أغلقوا هواتفكم الآن... لماذا قد يقتلنا القلق قبل كورونا؟

الأحد 29 مارس 202001:15 م

قبل زمن ليس بقريب، خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقف الإنسان وسط النيران، تسمّر في المنتصف، وانهالت عليه الأسلحة من كل اتجاه. انتبه يمينك وإلا ستباغتك طلقة. انتبه يسارك وإلا ستصيبك قنبلة. انتبه خلفك وفوقك ومن تحت قدميك وإلا سيطعنك العدو.

مرّت السنوات. وأتى الأحفاد ليقفوا وسط النيران مرةً أخرى. لكن هذه المرة النيران من نوع آخر. هي نيران "معرفة أكثر مما يجب". تسمّرنا نحن في المنتصف، وانهالت علينا المعلومات من كل اتجاه. انتبه يمينك فأحدهم يقول إن جليد القطبين سيذوب وتبتلعك مياههما. انتبه يسارك فخبير الاقتصاد يخبرك أنك ستموت جوعاً في السنوات الخمس القادمة. انتبه خلفك وفوقك ومن تحت قدميك فالعالم ينهار في كل لحظة.

دعوني أخبركم أن لا فرق بين نيران المعركة ونيران المعرفة الزائدة سوى أن إحداهما تقتلكم سريعاً والأخرى تقتلكم ببطء.

حسناً، مرحباً بكم في عالم التكنولوجيا.

عقلنا لا يحتمل كل تلك المعلومات

كم ساعة تقضي(ن) يومياً أمام الهاتف؟ ربما ساعتين، وربما عشر ساعات. طوال تلك الساعات نتعرّض لكم هائل من المعلومات. نقرأ أخباراً عن كل مكان في العالم، نعرف تفاصيل حياة أشخاص لا نعرف عنهم سوى أسمائهم، نشاهد صوراً ومقاطع فيديو وتسجيلات لا حصر لها. كمٌ غير منتهٍ من معلومات عشوائية تضربنا في مكاننا.

تكثر الدراسات العلمية التي تخبرنا بالأثر السيئ لما يُسمى بـ"المعلومات المُفرطة". إحدى تلك الدراسات تخبرنا صراحة أن المعلومات المفرطة تؤثر سلباً على سلامة الإنسان النفسية. فكّروا في ما الذي يحدث لموصل الكهرباء في بيتكم عندما يزيد الحمل عليه؟ ينهار تماماً وتنقطع الكهرباء. كذلك الأمر بالنسبة إلى عقولنا. كوننا نستقبل معلومات طوال اليوم من كل اتجاه وعن أي وكل شيء يزيد الحِمل على استيعابنا ويسبب له انهياراً كلياً.

رصدت الدراسة آثاراً سلبية عديدة للمعلومات المفرطة تضمنت الضغط، الاكتئاب، القلق، إحساس الفرد دائماً بأن شيئاً ما يثقله، وفي بعض الحالات الهلع.

الأمر لا يقتصر على التأثيرات النفسية فقط. تخبرنا الدراسة أن الأمر قد يسبب تأثيرات جسدية أيضاً مثل فقدان الشهية والأرق وتثبيط الجهاز المناعي.

لحسن الحظ، تخبرنا الدراسة بالحل لكل ذلك. الحل ببساطة هو أن نبحث لأنفسنا عن ملاذ بعيد عن كل هذا. أن نعطي لأنفسنا الوقت لاستيعاب القدر الذي يناسبنا من المعلومات. هذا بدوره سيسمح لنا بالتركيز في المعلومات التي تهمنا فقط، دون تشتيت أو ضغط.

جميعنا حاول مرة على الأقل أن ينفصل عن كل وسائل التواصل الاجتماعي. حاول(ي) الآن تذكّر الراحة التي شعرت بها حينها وحكيت عنها بعد ذلك. ذلك لأن وسائل التواصل الاجتماعي تشكل مصدراً لا ينضب لكم هائل من المعلومات.

مَن منا يحتاج الآن إلى هذا القدر من الضغط العصبي؟ والأهم، مَن منا يحتاج إلى وظائف جسدية أقل كفاءة في وقت جائحة عالمية لا هروب منها سوى بمناعة جيدة؟

سيكولوجية الجماهير... خالتك تسبب هلع العالم

أعلم أن خالتك حملت على عاتقها مهمة وكالات الأنباء منذ أول لحظة لاكتشاف الفيروس. "غروب العائلة" نشط فجأة على "واتساب" لأن خالتك ترسل أخباراً عن فيروس كورونا كل دقيقة تقريباً. لا داعي بالطبع لذكر أن تلك الأخبار معظمها شائعات وخرافات، لكنها في النهاية نجحت في التأثير على عائلتك. انتقلت الشائعات الآن إلى أمك وبعد قليل إلى أبيك. إذا أخبرتهم أن كل ذلك كذب سوف تنهال الضربات فوق رأسك.

كل دقيقة تقريباً تظهر شائعة مختلفة حول كورونا تجد لها جمهوراً عريضاً من المصدقين. التوتر الذي أصاب الجميع دفع بهم إلى آلية الهلوسة الجماعية. مشكلة تلك الظاهرة أنها تنتقل بالعدوى. يكفي أن يطلق شخص واحد التحريض حتى يجن الجميع

يفسر لنا غوستاف لوبون هذا الأمر في كتابه الشهير "سيكولوجية الجماهير". يخبرنا أن الجماهير تتصف في أحيان كثيرة بعواطفها المتطرفة. وتلك العواطف ببساطة تمثل مشكلتين: أنها تنتقل بين الناس بالعدوى حتى تشكل جمهوراً كاملاً، وأنها تصيبهم بالوهم.

يضرب لنا لوبون مثالاً شيقاً للغاية عن هذا الأمر. كانت إحدى الفرق تنتشر في البحر بحثاً عن سفينة حربية ضاعت وسط عاصفة عنيفة. فجأة، رأى مراقب السفينة زوارق مليئة بالناس فنادى الضباط والبحارة على سفينته وأخبرهم بالأمر. وقف الضباط والبحارة ورأوا بالفعل زوارق تحمل أناساً يستغيثون. وبناءً على ذلك، نزلت مجموعة من الضباط على متن قارب لينقذوا الرجال. وعندما اقترب الضباط من الزوارق رأوا "مجموعة من الرجال الذين يتخبطون في الماء ويمدون أيديهم للإنقاذ، وتخيلوا سماع أصوات عديدة تصرخ منادية بالاستغاثة".

حسناً، إليك المفاجأة. عندما وصل الضباط إلى الزوارق لم يجدوا أي بشر عليها. كانت تحمل فقط أغصان أشجار.

يمثل ذلك دليلاً مهماً على ما يمكن أن يحدث عندما تسيطر العواطف المتطرفة على الناس. السبب في كل هذا كان مراقب السفينة الذي رأى الزوارق أولاً وأخبر الجميع بالأمر. ما رآه الضباط من أناس يستغيثون كان من نسج خيالهم المدعوم بـ"حالة الانتظار والترقب" التي أحاطت بهم. سمى لوبون تلك الظاهرة بـ"آلية الهلوسة الجماعية". انتقال وهم ما بين الناس وتصديقهم له بسبب تضخم الفكرة التي احتلت عقولهم.

بالتأكيد، يمكنك الآن أن تطبق نفس الأمر على ما يحدث حول وباء كورونا. في كل دقيقة تقريباً تظهر شائعة مختلفة تجد لها جمهوراً عريضاً من المصدقين. التوتر الذي أصاب الجميع دفع بهم إلى آلية الهلوسة الجماعية. مشكلة تلك الظاهرة أنها تنتقل بالعدوى كما ذكرنا. يكفي أن يطلق شخص واحد التحريض حتى يُجن الجميع.

ربما ننظر الآن إلى مَن يطلق الشائعات كضحية أكثر منه كجانٍ. الجناة الحقيقيون هنا هما التوتر الشديد الذي يسبببه انتشار فيروس كورونا المستجد والضغط الذي يولده تدفق معلومات هائلة كل دقيقة عن زيادة أعداد المصابين أو تحديثات المرض.

الخبر الأسوأ هو أنك أنت أيضاً من الممكن أن تقع(ي) ضحية لآلية الهلوسة الجماعية، لأنه، كما يخبرنا لوبون، الأمر لا يتعلق بكون المرء على درجة عالية من العلم. الحل إذاً أن نتحرى الدقة في كل خبر نقرأه، وذلك لن يتحقق سوى بإعطاء نفسك وقتاً مناسباً لاستيعاب المعلومات التي تقابلك دون إفراط.

حسناً، على الأقل خالتك ليست المُلامة الوحيدة!

الأمل الأمل

تحكي الأسطورة الإغريقية أن زيوس أراد أن يعاقب بروميثيوس لسرقته النار وإعطائها للبشر، فأرسل للأرض باندورا، أول امرأة تسكن الأرض. علم بروميثيوس أن في الأمر خدعة، لكن مَن وقع في حب باندورا ولم يستطع المقاومة كان شقيقه إبيمثيوس الذي تزوجها. بعد قليل تلقّت باندورا من زيوس هدية على هيئة صندوق مغلق. ولأن إبيمثيوس أخذ بعض الحكمة من أخيه، علم أن في الأمر خدعة وأوصى امرأته ألا تفتح الصندوق مهما حدث.

"آلية الهلوسة الجماعية"، أو انتقال وهم ما بين الناس وتصديقهم له بسبب تضخم الفكرة التي احتلت عقولهم... هذا ما يحدث لنا في زمن الكورونا وعلينا الانتباه منه

حاولت باندورا الامتثال لأمر زوجها، ربما لأيام فقط. في النهاية خنقها فضولها وفتحت الصندوق. هنا تحررت من الصندوق كل شرور العالم، الطمع والجوع والكره والنفاق وغيرها من المصائب. فُزعت باندورا بالطبع وأغلقت الصندوق بسرعة، لكن بعد فوات الأوان.

بسبب ما تحرر من الصندوق، عاش البشر جحيماً كاملاً. ربما نجد في هذا درساً مهماً: الفضول لما لا نستطيع إدارته دائماً يأتي بالمصائب. لكن انتظر، ليس هذا هو الدرس الوحيد.

للأسطورة بقية. يخبرنا الإغريق أن في هذا الصندوق أيضاً وضع زيوس شيئاً سيجعل البشر يتحمّلون كل تلك الشرور التي ملأت عالمهم. إنه الأمل. عندما فُزعت باندورا وأغلقت الصندوق بقي الأمل حبيساً في داخله، ولذلك تحوّلت حياة البشر إلى جحيم لا يُطاق. وعندما فتحت الصندوق وحررته أخيراً، تحوّل جحيم البشر إلى مكان يُطاق.

الأمل وحده هو ما يجعلنا نستمر، الأمل وحده هو ما يجعلنا نحتمل شرور العالم. الأمل ليس خطيراً كما يخبرنا مورغان فريمان في فيلمThe Shawshank Redemption، لكنه من أكبر النعم التي مُنحناها في هذا العالم غير المفهوم.

الأمل أيضاً هو ما سيجعلنا نتخطى محنة كورونا. الأمل في أن ينحسر الفيروس وحده، الأمل في أن ننجو وأحبابنا، الأمل في أن يمر كل ذلك. لنتمسّك بالأمل، إنه سلاحنا الأهم.

الخطر موجود دائماً، بكورونا أو بغيره. عشرة ملايين شخص يموتون كل عام بسبب السرطان، أكثر من مئة مرض مناعي قد يصيبونك في أي دقيقة فقط لأن جسدك قرر أن يهاجم خلاياه نفسها، وكل 37 ثانية تحديداً يموت شخص في الولايات المتحدة بسبب مرض قلبي.

قراءة إحصاءات الأمراض التي تحيط بنا في العالم قد تقودنا وحدها نحو الجنون. من درس الطب أو مشتقاته ربما يخبرك بذلك. الأمر الأكثر إجهاداً في دراسة الطب هو إدراكك لكم الأمراض التي قد تصيب الإنسان في أي وقت، وفي أحيان كثيرة، بلا أي سبب واضح.

جلوسك أمام هاتفك لتتابع(ي) تحديثات جائحة كورونا كل دقيقة لن يأتي لك بأي نفع. لكن سينفعك كثيراً وينفع الجهاز الصحي في دولتك أن تعتني بنفسك وتحافظ(ي) عليها قدر المستطاع.

لنغلق هواتفنا. لنهدأ. لنسترخ. لنغسل أيدينا. لنتبع الإرشادات. لنفعل ما في وسعنا، وننتظر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard