سياحة المقابر... من قبور الأولياء والمشاهير إلى الحيوانات الأبطال

الاثنين 23 مارس 202003:36 م

لقد اعتدنا الحديث عن السياحة بمختلف أنواعها ورأت أعيننا جمال العالم بشواطئه الملونة بألوان الّسماء وحدائقه التي تضيف لأرواحنا همسة هادئة بأشجارها الخضراء وورودها التي تتزين بألوانها المُبهجة، وسمعت آذاننا صدى أصوات الطيور تزقزق من حولنا والمياه تصطدم بصخورها القوية، كما ذخرت عقولنا بالثقافة والتاريخ لكلّ مظاهر الجمال الطبيعي تلك.

ودائماً ما كانت هناك دوافع وأسباب لكلّ شخص يودّ السياحة والتجّول والتّرحال، ولكن لم نعتد أبداً على عبارات مثل "السياحة السوداء" أو "سياحة المقابر"، ولم نسمع سابقاً عن دوافع شخص قرّر قضاء عطلته بين الأموات، بل وقرّر التّرحال من بلادٍ لبلاد لمجرّد الحصول على صورة "سيلفي" بين المقابر!

غريب بعض الشيء، ولكن هل فكرتم من قبل في جولة وسط صمت المقابر بخطوات هادئة تشبه أفلام الرعب؟ دعونا نتعرف معاً على هذا النوع غير المعتاد من الزّيارات السياحية، وهو "سياحة المقابر".

ما الدافع النفسي وراء زيارات المقابر سياحياً

تحت مسمّى "السياحة السوداء" أعلنت جامعة Central Lancashire عن بحث جديد لتفهّم أسباب تعلّق بعض الأشخاص بهذا النوع من الجولات السياحية؛ هل لها أسباب نفسية أو دوافع سلوكية، أم هي مجرّد فضول اكتشاف المجهول؟

ومنها جاء مصطلح "تابوفيليا"، معبراً عن الأشخاص المُفضّلين لزيارة المقابر بعطلاتهم الرسمية، والبحث حول مراسم دفن الموتى.

وعلى سبيل المثال عملت سيدة بريطانية في لندن كمرشدة لسياحة المقابر بالتعاون مع اتحاد المقابر التابع لمنطقة جنوب ملبورن. فتحولت من سيدة تخشى المرور من مكان مُظلم أو مخيف إلى سيدة ترشد الزوّار لمقابر الموتى بعد دراسة تاريخ مقابر الأحداث العنيفة، وأصبح الأمرُ لها مألوفاً.

رجّح البعضُ أن حبّ سياحة المقابر يعود إلى الهندسة الشامخة التي تُعدّ علامة مشهورة للمقابر بمختلف أنواعها، والبعض الآخر رأى أنها تثير جانباً نفسياً لدى زوّارها بمساحتها الخضراء الواسعة مع هدوئها البعيد بحسب تقرير قناة ABC.

علاقة سياحة المقابر بمشاهير العالم والعرب

دائماً ما كانت هُناك أسباب لكلّ أفعال البشر أو على الأقلّ أغلبها. السبب الأول لزيارة تلك المقابر يعود إلى حدّ كبير إلى علاقة حبّ الأفراد للمشاهير حتّى بعد موتهم؛ فمن لم يستطيعوا الحصول على صورة سيلفي مع فناني العالم ومشاهيره، أصبح بإمكانهم اتّخاذ ملايين من هذه الصّور بجوار مقابرهم.

رجّح البعضُ أن حبّ سياحة المقابر يعود إلى الهندسة الشامخة التي تُعدّ علامة مشهورة للمقابر، والبعض الآخر رأى أنها تثير جانباً نفسياً بمساحتها الخضراء الواسعة مع هدوئها البعيد

وبينما يبحث شخص عن أكبر قدر من صور السليفي، يبحث آخرُ عن المعمار المميز للمقابر، والأشكال الهندسية غير المُكرّرة في هذا النوع من البناء.

البداية دائماً من مصر!

بعد دقائق من التفكير نجد أن البداية الحقيقية كانت من مصر،  فنلاحظ أن زيارات مقابر المصريين القدماء والتجوّل بين مقابر ملوكها العظام تصل لأعداد هائلة تأتيها من جميع أنحاء العالم.

ولكن لم تقف سياحة المقابر عند هذا الحدّ، بل كان لرفات المشاهير من فناني وأدباء مصر وضع خاص بالزيارات السياحية؛ فيتجوّل الزائرون بين مقابر كوكب الشرق السيدة أم كلثوم، ومجموعة من المشاهير كعبد الحليم حافظ وعبد الوهاب، يوسف بك وهبي، أسمهان، فريد الأطرش، ومحمد القصبجي.

ولم تكن مقابر الفنانين فقط هي التي لقيت رواجاً، بل كان للشيوخ مثل القارئ للقرآن الشهير، عبد الباسط عبد الصّمد، وغيرهم من أعلام مصر الكبرى. والألطف أن الاهتمام بالمقابر لم يقف عند الشخصيات، بل كان للتصميم المعماري في المقابر اليونانية في الإسكندرية دور كبير في الإقبال عليها.

المقابر اليونانية في الإسكندرية ونوع خاصّ من الزوّار

تشبه هذه المقابرُ حكاياتِ الأساطير من خلف أسوارها في الإسكندرية بالشاطبي؛ تجدونها ترسل إليكم إشارات قد تبدو من أزمنة أخرى، فتُطلّ عليكم بأشكالها الرخامية المصقولة المائلة بين الأبيض والرمادي بحضارتيها اليونانية والأوروبية.

تشعرون وكأنكم في أثينا، والسّحب البيضاء تمرّ أعلاها بهدوء، فآثر البعض لتصويرها فوتوغرافياً، كما انجذب البعض الآخر برفات الشخصيات اليونانية البارزة.

ضمّت أرض فلسطين عدداً كبيراً من قبور الأنبياء، و أضرحة أعلام الإسلام، بالإضافة إلى قبور الصحابة، وبالطّبع هذا النوع من الزّيارات له رواج كبير بين كثير من المسلمين

ومن بين أبرز مشاهير الجالية اليونانية الذين يرقدون تحت تراب هذه المقابر، الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس، الذي يُعدّ من أهمّ شعراء اليونان المعاصرين.

فلسطين تملك كلَّ جميل حتى مقابرها

كنيسة القيامة في القدس

كذلك تمتعت بعض الدول العربية الأخرى بتلك النوع من السياحة المختلفة، وكان أبرزها كنيسة القيامة بالقدس المُحتلة، فتظهر وكأنها تُزين أسوار البلدة القديمة فوق مكان يُعتقد بأنه "الجلجلة"، وهي الصخرة التي صُلب عليها المسيح، ودُفن بذات المكان بحسب المعتقدات المسيحية، لذا تحمل طابعاً خاصّاً من الزيارات، مع تصميم داخليّ من أشكال الفيسيفساء، أضاف جمالاً لطابعها الروحاني، وأصبح يُعدّ مقصداً هامّاً منذ القرن الرابع.

الأضرحة في فلسطين

كما ضمّت أرض فلسطين عدداً كبيراً من قبور الأنبياء، و أضرحة أعلام الإسلام، بالإضافة إلى قبور الصحابة، وبالطّبع هذا النوع من الزّيارات له رواج كبير بين كثير من المسلمين.

وعادة ما تجدون الضريح أو القبر يرتبط بمسجد يحمل الاسم ذاته، ومن أشهرها جاء مسجد بلال بن رباح، بالقرب من بيت لحم، ومقام نبي الله موسى في أريحا، مسجد النصر في نابلس الذي يضمّ أضرحة المجاهدين أثناء الحروب الصليبية، ومسجد هاشم في غزة، بالإضافة إلى مزارات الأولياء الصالحين مثل قبر يوسف ومزار عماد الدين، وبشر الحافي، ورجال العمود·.

شاه زنده سَمرقند في  أوزبكستان

تسمّى هذه المقابر بـ"مقابر شاه زنده" أو الملك الحيّ، وقد لقيت اهتمامَ عددٍ كبير من الزوّار لوجود ضريح القاسم بن عباس، ابن عمّ النبي محمد. كما ضمّت أيضاً ثلاث مجموعات من الهياكل ما بين القرن الحادي عشر حتى الخامس عشر.

فرنسا تُتوّج سياحة المقابر بإصدار دليل خاصّ بها

عالمياً كانت البداية عند فرنسا بعد إعلانها دليلاً سياحياً أطلق عليه "دليل المقابر" يحمل أشهر 7000 مقبرة في فرنسا بتفاصيل وأوصاف وصور خاصة لها مع الإشارة لعناوينها كي يصلها السيّاح بسهولة.

كانت فكرته الأساسية هي تصدير نوع جديد من السّياحة، وهو زيارة الأموات والتقاط الصّور مع قبور المشاهير، فمن لم يُسعفهم الحظّ لمقابلتهم وهم أحياء وحاضرون، فيمكنهم أخذ جولة بينهم وهم راحلون.

وجاء هذا بشكل منظّم، حيث قُسّمت المقابر بحسب تخصصات المتوفيين من المشاهير، فتجدون بينهم الفنانين والسياسيين والعلماء والفلاسفة، إضافة إلى القادة العسكريين المؤثرين عبر الزمن، وغيرهم من الأشخاص الحاملين لأحداث تاريخية لن تُغطّيها القبور.

ومن بينها كانت الأشهر والأكثر زيارة هي مقبرة نابليون بونابرت بكاتدرائية انفالدز في باريس، فعادت عليهم بدخل كبير، ليصل عدد زوّارها إلى عشرة ملايين سائح سنوياً. وجاءت مقابر البانثيون لِتليها في الأهمية لاحتوائها على أغلب عظماء فرنسا.

حتى الآن قد نرى الفكرة مقبولة أو تمرّ على عقولنا دون إثارة أذهاننا بشكل مثير، ولكن حين تعلمون بأن الدليل أيضاً حمل تفاصيل إرشاد مقابر بعض الحيوانات فقد يكون الأمر غريباً بعض الشيء بالنسبة لنا!

قصص بطولية بمقابر حيوانات فرنسا تزيد من دخلها السياحي

تجدون بقسم الحيوانات الشهيرة قبراً لقطّة كان يفضّلها الرئيس فرانسوا ميتران، وأخرى لكلب أنقذ حياة مجموعة من الفتيان أثناء رحلتهم بالجبال. وتليهما مقبرة حمار أنقذ كتيبة فرنسية أثناء الحرب العالمية الأولى بعد انطلاقه مهرولاً بين حقل ألغام لم يعلم عنه الجنود شيئاً.

مصدر

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard