يقول سوريون: خذ الرب والأنبياء واعطني رغيفاً واحداً

الخميس 26 مارس 202010:39 ص

"لو جمعنا دموع الأرض

بيطلع معنا نهر دموع

ناس بتزرع

ناس بتقطع

ناس بتقتلها التخمة

وفي ناس بيقتلها الجوع"

في قصيدة آسرة وحزينة للشاعر اللبناني محمد العبد الله، تحضر هذا المفارقة البدائية والأبدية للجوع، بين من يموت من القلّة ومن يموت من الكثرة، فغريزة الجوع أمر أساسي وحيوي، بدون إشباعها وإرضائها لا توجد حياة ممكنة: نحن ما نأكل، وجودنا قائم على ترويض الجوع ومحاولة السيطرة عليه، ولأنه أيضاً في الحالتين، الرغبة أو عدم الرغبة بالأكل، تكمن مقتلة البشر، خصوصاً أنه بتكراره الهوسي يعيد البشر إلى حالتهم البدائية: كائنات تقتات على كل شيء وتفعل كل شيء لتقتات، لقد استغرقت البشرية قروناً في محاولة لترويض جوعها، لتدجينه وجعله متوافقاً مع "الحضارة" وما آداب "المائدة" وبروتوكولات تقديم الوجبات إلا محاولة لترميم النقص في دواخلنا، لتزيين الوحش الذي يرغب بالانقضاض على الفرائس، كل الفرائس، وإعمال أسنانه ومخالبه فيها.

السوريون يجوعون، أيتها القسوة المنتقاة بعناية الغرب وذوي القربى الأشد مضاضة.

الطعام حيوي، يمكن أن يكون محركاً للحياة نفسها، جوع البشرية ساهم في تنشئة العالم كما نعرفه اليوم، الشعور بالجوع هو أول ما يمكّنك من معرفة نفسك والعالم: هل أنت قط فترغب بالتهام كل فئران الأرض، أم أنك فأر تهرب من القطط لكنك تسرق الجبن؟

ولذلك كان المعجم اللغوي زاخراً بالكلمات التي تحيل، بطريقة أو أخرى، إلى الجوع والالتهام، وعن طريقه دخلت المفردات نفسها في العديد من العلاقات الأخرى، العاطفية، الجنسية، الأديان، السيطرة والتملك: ابْتَلع، ازْدَرد، اغتذى، اقتات، التقم، بلع، تغذّى، تلقّم، خَضَم، ذاق، سَرَط، طَعَم، طَعِم، قضَم، قضِم، لاك، لحس، لقِم، لَمَج، لهِم، مضغ، نهش، هَمَش، مصّ، رضع، طحن... الجوع هو النموذج البدئي النموذجي لكل الرغبات البشرية في شكلها الخام.

لقد فعل الجوع ما لم تفعله جحافل الجيوش العديدة التي اجتاحت سوريا، لقد حطم الناس تماماً، يسبق الجوع جميع القوانين الزمنية والمكانية، هو قبل القوانين نفسها، إذ لا يعترف بشيء غير وجوده نفسه

لم يكن الجوع أو انعدام الأمن الغذائي، كما يحلو لبرنامج الغذاء العالمي أن يسميه، الذي يعاني منه قرابة مليار شخص في العالم، لم يكن مشكلة تتعلق بنقص الأراضي الصالحة للزراعة أو بشحّ المياه أو بقلة التقنيات التي تساهم في زيادة الإنتاجية، تلك الأسباب "العلمية" التي يجهد المحللون رؤوسهم في تعدادها، لقد كانت دوماً مسألة إدارية وأخلاقية، تتعلق بقذارة حكومات الطغيان المتحالف مع المال.

نص إعلان التنمية في عام 1969، على أنه يجب القضاء على الجوع وسوء التغذية وضمان الحق في التغذية الكافية، كما أن الحق في الغذاء هو أحد المبادئ المعلنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكن الآن في سوريا، وبعد الانهيارات الاقتصادية المتتالية وتسعة أعوام من حرب وحصار، تعدى الأمر سوء التغذية، وأصبح شبح الجوع شبحاً حقيقياً يجول في الساحات ويخيم على البيوت سيئة التشييد، أصبح تمثالاً أكثر حقيقية من تمثال "الشيخ ضاهر" لمن يعرفونه، لا يكفي تعداد الأسباب ولوم الظروف، إذ إنه وبالرغم من أن الأسباب المنطقية ليست بمثل هذا الوضوح على أرض الواقع، إلا أن الجوع أصبح شبحاً يحوم فوق أفئدة السوريين، في ظلّ حصار عميم وحكومة خارج الحس الإنساني ونظام يلفظ أنفاسه، لكنه لا يرضى إلا أن يأخذ معه آخر أنفاس السوريين المتبقين أيضاً.

الجوع صديق الإبداع، هكذا يقال، لكنه صديق سافل.

لقد فعل الجوع ما لم تفعله جحافل الجيوش العديدة التي اجتاحت سوريا، لقد حطم الناس تماماً، يسبق الجوع جميع القوانين الزمنية والمكانية، هو قبل القوانين نفسها، إذ لا يعترف بشيء غير وجوده نفسه، ولا يريد حتى أن يعرف الحقائق الأخرى، الأخلاق والمبادئ تبدو الآن كطرفة، عندما يقتل رب أسرة طيوره الداجنة أو ربما، في وقت لاحق من هذا الحصار المجنون، قطه الأليف أو كلبه حتى، ليقتات أطفاله عليه، هل نملك رفاهية مساءلته عن الحب؟ حين تقتات عائلة حوصرت بالثلج والحراب على جثث أبنائها، هل نملك وقاحة اللوم؟

كان المسيح تجسيداً حياً للفقراء والمستضعفين في الأرض، وكذلك كان محمد في بداية الدعوة، مجرد راعي أغنام فقير، ينام أحياناً جائعاً، فرّق الاثنان بين نوعين من الفقراء، الفقراء الجيدين والفقراء السيئين، تعيد الحرب السورية مرة أخرى تعريف المعرّف، وتقسم السوريين إلى جائعين ومتخمين، أصبحت الوجبات الغذائية وعددها اليومي، مرة أخرى، دليلاً للتفريق بين السوريين وتحديد أحلامهم.

لا يخفي السوريون حنينهم إلى السنوات الأولى للحرب، حين كانت القذائف والسيارات المفخخة والاجتياحات هي منبع خوفهم، إذ تبدو الآن أمراً هيناً بالقياس لفكرة مخيفة: الجوع وفقدان القدرة على تأمين القوت اليومي، وليس هذا مستغرباً في بلد بحجم سوريا وإمكانياتها، نعم، بعض السوريين يجوعون، بعض السوريين لا يجدون ما يأكلونه إلا خطابات الرئيس ووعود وزرائه.

السوريون يجوعون أيها العالم اللاهي

السوريون الذين يملكون أراضي تستطيع إطعام ثلاثة بلدان كسوريا، في سهل الغاب والجزيرة وسهل حوران، يجوعون.

السوريون يجوعون، أيتها القسوة المنتقاة بعناية الغرب وذوي القربى الأشد مضاضة.

جاء في الشدّة المستنصرية للمقريزي، ما يشبه الذي يجيء في الشدّة السورية:

ثم وقع في أيام المستنصر الغلاء الذي فحش أمره، وكان أمده سبع سنين، فنزع السعر وتزايد الغلاء وأعقبه الوباء حتى تعطلت الأراضي من الزراعة، وشمل الخوف وخيفت السبل براً وبحراً، واستولى الجوع لعدم القوت، حتى بيع رغيف الخبز بخمسة عشر ديناراً، وأكل الناس الكلاب والقطط حتى قلّت الكلاب، فبيع كلب يؤكل بخمسة دنانير، وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضاً، وتحرز الناس، فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعها حبال بكلاليب، فإذا مرّ بهم أحد ألقوها عليه، ونشلوه بأسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه، وقيل إن الكلب كان يدخل الدار، فيأكل الطفل وهو في المهد، وأمه وأبوه ينظران إليه فلا يستطيعان أن ينهضا لدفع الكلب عن ولدهما لشدة الجوع… وكانت نساء القصور تخرجن ناشرات شعورهن تصحن: الجوع الجوع.

كان المسيح تجسيداً حياً للفقراء والمستضعفين في الأرض، وكذلك كان محمد في بداية الدعوة، مجرد راعي أغنام فقير، ينام أحياناً جائعاً، فرّق الاثنان بين نوعين من الفقراء، الفقراء الجيدين والفقراء السيئين، تعيد الحرب السورية مرة أخرى تعريف المعرّف، وتقسم السوريين إلى جائعين ومتخمين

الجوع صديق الإبداع، هكذا يقال، لكنه صديق سافل، يسبّب ظهور ما يرغب المرء بإخفائه، فالمشكلة ليس فقط في الموت والاستعداد لتلقي الأمراض والأوبئة، السؤال يكمن في العواقب الأخلاقية والسياسية للجوع، حيث ينتشر الذعر فيشلّ الناس، ولا يعود المجتمع قادراً على التفكير بشيء سوى الحياة العارية، فنصبح مستعدين للقبول بكل شيء والتضحية بكل شيء: العلاقات البشرية وظروف الحياة الطبيعية، الموسيقا والفن والأدب، وحتى المعتقدات الدينية والسياسية، يصبح البشر وحيدين، عراة، أمام حاجة تسقطهم شيئاً فشيئاً في حمأة اليأس المتجدد، أي فن وأي أدب، يقول الجوعى: خذ الحضارة كلها، خذ الرب بكتبه السماوية وأنبيائه المنمّقين واعطني رغيفاً واحداً فحسب.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard