احجرني في حِجرِ من أُحب، اليوم وأبداً

الجمعة 27 مارس 202011:52 ص

يختلف تعريف الحَجْر الصحي من مدينة لأخرى ومن شعب لآخر، فبينما أراقب - أنا السورية- الحَجْر الصحي من نافذتي في العاصمة التشيكية براغ، أراه صارماً في كل الوجوه التي اختفى نصف ملامحها خلف كمامات بيضاء، زرقاء أو قطنية ملونة.

يبدو الجميع ملتزماً بقوانين السلطة العليا اليوم، فبعد أن كان النشطاء السياسيون قد أعلنوا رفضهم لسياسات رئيس الوزراء التشيكي الحالي، أندريه بابيش، والذي يملك جزءاً كبيراً من أموال الدولة ومشاريعها، والبنى التحتية في تشيكيا، وأيضاً قضايا فسادها، وبعد أن أصبحت المليونيات الهاتفة ضده تتخذ مساراً سياسياً واعداً، تلاشى كل شيء أمام فيروس صغير، ربما يُسقط العالم، ولكنه سينصر بابيش بالتأكيد، الأب الروحي والوطني للشعب التشيكي اليوم!

  هذا الصديق الذي يقبل أن يُحجر معك في السر وفي العلن، في الصحة وفي المرض، هو ليس نديماً ولا رفيقاً ولا حتى حبيباً، هو "حجير" هذا الأيام الاستثنائية، فهل وجدتم أنتم حجيركم بعد؟

يعيدني بابيش، برسائله الوطنية المبثوثة عبر أثير القنوات التشيكية، شركات الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي كل يوم، إلى صورة معينة تربيت عليها في سورية، صورة الرجل الواحد، الشخص الوحيد الذي سيحتوي الأزمة، اليوم وكل يوم، وحتى الأبد.

الأب الذي رفضه أبناؤه الخارجون عن طاعته، والذين سينقذهم اليوم بتواضع كبير وبحنية كاذبة.

تعيدني كلمة الحَجر إلى اللغة العربية اليوم أكثر من أي وقت، وأشعر بأنني محجورة فيها بثقل يشبه ثقل حَجَر كبير، أو حَجَر الأساس الذي يتم ركنه أولاً، إعلاناً ببدء مشروع كبير، يحجُرنا جميعاً في حِجر بابيش وغيره من أسياد العالم، الذين لن يكونوا أبداً آباءنا الطيبين.

الحَجْر إذاً سيرمينا في حِجرٍ لا نريده، لكنه سيخرجنا في النهاية من حجرنا الصحي، وسيرمي حَجَر عثراتنا في الطريق القادمة.

كل ما كنت أريده هو أن أُحجرَ في حِجْر من أُحب، اليوم وأبداً.

تنقلب الموازين بطريقة ما، لا يمكننا إدراكها اليوم، ونحن لا زلنا نقف أمام حَجر الأساس لمنظومة يتم للتو بناؤها، ولكن الكثيرين سيموتون في أسرّة باردة، وحدهم في غرف محجورة، وسوف نقلب صورهم بقلوب متحجرة، بانتظار الحياة التي أصبحنا نبحث عنها اليوم أكثر من أعوام الأرض الطويلة الماضية

يُقال إن نظام العالم الحالي سوف يسقط، وستسقط معه منظومات كاملة، كأجهزة الشرطة أو المخابرات، التي تعمل اليوم حثيثة لضبط حركة الخارجين عن قانون الحجر الصحي (صحي لمقاومة الوباء، وغير صحي للصحة النفسية بشكل عام) وعندما يسقط النظام الحالي، سوف يتشكل بطريقة جديدة مبنية على تقديس الطواقم الطبية التي سوف تنهض بنا حتماً من قعر المصيبة، وسوف تعيدنا إلى شوارعنا التي سرقها اليوم مخلوق صغير يسمى فيروس كورونا، هذه الطواقم هي التي تنقذ البشرية اليوم حقاً، ليس بحكم عملها أو واجبها فحسب، ولكن بحكم إنسانيتها أيضاً.

وسوف تظهر قوى جديدة مبينة على التضامن والحركات الإنسانية المتكاتفة، وسوف تشبه كثيراً الأنظمة الاشتراكية التي ستَعِد بتقسيم الحصص بالتساوي، والتي ستقتطع من أفواه الناس رزقهم كي يتم توزيعه بعدل على الجميع، في محاولة لاستكمال إنقاذ البشرية، والذي سوف يرافقنا حمله زمناً طويلاً.

وسوف تسيطر علينا هذه السلطات الجديدة، بعد أن تثبت أنها قد حافظت على حياتنا، في ظل أزمة تاريخية عظمى تواجه كوكب الأرض، لتذكرنا دوماً بالكارثة التي كانت سوف تكون أعظم لولا انتشالهم لنا.

كل هذه السلطة التي أتيحت اليوم لأسيادها، لن تتوارى بسرعة، ولن تنتهي بانتهاء الكورونا، لكنها سوف تستمر بالسيطرة علينا بطريقة أو بأخرى، وسوف يظل الكورونا متخفياً تحت أسرِّتنا الليلية، وفي خزائننا السوداء، وأيضاً في أُسَرنا الصغيرة والكبيرة على حد سواء.

أختار في هذا الحَجر أن أكون مع من أحب دون شروط، وأن أنام في الحُجر الذي يوافق على البقاء هنا معي في الصحة وفي المرض، في الحَجْر وفي حياة الضوضاء السابقة. أختار أيضاً أن ينام طفلان في حِجري، وأن نتابع حياتنا هنا بهدوء وسكينة

سننجو على الأغلب من حجرنا الصحي، وسيموت بعضنا بهدوء في بيوتهم، في حِجر من يحبون، وسترمي ابنة الجيران الصغيرة حَجراً كل يوم على نافذة صديقها الصغير، الذي سيكون هناك بانتظارها ليلعبا معاً، في وقت مخصص للأطفال، بعيداً عن القيود الصحية، وستنقلب الموازين بطريقة ما، لا يمكننا إدراكها اليوم، ونحن لا زلنا نقف أمام حَجر الأساس لمنظومة يتم للتو بناؤها، ولكن الكثيرين سيموتون في أسرّة باردة، وحدهم في غرف محجورة، وسوف نقلب صورهم بقلوب متحجرة، بانتظار الحياة التي أصبحنا نبحث عنها اليوم أكثر من أعوام الأرض الطويلة الماضية.

فلا شيء يمكنه أن يوقف الموت كما لا شيء يمكنه أن يوقف هذه الحياة التي تستمر وتنمو بزخم أكبر، يوماً بعد يوم، من أيام الحجر التاريخي الحديث.

علينا أن نختار من نريد أن نُحجر معه.

أختار في هذا الحَجر أن أكون مع من أحب دون شروط، وأن أنام في الحُجر الذي يوافق على البقاء هنا معي في الصحة وفي المرض، في الحَجْر وفي حياة الضوضاء السابقة. أختار أيضاً أن ينام طفلان في حِجري، وأن نتابع حياتنا هنا بهدوء وسكينة، ويدفعني التفكير بصوت مرتفع اليوم، إلى البحث عن كلمة عربية تفي بالغرض، هذا الصديق الذي يقبل أن يُحجر معك في السر وفي العلن، في الصحة وفي المرض، هو ليس نديماً ولا رفيقاً ولا حتى حبيباً، هو "حجير" هذا الأيام الاستثنائية، فهل وجدتم أنتم حجيركم بعد؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard