مي خريش وحرية الرأي "غير المكفولة" في لبنان

الجمعة 27 مارس 202006:44 م

مطالباً بـ"إنزال أشد العقوبات بها"، تقدم وائل شبارو قاضي بيروت الشرعي السني، عضو المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى ببلاغ إلى النيابة العامة التمييزية في العاصمة اللبنانية ضد نائبة رئيس التيار الوطني الحر، مي خريش على خلفية اتهامها بـ"الإساءة إلى الرسول محمد".

ودعا شبارو في 27 آذار/مارس إلى توقيف خريش، مدعياً عليها بالمواد 317 و574 من قانون العقوبات اللبناني، ومطالباً بإحالتها إلى القضاء الجزائي المختص و"إنزال أشد العقوبات في حقها".

هذا البلاغ هو الثاني ضد خريش خلال 24 ساعة. وكان البلاغ  الأول قد تقدم به المواطن أحمد المصري في 26 آذار/مارس، متهماً إياها بـ"إثارة الفتنة والاستهزاء بالمقدسات"، ومطالباً بتوقيفها والتحقيق معها بموجب المادتين 417 و457 من قانون العقوبات.

يأتي البلاغان بعد نشر خريش تغريدة عبر حسابها في تويتر رشحت خلالها كتاب "les derniers jours de Muhammed" أو "آخر أيام محمد" لمتابعيها من أجل قراءته خلال فترة الحجر المنزلي للحد من تفشي فيروس كورونا.

ويعد هذا المؤلف للكاتبة التونسية هالة وردي من المؤلفات الممنوعة في كثير من الدول العربية والإسلامية وسط مزاعم بـ"إساءته للرسول محمد وتحريف معلومات غير صحيحة في سيرته".

وكتبت خريش في تغريدة: "بعيداً عن السياسة وكورونا، سأشارك معكم كل يوم كتاباً وأتمنى منكم أن تشاركوني كتبكم… خلينا نحول الحجر المنزلي إلى قيمة مضافة لنا"، مرفقةً التغريدة بصورة لغلاف الكتاب.

كتاب "آخر أيام محمد" للتونسية هالة وردي يضع الناشطة السياسية اللبنانية مي خريش تحت طائلة القانون. الاتهامات عديدة قد تصل عقوبتها إلى نحو 10 سنين في حالة الإدانة وتشديد العقوبة كما طلب المدّعون عليها

سجن 10 سنين 

تنص المادة 317 على أنه "كل عمل وكل كتابة وكل خطاب يقصد منه أو ينتج عنه إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة يعاقب عليه بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من 100 ألف  إلى 800 ألف ليرة وكذلك بالمنع من ممارسة الحقوق المذكورة في الفقرتين الثانية والرابعة من المادة الـ65".

أما المادة 574 فنصت على أن "من توعد آخر بجناية عقوبتها الإعدام، أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو أكثر من 15 سنة أو الاعتقال المؤبد سواء بواسطة كتابة ولو مغفلة، أو بواسطة شخص ثالث عوقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات إذا تضمن الوعيد الأمر بإجراء عمل ولو مشروعاً أو بالامتناع عنه".

وورد في نص المادة 417: "لا تترتب أية دعوى ذم أو قدح على الخطب والكتابات التي تلفظ أو تبرز أمام المحاكم عن نية حسنة وفي حدود حق الدفاع المشروع".

وأخيراً، نصت المادة 457 على أن "يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة السابقة (الأشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل) مع الفارق المبين فيها الموظف الذي ينظم سنداً من اختصاصه فيحدث تشويهاً في موضوعه أو ظروفه: إما بإساءته استعمال إمضاء على بياض أؤتمن عليه، أو بتدوينه مقاولات أو أقوالاً غير التي صدرت عن المتعاقدين أو التي أملوها، أو بإثباته وقائع كاذبة على أنها صحيحة أو وقائع غير معترف بها على أنها معترف بها أو بتحريفه أي واقعة أخرى بإغفاله أمراً أو إيراده على وجه غير صحيح".

يعني هذا أنه في حالة إدانة خريش في هذين البلاغين وتشديد العقوبة ضدها كما طلب المدعيان، فإنها مهددة بخطر السجن نحو 10 سنين بسبب تغريدة.

دار الفتوى تستنكر

عقب تداول تغريدة خريش، خرجت دار الفتوى اللبنانية في بيان معربةً فيه عن "أسفها وشجبها للدعوة التي وجهتها إحدى السيدات التابعة لتيار سياسي في لبنان لقراءة كتاب فيه إساءة لخاتم الأنبياء والمرسلين محمد".

وأبدت اندهاشاً إزاء "الترويج الناتج عن خلفيات فكرية خطيرة على السلم الأهلي والعيش المشترك"، داعيةً "الجهات المختصة في الدولة إلى وضع حد لمثل هذه الأمور التي فيها ‘تجديف‘ والمخالفة للأصول التي يرعاها الدستور اللبناني، ولسد باب الذرائع من حصول فتنة بين اللبنانيين".

وختمت بالتشديد على أن "التعرض للأنبياء ورسالاتهم أمر مرفوض ومدان ومعيب في الإسلام، كما يدينه العقل السليم والفطرة الإنسانية السليمة، فالاعتذار واجب وأداً لأي فتنة قد تنتج عن هذا الحدث".

فيما دعمت خريش سابقاً منع حفلات "مشروع ليلى" بدعوى إساءتها للمسيحية، تضامن العديد من الحقوقيين والناشطين معها، معتبرين أن "حرية الرأي والتعبير خط أحمر، وحق للجميع"

خريش والاعتذار

ولم تفوت خريش الفرصة برغم تضامن عدد كبير من الناشطين والحقوقيين اللبنانيين معها، فذكرت في بيان أنها تواصلت مع دار الفتوى وشرحت للمعنيين أنها لم تكن تقصد أي إساءة، معلنةً اعتذارها وحذفت التغريدة.

وأضافت خريش: "انطلاقاً من راحة ضمير وصدق النية، أعبر عن أسفي لما يمكن أن يعتبره البعض إساءة لا سمح الله للدين الإسلامي الكريم، وعليه أسحب تغريدتي وأتمنى أن يسهم ذلك في وضع حدّ لجدل لا أريده، مؤكدة حرصي على احترام الجميع في إطار إحترام الحريات العامة والتنوع في المجتمع اللبناني".

وقالت إن المصادفة وحدها قادتها لترشيح كتاب الأستاذة الجامعية التونسية الذي كانت تقرأه، لافتةً إلى أنها لم تكن تروج له.

وختمت: "إذا كان الكتاب يمثّل إساءة لأحد فأنا حتماً لا أتبناها".

تضامن وهجوم

وبرغم مواقف خريش المتصلة بالحريات، تحديداً دعمها منع فرقة "مشروع ليلى" من الغناء في مهرجانات جبيل بذريعة "إهانة رموز الدين المسيحي"، بادر العديد من الناشطين والحقوقيين اللبنانيين إلى التعبير عن التضامن معها ودعمها انطلاقاً من أن "حرية الرأي والتعبير مكفولة للجميع". قال الحقوقي جورج قزي عبر تويتر: "تنتذكر معايير العونيين المزدوجة، وخبث مي خريش وحقارتها، ومع هيدا كله رح نكون أول من يوقف معها ضد أي محاولة قمع، أو محاكمة، (طبعاً مع حق الناس أنها ترد عليكي بالكلام) لأن نحنا مع حرية التعبير للجميع حتى أمثالك".

واعتبر مغردون أن الهجوم على خريش له أهداف سياسية، لعل هذا ما دفع الإعلامية اللبنانية جويل بو يونس إلى التغريد قائلةً: "هلق قايمين القيامة على مي خريش كيف حاطا كتاب عم تقري بهيدا العنوان بس أنا بدي أسالكن سؤال: شو خصكن فيا؟ حرة بدا تقرا يلي بدا ياه! منيح اللي مش هيي كاتبي الكتاب يعني! ولو عملت شي غلط أكيد بتعتذر بس ما صدر شي عنا للمخلوقة! بيكفي هجمات سياسية".

واستنكر كثيرون ما كتبته النائبة عن المقعد السنّي في البرلمان اللبناني وممثلة تيار المستقبل، رولا الطبش جارودي عبر حسابها على تويتر.

وغردت جارودي: "لا أحد يختلف على فوائد القراءة. لكن أن يكون الكتاب أداة استفزاز وفتنة، فهذا يعني أن من يقترحه للقراءة مجبول بالتعصب الأعمى المُهدّم، وكيف إذا كان ‘صيته‘ بإثارة الفتنة فاقعاً! احترمي ديننا ونبيّنا وإيماننا يا ‘أستاذة‘، لان ما تقترفينه هو اضطهاد ديني وإثارة للفتنة الطائفية..فاحذري!".

وأعرب كثيرون عن رفضهم اعتذار خريش "لأنها بكل بساطة ما غلطت. الكتاب موجود في المكتبات في لبنان، فإذا كان مضمون الكتاب يسيء للنبي فالأجدر منعه في لبنان"، ورأوا أن اعتذار خريش "يعيد لبنان سنين لورا بوقت عم نطالب بدولة مدنية".

على الجانب الآخر، رفض مغردون ما نشرته خريش وقالوا إن البلد يمر بظروف صعبة وما كان ينبغي أن تنشر مثل هذه التغريدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard