"من يُحب كرشه يعشق الحياة"... حيّ الميدان الدمشقي من الخيول إلى اللقمة الطيّبة

الثلاثاء 24 مارس 202011:39 ص

"عندما يكون حي الميدان بخير، فإن دمشق كلها بخير"، هي حكمة يقولها أهالي هذا الحي العريق الواقع جنوب مدينة دمشق القديمة وخارج أسوارها، وتمتلئ زواياه وشوارعه وأزقته بعبق التاريخ.

لم تلزمني سوى جولة صغيرة لأتأكد من صحة هذه الحكمة، بخصوص حيّ يمتد على مساحة تقارب ثلاثة كيلومترات مربعة، وتشمل المنطقة بين كورنيش الميدان غرباً والزاهرة الجديدة شرقاً، ساحة باب مصلى شمالاً والبوابة جنوباً.

بحسب كتاب "موسوعة الأسر الدمشقية"، الذي أعده الدكتور محمد شريف عدنان الصواف، فإن أول ذكر لحي الميدان يعود إلى العهد الفاطمي، كما ورد لدى المؤرخ الدمشقي أبي يعلى القلانسي، في كتابه "ذيل تاريخ دمشق" في حوادث سنة عام 363 هـ، ثم في القرن السادس الهجري، حيث يذكر في "تاريخ مدينة دمشق" بقوله: "حارة الميدان المعروفة بالمنية". ويضيف الدكتور الصواف بأن ثمة رأي للباحث عيسى اسكندر المعلوف، بأن الميدان يعود إلى العهد الأموي، فيقول: "وعقد الوليد بن عبد الملك ميداناً لسباق الخيل، ولا يزال ذلك المضمار إلى يومنا يعرف بالميدان، وهو من أحياء المدينة المشهورة في غربها الجنوبي".

شارع يفتح الشهية

رغم أن الخيل لم تعد ترمح في حي الميدان كما في عهد عبد الملك بن مروان، وأن صفة "الميدان" بمعناه التقليدي، كساحة كبيرة، لم تعد تنطبق عليه، إلا أن باستطاعة زائر هذا الحي أن يرمح على طريقته، لاسيما إن كان من أولئك الذين يعشقون بطونهم.

ففي نصفه الأول الممتد من ساحة باب مصلى وحتى مخفر الميدان، والمُسمّى بـ"الجزماتية"، فإنك ستتغاضى عن دلالة الاسم، وستنسى الموضوع كله بعد أول صحن كنافة نابلسية بالجبن أو سندويشة شاورما، وسيصبح الأمر برُمَّته خلف ظهرك، ما إن تستجمع شهيّتك وتدخل إلى أحد مطاعم لحمة الرأس والسجقات التي تصنع من أمعاء الخروف المحشية بالأرز واللحم. هناك صحن الحساء مع الليمون الحامض، ومنظر اللحم الطازج سينسيك تاريخك الشخصي، وليس مجرد تاريخ الشارع الذي تمر فيه.

والغريب أيضاً أنك لن تنتبه، وأنت تتحلى بقليل من "المشبّك" و"العوَّامة"، وهي حلويات تقليدية تصنع من الطحين والسميد وقطر السكر، إلى تلك المباني القديمة التي كانت فيما مضى "بوايك"، أي مخازن لجمع الحبوب، بأسقفها العالية، وتحولت بفعل الزمن الحاضر المستمر إلى مستودعات أو مقاهٍ أو محلات للأكل والشرب.

جميع تفاصيل الجزماتية تحيلك إلى محبة الحياة، وكأن لدى أصحاب المحلات في هذا الشارع قناعة بأن "من يحب كرشه يعشق الحياة"، فحتى أسماء المطاعم تتضمن دلائل على ذلك، كـ"مأكولات المحبة" و"فلافل على كيفك"، بينما ثمة أسماء أخرى تحيلك إلى أن من يملأ بطنه يصبح "سلطان زمانه"، مثل "حلويات الملك" و"كبّة السلطان" و"فروج الأمراء"...

الشارع السلطاني

والمميز في شارع الجزماتية أنك لن تخرج منه جائعاً، حتى لو لم تكن في جيبك ولا ليرة، فبمجرد سؤالك عن سعر كيلو المعمول مثلاً، فهذا يعني أنك ستتذوق عدة قطع محشية بالتمر، الفستق الحلبي أو الجوز، وفي حال استفسرت عن محتويات "الحبوب بدبس" أو "حبوب بحليب" فستصبح في يدك كأس لتعطي رأيك لصاحب المحل، والأجمل أن أياً من أصحاب تلك المحلات لن يتذمَّر منك أو يمتعض في حال انصرافك دون أن تشتري، إذ إن الكرم و"العزيمة الميدانية" باتا مضرب مثل في الشام كلها.

هنا قد تفكر قليلاً بتاريخية الشارع حيث جامع منجك، حمام الرفاعي، ومسجد القره شي، وغيرها من الزوايا والتكايا والبيوتات القديمة، فتسأل شيخاً جالساً على الرصيف مقابل محلِّه، عما يعتمل في صدرك، فيجيبك وكأنه عرف ما يجول في خاطرك: "أنت الآن تمر في الشارع السلطاني، لذا لا غرابة أن تشعر أنك سلطان أو ملك، وإن أحسست بشيء من البركة فهذا طبيعي أيضاً، فمن هنا كان يمر محمل الحج الشريف نحو مكة المكرمة لسنوات طويلة، ولعل الجوامع السبعة عشر في الجزماتية، وما يُقاربها في ميدان أبو حبل، وبعض البيوتات القديمة والمستودعات التي حافظت على شكلها القديم، ويعود بعضها لأكثر من أربعمئة عام، هي بعض ما بقي من جماليات تلك الأيام التي تعود لعصور الفاطميين والمماليك...".

جميع التفاصيل تحيلك إلى محبة الحياة، وكأن لدى أصحاب المحلات قناعة بأن "من يحب كرشه يعشق الحياة"، فحتى أسماء المطاعم تتضمن دلائل على ذلك، كـ"مأكولات المحبة" و"فلافل على كيفك"، بينما ثمة أسماء أخرى تحيلك إلى أن من يملأ بطنه يصبح "سلطان زمانه"، مثل "حلويات الملك" و"فروج الأمراء"

بوابة الله

تتابع طريقك إلى شارع ميدان أبو حبل، الممتد من مخفر الميدان وحتى "بوابة الله" أو "بوابة مصر"، التي كان الحجاج يخرجون منها في طريقهم إلى الحجاز أو مصر، فتطالعك الكثير من المباني التاريخية، مثل "تربة الأمير تنبك الحسني نائب الشام"، وبعدها "الزاوية السعدية"، وفي لوحة تعريفها أنها نسبة إلى الشيخ حسن بن محمد الجباوي، المتوفي سنة 1508 للميلاد، إلى جانب عدد من البيوت القديمة، المحلات ذات السقوف الخشبية، واجهات الطين وأصحاب المهن التقليدية، كالمنجِّد العربي الحاج يوسف الشعار، وفرن التنور الذي بات سعر الرغيف فيه 70 ليرة (حوالي 7 سنتات)، بعدما كان قبل الحرب لا يتجاوز الخمس ليرات، وهكذا حتى "البوابة" القريبة من عمود "الأشمر".

منفذ المدينة نحو الجنوب

اتسع الآن حي الميدان عمرانياً لدرجة كبيرة، حتى تماهت حدوده مع حدود الأحياء المجاورة له، ولرسم ملامح الحي الأصلي بدقة، لجأنا إلى ابن الميدان الباحث التاريخي أحمد بوبس، الذي قال في حديث لرصيف22: "بقي حي الميدان كما تذكره مراجع التاريخ حتى أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، ثم ظهرت إضافات لا علاقة له بها. الحدود الدقيقة للشارع الرئيسي الذي كان يمر منه الترام، هي كورنيش الميدان غرباً مع سكة القطار التي ما زالت آثارها ماثلة للعيان، مدرسة الفقهاء الصالحين شرقاً، ساحة الأشمر جنوباً وحي السويقة شمالاً".

ويضيف بوبس: "حي الميدان، وتحديداً الجزماتية المليء الآن بمحلات الحلويات، كان المنفذ الوحيد لدمشق إلى الجنوب: حوران، مصر وفلسطين، وكان يسمى أيضاً الطريق السلطاني لكثرة السلاطين والملوك الذين مروا فيه، ومنهم الإمبراطور غليوم الثاني، الذي جاء من القدس إلى دمشق عبره، وعام 1925 مر بلفور، صاحب الوعد المشؤوم، وخرج أهل الحي واستقبلوه بالحجارة".

والملاحظ أن حي الميدان مقسم بحسب المهن: من البوابة وحتى أبو حبل أماكن لبيع الحبوب والخضار والفواكه، من حمام الدرب باتجاه المصطبة محلات ألبسة نسائية وأحذية، أما الجزماتية فمحلات أكل وحلويات.

وعن سبب تسميات شوارع الحي يقول الباحث: "الجزماتية ببساطة كانت مكاناً لصناعة الجزمات، ويتفرع عنها زقاق البصل، حيث كان يتضمن مستودعات للبصل، وزقاق الحجاجية أو الحشاشة، والذي تخصص أهله ببيع الفَصّة والبرسيم، بما أن الحي كان أقرب إلى البيئة الريفية وسكانه يربون الغنم في أحواش المنازل".

وتعود تسمية "أبو حبل" إلى أحد أجداد بوبس، إذ كان ثمة قَيَّاسون لقياس الأراضي التي يرغب أصحابها ببيعها، يستعينون بحبال أطوالها معروفة، فكنّي الشارع باسم أولئك الرجال الذي يحملون الحبال ويسيرون بها من مكان لآخر، على طول الحي.

دهليز حوران

نسأل بوبس عن أصول سكان حي الميدان، فيجيب: "من معظم مناطق سوريا: من حوران جنوباً بسبب العلاقات الاقتصادية القوية بين المنطقتين، لذلك من أسماء هذا الشارع (دهليز حوران)، وكانت معظم المحلات هي بوايك لبيع الحبوب، وكان تجار الحي يستوردون القمح والشعير والقمح والعدس من الجنوب. تحولت هذه البوايك إلى محال ومطاعم في سبعينيات القرن الماضي، بعد إحداث هيئة حكومية للحبوب، وتحول معظم التجار إلى مهن أخرى".

وتقع شرق الحي منطقة الميدان الفوقاني، وكانت قرية مستقلة عن دمشق تماماً اسمها "القبيبات"، نسبة لسكانها الذين جاؤوا من تدمر، القريتين، السخنة وخنيفيس شرق سوريا، مع الطراز الهندسي لبيوتهم التي كانت لها قباب.

وهناك حارة البكارة وسكانها أتوا من شرق سوريا، وهناك زقاق نعيرية نسبة إلى قرية ضمن لواء اسكندرون، وهناك زقاق المشارفة شرق الميدان، والمعروف بـ"حي النصارى" وكان سكانه مسيحيين، وضمَّ فيما مضى كنيسة وأيضاً كنيساً يهودياً.


والملاحظ أن حي الميدان مقسم بحسب المهن: من البوابة وحتى أبو حبل أماكن لبيع الحبوب والخضار والفواكه، من حمام الدرب باتجاه المصطبة محلات ألبسة نسائية وأحذية، أما الجزماتية فمحلات أكل وحلويات

أول رئيس مُنتخب وشخصيات شهيرة

ومن المعلومات التي قد لا يعرفها كثيرون أن "حزب البعث خرج من الميدان"، بحسب توصيف الباحث بوبس، إذ إن ميشيل عفلق كان يسكن زقاق الموصلي، وصلاح الدين البيطار من الحي أيضاً، وكلاهما من مؤسسي الحزب عام 1945.

كما أن حي الميدان أنجب أول رئيس جمهورية منتخب، وهو محمد علي العابد عام 1932، وهو من عائلة تنحدر منها عدة شخصيات مهمة في تاريخ سوريا، منها أحمد عزت العابد والد محمد، ونازك العابد، أول امرأة سورية تحمل رتبة عسكرية، والدكتور برهان العابد، أول من أدخل التخدير إلى سوريا كعلم مستقل.

ومن شخصيات الميدان الشهيرة، المجاهد محمد الأشمر، الذي ناضل ضد الاحتلال الفرنسي، والشيخ عبد الغني الغنيمي، الذي شارك الأمير عبد القادر الجزائري في إخماد فتنة عام 1860، بعد أن كادت تودي بحياة الكثير من مسيحيي دمشق، وحسن الحكيم، الذي كان مديراً للبرق والبريد عندما أرسل غورو إنذاره إلى الملك فيصل، وأخَّر إرسال برقية حكومة فيصل التي يقبل فيها بالإنذار، وغادر بعدها إلى مصر... وغيرهم الكثير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard