في دمشق… كأن الموت الواضح أسهل من موت مجهول المصدر والشكل

الثلاثاء 24 مارس 202003:38 م

إنه اليوم الثاني من "الإغلاق الكبير" كما أسميه. أسير في واحد من أكثر أسواق دمشق ازدحاماً عادة. الساعة السادسة مساء. وقت الذروة، بالكاد ألمح سبعة أو ثمانية أشخاص غيري، يسيرون مسرعين كلٌّ في اتجاه، ومعظمهم يرتدي كمامات، والبعض قفازات في يديه. المتاجر مغلقة، ولا ضوء يُلمح سوى من بعض الصيدليات والبقاليات ومحال الأكل الجاهز، والتي يستعد أصحابها لإغلاقها قبل الوقت المعتاد، فلا ازدحام يستدعي العمل لوقت متأخر.

يوم السبت صدر قرار من الحكومة السورية بإغلاق الأسواق في كافة أنحاء البلاد، وقبله صدرت مجموعة من القرارات حول تعطيل العمل في المدارس والجامعات وعدد من الهيئات الحكومية، وإغلاق المطاعم وأماكن التجمعات. ومساء الأحد، أُعلن بشكل رسمي عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا في سوريا، لندخل في عداد دول العالم المتصارعة مع هذا المرض الجديد.

تبدو لي نظرات الناس اليوم مختلفة، أو هكذا أتخيل، مذ أعلنت سوريا النفير لمحاولة منع انتشار المرض في أرجائها، وتوجُهنا شيئاً فشيئاً نحو الانعزال في المنزل، أخصص ساعة تقريباً كل يوم للمشي خارجاً. اليوم أشعر بأن كل شيء مختلف، وكأن الجميع يترقبون شيئاً لا يدرون ماهيته، لكنهم يخافونه.

أحاديث معظم الناس في الطريق، على قلتهم، هي حول مستقبل مجهول.

رجلان يقفان إلى جانب عربة جوالة لبيع المشروبات الساخنة، أحدهما يقنع الآخر بإقفال العربة والعودة للمنزل، والثاني يجيبه بألا مناص من انتظار بعض الزبائن، فعليه أن يجني بعض النقود قبل انتهاء اليوم، "وإلا لن نأكل"، يقول. هذا القلق هو عامل مشترك اليوم بين آلاف السوريين الذي لم تترك لهم الحرب سوى مصادر رزق قليلة، ومعظمها يعتمد على أعمال يومية غير ثابتة، إن توقفت، لن يحصل أبناؤهم على قوت يومهم.

أتذكر ما يُقال عن كورونا، بأنه مرض وحّد العالم، وساوى بين الجميع، فقراء كانوا أم أغنياء، لا أدري من هو صاحب هذه النظرية، لكنها خاطئة دون شك. هذا المرض، وغيره، يستحيل أن يساوي بين من طحنت الحرب حياتهم، وبين من مرت الحرب إلى جانبهم دون أن تمسهم، وبين من لم يعرفوها يوماً. هو لعنة، كما هي الحرب، أو أكثر، والفقراء لا يملكون ترف مواجهته.

أتذكر ما يُقال عن كورونا، بأنه مرض وحّد العالم، وساوى بين الجميع، لكن هذا ليس صحيحاً. هذا المرض، وغيره، يستحيل أن يساوي بين من طحنت الحرب حياتهم، وبين من مرت الحرب إلى جانبهم دون أن تمسهم، وبين من لم يعرفوها يوماً. هو لعنة، كما هي الحرب، أو أكثر، والفقراء لا يملكون ترف مواجهته

أراقب وجوه الناس بتمعن أكبر، وأنتبه إلى كيفية وضعهم للكمامات، أشعرُ وكأنها تعكس لا مبالاتهم بكل ما يجري حولهم. البعض يضعها حول الرقبة، وينشغل بالتدخين أو تناول طعام ما، آخرون تبدو الكمامة أكبر أو أصغر من وجههم.

فقط، أولئك الواقفون على طوابير المواد الغذائية كالسكر والأرز، في الصالات الحكومية التي تبيع تلك المواد بالأسعار المدعومة، تبدو عليهم اللامبالاة المطلقة. لا يكترث أي منهم بارتداء كمامات أو قفازات، ولا بالتباعد الاجتماعي الذي يفرض إبقاء مسافة متر على الأقل بين كل شخص وآخر، لمنع انتقال الفيروس القاتل. أشعر وكأن مئات الأسئلة تقفز من عيونهم وتتجه نحوي: "ما جدوى كل ما نفعله؟ إن لم نمت بالمرض سنموت بالفقر". يريدون الانتهاء من الحصول على مخصصاتهم، الأقل سعراً من الأسواق الأخرى بمئة أو مئتي ليرة، والعودة على وجه السرعة إلى منازلهم.

على غير العادة، لم ألمح اليوم أي طفل يلاحق المارة ليبيعهم البسكويت أو المحارم، وهي ظاهرة انتشرت بشكل كبير في دمشق خلال السنوات الأخيرة مع ارتفاع نسبة الفقر والتشرد. أفكر: "أين ذهب الأطفال والعجائز الذين اعتادوا التجول كل يوم هنا؟ من أين سيحصلون على ما يملأ بطونهم الفارغة؟ الجميع في منازلهم. لمَ لا يقصدون تلك المنازل واحداً واحداً، بدلاً من انتظار سكانها كي ينزلوا إليهم في الشارع؟". فكرة غبية بالتأكيد.

أتمعن في واجهات المحال المفتوحة، الأوراق التي يعلقها بعض أصحابها ملفتة للنظر. كتب أحدهم "مغلق حتى إشعار آخر". أتذكر ما قالته لي صاحبة أحد المحال منذ يومين، بأن أكثر ما يقلقها هو هذا الزمن غير المحدد، والذي لن نعرف له نهاية. متى سيأتي هذا الإشعار الآخر؟ لا أحد يعلم.

يكتب صاحب محل ثانٍ: "حرصاً على السلامة، عدم المصافحة والتقبيل". أطلب منه تصوير الورقة المكتوبة بخط واضح وجميل، يضحك دون أن يمانع، لكنه يطلب عدم الظهور في الصورة. لا يبدو مقتنعاً كثيراً بتلك العبارة، وكأنها تتسبب له بإحراج مع زبائنه الدائمين، وأصدقائه المواظبين على القدوم إلى محله الصغير الشهير الذي يبيع بعض المشروبات الشعبية. ينتظر هو الآخر بفارغ الصبر انتهاء إجراءات العزل الاجتماعي هذه.

كثيرون يقولون بأن حضور هذا المرض الغامض فجأة في حياتنا أصعب من سنوات الحرب التي اعتدنا العيش فيها تحت نيران القذائف والمعارك. آخرون يبدون لا مبالاة مطلقة، "فمن أخطأته الحرب لن يقتله كائن لا يُرى بالعين المجردة"، يقولون. وأنا، يقلقني صمت المدينة اليوم، صمت لم أعرفه في أشد أيام الحرب وطأة

المزيد من المحال تُعلن كل يوم عن خدمات جديدة لتوصيل البضائع إلى المنازل، الأمر الذي لا يعتبر شائعاً بشكل كبير في سوريا. أصحاب بعض المصالح يتواصلون مع زبائنهم بشكل خاص، عارضين عليهم ما يمكن تقديمه من خدمات عبر الإنترنت، أو عبر الحضور إلى المنزل. لا قدرة لأحد على خسارة أي مورد رزق اليوم، والجميع منهك بعد تسع سنوات من الحرب.

أنتبه إلى أن الشوارع خالية من القطط، تلك الحيوانات الأليفة التي تحولت إلى جزء من المشهد اليومي في المدينة، وهي تسير بجانبنا وتنتظر الحصول على بقايا الوجبات من المطاعم ومحال الأكل الجاهز، وتنام تحت السيارات أو على أطراف الحدائق العامة. الحدائق والمطاعم مغلقة اليوم، لا بد من أن القطط ذهبت للبحث عن مكان آخر لم يُغلقه الوباء بعد.

أشعر وكأن الموت يحاصرنا من كل صوب، وهو في الوقت نفسه لا مرئي، يقفز من مكان لآخر، يلاعبنا مستمتعاً بقدرته على التخفي.

كثيرون يقولون بأن حضور هذا المرض الغامض فجأة في حياتنا أصعب من سنوات الحرب التي اعتدنا العيش فيها تحت نيران القذائف والمعارك. كأن الموت الواضح، الذي يمتلك صوتاً ولوناً ورائحة، أسهل من موتٍ مجهول المصدر والشكل. آخرون يبدون لا مبالاة مطلقة، "فمن أخطأته الحرب لن يقتله كائن لا يُرى بالعين المجردة"، يقولون. وأنا، يقلقني صمت المدينة اليوم، صمت لم أعرفه في أشد أيام الحرب وطأة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard