys وآلان سونفيست Alan Sonfist، بإنتاج أعمال فنية جديدة تؤكد على الاتصال بالبيئة، حاولوا استكشاف المواد على الأرض، وكان عملهم في المقام الأول فناً يستكشف الحاجة إلى حماية البيئة التي يعيش فيها البشر.

من أعمال الفنان آلان سونفيست

 "منذ أواخر السبعينيات، بدأت تتضح معالم فن البيئة، في مواجهة المستقبل الغامض، الذي ينال التهديدات المختلفة والقاسية للوجود الإنساني على هذا الكوكب"

يكتب طلال معلا عن نشأة الفن البيئي: "منذ أواخر السبعينيات، بدأت تتضح معالم فن البيئة، في مواجهة المستقبل الغامض، الذي ينال التهديدات المختلفة والقاسية للوجود الإنساني على هذا الكوكب. بعد أن كان يدعى بفن المناخ". ويعتبر الكاتب محمد هادي، في مقاله "الفن البيئي كيف يراه الأدباء والفنانون؟" أن الفن البيئي نشأ كرد فعل على المجتمع الصناعي الرأسمالي وسيادة النفايات فيه، هو صرخة رفض للتشوهات والتلوث التي أحدثتها الصناعة، ليعرف طلال معلا أخيراً فن البيئة بأنه: "الفن الذي يهجس بمصير هذا الكوكب المرتبط بحقيقة وجودنا عليه، ويدعو إلى إعادة التوازن إلى كل ما من شأنه تهديد الأحياء وما يدفع الجمادات إلى الاضطراب، ووقف كل ما يرفع درجة حرارة الكوكب".

"الفن الذي يهجس بمصير هذا الكوكب المرتبط بحقيقة وجودنا عليه، ويدعو إلى إعادة التوازن إلى كل ما من شأنه تهديد الأحياء وما يدفع الجمادات إلى الاضطراب، ووقف كل ما يرفع درجة حرارة الكوكب"

من هذا المنظور تماماً برز التيار الفني المسمى بـ"التشخيصية الإيكولوجية" Eco Art، وهو من أولى تيارات الفن البيئي، ومن أعلامه جرتلوب، دومينيك تينو، ليبرزدير، وفريق جون الياباني وغيرهم كثيرين. يدعو هذا الفن إلى وقف الاغتيال المباشر للكون، تشارك مؤسسوه الرأي بأنه كلما طغى الإنسان في الاستثمار الفوضوي لمقدرات هذا الكوكب، كلما ازداد التلوث الصناعي والإشعاعي والقيمي. وقد تأثر هذا الاتجاه بالفلسفة الشامانية التي انتشرت في أميركا الشمالية، والتي تمارس بعض فئاتها عبادة الطبيعة عن طريق ممارسة طقوس التواجد والتوحد مع عناصرها.

يلفت طلال معلا الانتباه إلى أن فناني البيئة الأوائل اعتمدوا على الشجرة كرمز، وكذلك الغابة، وكل ما يتعلق بتفاصيلهما، وأنهم مالوا إلى الفن التقليلي، أي المينيماليزم: "جي جراتلوب بأحراشه المنداة بالحلم، وأغضان دومينيك تينو العائمة في مياه آسنة، والطافية إلى حتفها المعلوم، وحدائق لبييروجيرا المغلفة بالنايلون".

فن الأرض Land Art

يعتبر الكثير من النقاد أن أبرز تيار في الفن البيئي هو تيار يسمى "فن الأرض". كان قد نشأ في السبعينيات من القرن المنصرم في إيطاليا، تحت مسمى "الفن المتصحر"، وحين انتقل إلى الولايات المتحدة طغت عليه تسمية "فن الأرض" أو اللاند آرت، وقد شكل أحد الروافد الأساسية لفن البيئة.

لقد خصص الكاتب إدوارد سميث John Edward McKenzie Lucie-Smith، واحدة من مقالاته البارزة في الفن التشكيلي لفن الأرض، فاعتبر أن عبادة الشكل المضاد، التي بدأها الفنان روبرت موريس، هي التي دفعت بالفنانين إلى القيام بتجارب بمختلف المواد. أصبح الفنانون غير مكتفين بالشكل المضاد، لقد كانوا يريدون مواجهة مباشرة مع الواقع الخارجي، وكانت إحدى الوسائط التي تتيح الوصول إلى ذلك، هي جلب العالم الخارجي المتمثل بالأرض والحجارة إلى أروقة الفن، وهذا ما فعله روبرت سميستون  Robert Smithson في عدد من أعماله

لم يرغب فنانو الأرض إخراج العمل الفني من الرواق أو صالة العرض فقط، بل رغبوا بخلق هذا العمل في محيط طبيعي. إن عمل سيمستون الذي تم تنفيذه في البحيرة المالحة الكبرى بولاية يوتاه، والمسمى بـ"الحاجز الحلزوني"، قد أضحى، بعد عدة سنوات من إنشائه، المثل الأكثر شيوعاً لفن الأرض. يجب على المتلقي الذهاب إلى منطقة غير مأهولة بالسكان لرؤية هذا العمل الفني، ولا يمكن النظر إليه بمجمله إلا من الجو. وكذلك أنجز مايكل هيزر Michael Heizer عمله الذي سماه "كتلة مزاحة أعيدت إلى مكانها"، في منطقة سلفير سبرينغ بصحراء نيفادا، وحتى يحقق عمله الآخر بعنوان "سلبية مزدوجة" توجب عليه إزاحة 240 ألف طن من التراب والصخور، وصمم بما يوحي شكله طبيعة الأرض وتم تصويره فوتوغرافياً. واليوم يعرض متحف Glenstone آخر أعماله (رابط). 

أما والتر دو ماريا Walter De Maria فقد نفذ عمله "أرض لاس فيغاس" وهو يمثل خطاً طوله ميل واحد شق في صحراء نيفادا، وقام بمنع أي تصوير فوتوغرافي للعمل، ليدفع المشاهد الذي يود التعرف على هذه الأعمال على نحو أفضل أن يذهب إلى المناطق الصحراوية، إلى الطبيعة، لرؤية هذه الأعمال. أما الفنان كريستو فقد غلف المدى البيئي بطريقة ملغزة بواسطة الحواجز القماشية، فقد وضع الأقشمة لإخفاء كل من جدار الصين 1975، جسر البون نوف باريس 1985، وبرلمان برلين. فهو يتعامل مع القياسات الطبيعية والأحجام الحقيقية، التي ينبغي إلغاؤها من الذاكرة البشرية لفترة زمنية، لإحلال مكان آخر جديد محل العورة البيئية، أو الفساد البيئي الذي يتعامل معه بشكل مباشر.

إن الهدف الأساسي لفناني الأرض كان التأكيد على هويتهم وتماثلهم مع الطبيعة والقوى الطبيعية، كما في أعمال الفنانين الإنكليزيين ريتشارد لونغ Richard Long وهاميش فولتون Hamish Fulton.

من أعمال الفنان ريتشارد لونغ 

كذلك يتعامل فن الأرض مع الظواهر الطبيعية والتباين الموجود في الطبيعة، أو تشويهها على نحو متعمد، مثل أعمال المصور الفوتوغرافي جان ديبيت، المعروف بتصحيحاته التي يجريها على الصور التي يلتقطها لمناظر طبيعية، بطريقة تظهر فيها هذه المشاهد على نحو يختلف عن المشهد الطبيعي الحقيقي. أما الفنان الألماني الأمريكي هانز هاكي Hans Haacke، فقد اهتم بالأنظمة العضوية واللاعضوية في عمله "الصيصان تخرج من البيض".

النحت البيئي

لقد اهتم فن النحت أيضاً بالفن البيئي. تكتب منصة "هيسور" عن الفن البيئي والنحت: "بدأ نمو الفن البيئي كحركة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. في مراحله الأولى كان أكثر ارتباطاً بالنحت – وخاصة الفن الخاص بالموقع والفن الأرضي و آرت بوفيرا – التي نشأت من الانتقادات المتزايدة للأشكال النحتية التقليدية، والممارسات التي ينظر إليها على نحو متزايد بأنها عفا عليها الزمن، ومن المحتمل أن تكون خارج الانسجام مع البيئة الطبيعية".

في عام 1978، احتل باري توماس، ومجموعة فنانين أرضاً شاغرة في ولينغتون نيوزيلندا بشكل غير قانوني. وألقوا حمولة شاحنة من التربة السطحية ثم زرعوا 180 شتلة من نبات الملفوف على شكل كلمة "الملفوف"، ثم غُمر الموقع مع عمل هؤلاء الفنانين المساهمين. استمر الحدث كله 6 أشهر وانتهى مع مهرجان لمدة أسبوع احتفالاً بالأشجار والغابات الأصلية. في عام 2012، قام متحف نيوزيلندا تي بابا تونغاريوا، أكبر مؤسسة ثقافية في البلاد، بشراء جميع أرشيفات الملفوف التصحيحية مستشهداً بأنها: "جزء مهم من تاريخنا الفني والاجتماعي".

بعدها، بدأ الفنانون مثل روبرت موريس Robert Morris، بإشراك إدارات المقاطعات واللجان الفنية العامة لإنشاء أعمال في الأماكن العامة، مثل الحفر والأماكن مهجورة. وفي عام 1982، أقام الفنان هربرت باير مشروعه "طاحونة كريك كانيون"، وقد خدم هذا المشروع الفني وظائف مثل التحكم بالتعرية، ومكان ليكون بمثابة خزان خلال فترات هطول الأمطار العالية، وحديقة 2.5 فدان خلال مواسم الجفاف.

ومن بعدها اتسع نطاق الفنون البيئية ليشمل المشهد المديني، فأنشأت أغنس دينيس Agnes Denes عملاً في وسط نيويورك بعنوان "A FOREST FOR NEW YORK - A PEACE PARK FOR MIND AND SOUL"، حيث زرعت حقل القمح على موقع فدانين من مكب النفايات مغطاة بالمخلفات الحضرية والركام.  وكأن حكاية المكان رمزية، حيث تحول من الفضاء الإيكولوجي إلى السلطة الاقتصادية.

فن البيئة عربياً

يعتبر الفنان طلال معلا أن فن البيئة ارتبط بالتراث البصري العربي، ورأى أن البيئة تمتد إلى الثقافة، النفس، المجتمع وكل ما هو معاش حضارياً وثقافياً، وذلك من خلال فنون: الرقش، الشعبيات، الحروفية والفنون التقليدية. لكن في الحقيقة، إن هذه الفنون، وإن كانت تستلهم الطبيعة كعناصر جمالية أو تزينية، لا تحمل بعداً توعوياً عن مخاطر البيئة، ولا تتعامل أصلاً مع الطبيعة كموضوعة فكرية.

وفي الفن العربي المعاضر، يذكر معلا مشروع "الرايات الملونة" الذي أنجزه القاسمي عام 1977، وتجربة العراقي ضياء العزاوي، وفاتح المدرس من سورية، وسليمان منصور من فلسطين. وفي إطار إخراج مكان العرض إلى الطبيعة، قام الفنان عبد الله بن محجوب عام 1987، بفرش عدة كيلومترات من الحروفيات العربية على طريق الشمال الفرنسي.

وفي العام 1995، عرضت سهى شومان في باريس مشروعها "رمل وحجر"، وهو معرض تصويري يستعيد المادة الجغرافية الكنعانية، وكذلك فعل ناصر السومي بحصاه الكنعانية، ورنا بشارة بصبارياتها التي استعملتها كمادة إنشاء بيئي، ومحمد أحمد ابراهيم من الإمارات الذي له إسهامات فعالة في فن البيئة والفن المفاهيمي، إلى جانب عبد الله السعدي ومحمد كاظم من السعودية، قدم فيصل سمرة تنويعات على الخيمة والصحراء، وكل هذا استمرار لما بدأه مهدي مطشر في باريس ومنى حاطوم في لندن وأحمد معلا في سورية.

كما برزت مؤخراً تجربة الفنان السوري محمد خياطة على مستوى الاهتمام بالصورة الفوتوغرافية وأعمال التجهيز الخاصة بقضايا البيئة. وكذلك الفنانة اللبنانية ميريلا سلامة، التي تعمل على موضوعات الجسد والبيئة في أعمالها التي تجمع التجهيز مع فن الأداء.

خاتمة

نكتشف من هذه الرحلة مع موضوعة الفن والبيئة عبر التاريخ، أن استلهام الطبيعة أو عناصرها في الفن لا يجعل من العمل الفني عملاً بيئياً، فالطبيعة طالما وجدت في تاريخ الفنون دون أن تناقش هذه الفنون المخاطر البيئية، بل بقيت في موضوعة الطبيعة كموضوعة جمالية وحسب، وأن الفن الإنساني لم يعتبر البيئة موضوعاً أساسياً له إلا في منتصف ستينيات القرن العشرين.

ومع ذلك، يفاجئنا الفن الإنساني حين اهتم بالبيئة، فلم يكن ذلك فقط على مستوى جعلها موضوعة توعوية، بل تجلى ذلك بعدة طرق أبرزها: نقل مكان العرض إلى الطبيعة، وإدخال أجزاء من الطبيعة داخل العمل الفني، ومن ثم إدخال عناصر من الطبيعة كمواد للعمل الفني، كاستعمال الصخور، الصباغ، ومنتجات الزراعة مثل الملفوف وغيره، وكذلك ما سنراه لاحقاً من فن إعادة التدوير، الذي يهدف إلى الحد من التلوث الإستهلاكي الذي يسببه الإنسان بشكل كارثي، لدرجة القضاء على مليون من الأجناس الحية خلال العقود الثلاثة الأخيرة وحدها. ولأن الإنسان يدمر بسرعة ما أنجزته الطبيعة عبر ملايين السنين، فعلى الفن أن ينشط أكثر في التعبير والدفاع عن قضايا البيئة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard