"ما أجمل أن أعيش وحيدة بعيدة عن أهلي"

الثلاثاء 24 مارس 202006:07 م

تعيش سناء مع صديقها تحت سقف واحد، في أحد أحياء مدينة الدار البيضاء، من دون أن يجمع بينهما عقد قران، ويعتبر نمط العيش هذا في المغرب أمراً مرفوضاً مجتمعياً، سواء من ناحية العرف الذي يرى في ذلك انحلالاً خلقياً، أو من ناحية القانون الذي يعتبر المساكنة بين شاب وشابة "فساداً".

"لا أريد العيش مع أهلي"

سناء (26 عاماً) تعمل مدربة سباحة، تقول لرصيف22: "لم أكن أقبل بالمراقبة التي كان يفرضها علي والدي ووالدتي، بالإضافة إلى إلزامي بالكثير من القواعد الصارمة، مثل ألا يحق لي التأخر خارج البيت، ولا السهر مع رفاقي ورفيقاتي نهاية الأسبوع، وأن أخرج بلباس محتشم.. كلها أمور لم أكن أقبلها وكانت تقيد حريتي ونمط الحياة الذي كنت أريد أن أعيشه، فتخرجي من الجامعة وحصولي على عمل شجعني على اتخاذ هذه الخطوة".

الكثير من الفتيات المغربيات يواجهن مشكلات مع الأهل عند التفكير في الاستقلال، تقول سناء عن تجربتها: "لكوننا نعيش في مجتمع محافظ، لديه عادات وتقاليد تحول دون استقلالية المرأة، فمثلاً عندما قررت أول مرة أن أخرج من بيت عائلتي لأسكن بمفردي، واجهت عدة متاعب في المرحلة الأولى، حيث أولاً كان علي الاعتياد على أسلوب حياة جديد، معتمدة على ذاتي اعتماداً كلياً، بحيث كنت مسؤولة عن مأكلي وملبسي وصحتي، هذا بالإضافة إلى معارضة الأب والأم لإقدامي على هذه الخطوة، فالمجتمع والعائلة في المغرب يرفضون رفضاً قاطعاً تحرر الفتاة و استقلالها في بيت بمفردها، فهو أمر مخالف للعادات والتقاليد".

"لولا انتقالي لمدينة الدار البيضاء، وحصولي على عمل خاص يوفر لي راتباً يحقق لي متطلباتي، لكنت لحد الآن أعيش فقيرة مقهورة تحت سلطة الأب والأم والمجتمع المحافظ"

رجاء فضلاوي (27سنة) هاجرت هي الأخرى من إحدى القرى النائية بالمغرب، للاستقرار في مدينة الدار البيضاء، تروي لرصيف22: "هاجرت قريتي لأحقق حريتي واستقلاليتي، بأن أكون إنسانة جريئة في اتخاذ قراراتها واختيار نمط حياة معين، ولولا انتقالي لمدينة الدار البيضاء، وحصولي على عمل خاص يوفر لي راتباً يحقق لي متطلباتي، لكنت لحد الآن أعيش فقيرة مقهورة تحت سلطة الأب والأم والمجتمع المحافظ، في تلك المنطقة التي ترعرعت فيها".

وتنصح رجاء الفتيات بالاستقلال المالي لنيل حريتهن، تقول: "الاستقلال المالي يمكنه أن ينقذ أي شابة مثلي من جحيم المجتمع المحافظ السلطوي، ويمكنه أن يفك عنها قيوداً كثيرة فرضت عليها من قبل المجتمع".

"يدينون استقلالية الفتاة"

تتفق مع رجاء، سلوى العمري، (28سنة) تعمل ممرضة في إحدى المستشفيات الخاصة في الدار البيضاء، إذ تقول لرصيف22: "الاستقلال المادي مفتاح تحرر كل امرأة، يغير نظرة الناس من حولها، حتى عائلتها التي تنظر إليها على أنها كائن مغلوب على أمره، وبالتالي فأساس سعادة الفتاة هو المال، يجعلها إنسانة محترمة في مجتمعنا، لا يمكن مساءلتها أو محاسبتها على قراراتها واختياراتها".

وتضيف العمري: "كنت دائماً مسيّرة في اختياراتي وقراراتي، حالياً، وبعد توفري على مدخول خاص، أصبحت قادرة على اتخاذ القرارات التي تهم حياتي الشخصية بمفردي، مثلاً أصبحت حرة باختيار طبيعة ونوعية الملابس التي أرتديها، عكس الماضي، حيث كنت أجبر على ارتداء ما يختاره الأب والأم، حالياً أستطيع السفر بمفردي مع أصدقائي، عكس ما كان عليه الوضع في السابق، حيث كان لزاماً أن أسافر مع العائلة فقط".

يعلّق رشيد الجرموني، أستاذ علم الاجتماع، في تصريح لرصيف22: "ظاهرة سكن المرأة لوحدها انتشرت بشكل كبير في المغرب، سواء بسبب الدراسة أو العمل، أو بسبب الضغوط التي تمارسها الأسرة على الفتاة، وخصوصاً عندما تشعر بأنها ليست حرة في اختياراتها الذاتية، خاصة إذا كانت متحررة فكرياً، ونجد في الكثير من الأحيان أن المجتمع والعائلات يدينون هذه الاستقلالية، ولجوء المرأة للانفصال عن عائلتها والسكن لوحدها".

"مُتهمة لأني مُتحرِّرة"

حياة الاستقلالية في نظر سلوى العمري، مكَّنتها من برمجة حياتها كما رسمتها لنفسها، الدخول والخروج في أي وقت تشاء، استقبال صديقاتها وإقامة حفلات في نهاية كل أسبوع، إلا أنها من ناحية أخرى، تظل منزعجة من كلام الأقارب، تقول: "مهما يكون الحال، فإن المجتمع المغربي لا زال يدين بشدة سكن الفتاة العازبة لوحدها، مهما حاولت أن تعطي صورة جميلة عن سلوكها وأفعالها وممارستها، وتظل متهمة من طرف المجتمع".

"المرأة ذات العقلية المتحررة ترى استمرارها في السكن مع أسرتها هو نوع من العبودية والتمييز الجنسي"

تقارن العمري حياتها وهي في منزل عائلتها، وبعد استقلالها قائلة: "جعلني الاستقلال فتاة حرة، أستطيع أن أدخن سيجارتي وقتما أريد، عكس ما كنت عليه في السابق، حيث كنت أدخن سيجارتي في المرحاض أو على الشرفة، بعدما كان ينام كل من في البيت".

قرار الفتاة في الاستقلال في بيت لوحدها، يعلق رشيد الجرموني، هو قرار يعود لأسباب ذاتية تتعلق بشخصيتها، "المرأة ذات العقلية المتحررة ترى استمرارها في السكن مع أسرتها هو نوع من العبودية والتمييز الجنسي".

وينهي الجرموني حديثه قائلاً: "هناك بعض الفتيات يجدن في ممارسة بعض الأنشطة والعادات حقاً مشروعاً لهن، كالسهر والعودة المتأخرة للبيت والتدخين أو الشرب، وربما السكن مع أصدقائهن الشباب، وهذا النوع من النساء لا يمكنه العيش داخل جو عائلي محافظ يرى هذه الممارسات من الأمور المحظورة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard