"تكركبت الحياة"... ماذا ينصح أخصائيون/ت نفسيون/ات للأردنيين/ات في الحجر الصحي؟

السبت 21 مارس 202004:43 م

بدأت علامات ومظاهر الملل تظهر على السطح، جراء حظر التجول المفروض على الأردنيين، والذي بدأ بحظر تجول جزئي منذ يوم الثلاثاء الماضي، ثم تحول إلى حظر تجول كامل يوم الجمعة 20 آذار/مارس، وحظر التجول هو تطبيق لقانون الدفاع الذي فرضت الدولة الأردنية تنفيذه، ضمن سلسلة إجراءاتها لمواجهة خطر فيروس كورونا.

ومن علامات الملل التي استطعت رصدها خلال الأيام القليلة الماضية، البحث عما يشغل ويسلي في الوقت ذاته خلال أيام الحجر المنزلي، فتلك تبحث عن أية نواقص في المنزل لتجد لنفسها حجة الخروج إلى السوق "عشان تغيّر جو"، وذاك يسبب الصداع لزوجته وهو يبحث عن أي شيء يحتاج إلى التصليح في المنزل، باعتبار أنه أصبح يشغل مهمة السمكري والكهربجي خلال فترة العزل المنزلي.

هذه المظاهر التي يقرؤها أخصائيون نفسيون وخبراء علم الحياة تحدثوا لرصيف22، هي بداية لحالات التوتر وأمراض القلق وغيرها من الأمراض النفسية التي قد يخلفها أي حجر صحي وعزل منزلي، لذلك ومن خلال هذا التقرير، يقدمون نصائح للأردنيين/ات والكثير ممن يعيشون حجراً صحياً، لتفادي السقوط في الاكتئاب والتوتر، قدر الإمكان.

عندما علمت صديقتي أنني أعد هذا التقرير قالت لي: "ضروري كتير تكتبي عن هاد الموضوع مع نصائح من خبراء نفسيين، لأنه إذا ضل الحال هيك الناس رح اتقطع بعض... الكل حيتطلق والكل رح يتبرى من أولاده!"، وهنا بعض النصائح العملية والعلمية من أهل الخبرة، لصديقتي ولكل الأردنيين/ات ومن يهمه/ا الأمر.

"شخصية يسودها القلق"

تتوقع الأخصائية النفسية، الدكتورة عصمت حوسو، وفق حديثها لرصيف22، أنه، وبعد انتهاء فترة حظر التجول في الأردن، ستمتلئ العيادات النفسية بالمراجعين، لماذا؟ لأنه وفي هذه الفترة، كل ما يتعلق بالقلق بمختلف أشكاله سيزيد، مثل الوسواس، فوبيا الموت، توهم المرض وغيرها.

فشخصية المواطن العربي بشكل عام، والمواطن الأردني بشكل خاص، وفق الدكتورة عصمت، شخصية قلقة بسبب الظروف المحيطة بها، وعندما غزا فيروس كورونا العالم زادت معه نسبة القلق، فمن لديه وسواس النظافة مثلاً سيرتفع بنسبة تفوق الألف بالمائة، ومن لم يكن يعاني من هذا الوسواس سوف يعاني منه، كل تلك الأشكال انعكاس لغريزة البقاء، فتجدينه متوتراً وقلقاً باستمرار حفاظاً على حياته.

ومن النصائح التي تقدمها الدكتورة عصمت حوسو لتفادي أمراض القلق خلال فترة حظر التجول، هي الابتعاد عن أي مصدر معلوماتي من شأنه أن يبث الخوف والقلق، فما يحدث اليوم في بيوت الأردنيين/ات هو متابعة أخبار ومستجدات فيروس كورونا، وعدد الإصابات في الأردن وفي العالم، لذا تدعو إلى متابعة أخبار كورونا مرة واحدة في اليوم، وتسأل: "ما انتوا عرفتوا الي بدكم إياه، ليش بضلكم تنبشوا؟".

"الفراغ أرض خصبة للقلق"، تقول الأخصائية عصمت حوسو، لذلك تنصح باتباع علاج يسمى "التشتيت"، بحيث يشغل الشخص نفسه بشيء أو بعادة ما، بشرط أن يكون كل تركيزه عليها، لا أن يقوم بممارستها وعقله مع كورونا وأخباره، مثل متابعة المسلسلات، ويفضل أن تكون مسلسلات كوميدية أو ذات حبكة تشد المشاهد وتجعله حريصاً على متابعة كافة حلقات المسلسل.

كما تحدثت عمن لا يحب القراءة، فهذه فرصة من أجل الابتعاد عن أمراض القلق وتبعاته الخطيرة، بوضع مهمة القراءة خلال أسبوعي الحجر الصحي، باعتبارها عادة جديدة، بإمكانها أن تتحقق من خلال روايات قصيرة، كما تنصح بممارسة الألعاب العائلية القديمة والتي تتطلب تفكيراً، مثل لعبة "جماد، حيوان، نبات"، أو لعبة "السلم والحية".

أما عن المتزوجين، فهي فرصة لترتيب الحياة الزوجية، وفق ما تقوله حوسو، ذلك لأن الحياة الزوجية للأسر الأردنية، خصوصاً الأسر العاملة، ضاغطة، وهذه الفترة فرصة لترتيب الأوقات بين الزوجين وتحويلها من الكمي إلى النوعي.

بإمكان الحجر الصحي أن يخلق التوتر وأمراض القلق وغيرها من الأمراض النفسية، لذلك وفي حديثهم مع رصيف22، يقدم أخصائيون/ات نفسيون/ات النصائح للأردنيين/ات والكثير ممن يعيشون حجراً صحياً، لتفادي السقوط في الاكتئاب والتوتر، قدر الإمكان

الأفكار الإيجابية

سوسن السائح، خبيرة في علم الحياة "لايف كوتش"، تنصح الأردنيين/ات من خلال رصيف22، بالتعامل مع كل ما هو إيجابي، وهو ما يبدأ بالتفكير الذاتي لكل شخص، بحيث يستقطب الأفكار الإيجابية، مشيرة إلى أن جميع الدراسات أكدت أن التوتر يخفف مناعة الإنسان، فأفكارنا هي مسؤوليتنا، كما تقول.

علينا أن نتأقلم ونتقبل، تقول سوسن، والتأقلم أي التصالح مع الظروف المفروضة على الأردنيين/ات في هذه الفترة، والتقبّل يأتي بتقبل الصعوبات التي ترتبها إلزامية البقاء في المنزل التزاماً بقانون حظر التجول.

وتعود سوسن لتؤكد على أهمية استحضار الأفكار الإيجابية، لأن الإنسان في نهاية المطاف كتلة من المشاعر، بالتالي سيحد التفكير الإيجابي من العدائية التي قد تظهر بقوة، بسبب وجوب البقاء في المنزل وعدم الخروج.

تعزيز ثقافة الحوار

ويتوقع الأخصائي النفسي، الدكتور أشرف الصالحي، في حديثه لرصيف22، أن ترتفع في هذه الفترة لدى الأردنيين/ات أمراض القلق بمختلف أنواعها، أهمها الفوبيا، الرهاب الاجتماعي، الوسواس القهري إضافة إلى نوبات الهلع.

والسبب يعود لعاملين كما يضيف: "أن المواطن والمواطنة الأردنيين اليوم محبوسون بالمفهوم المجازي للكلمة، بالتالي يشغلون أنفسهم بمتابعة أخبار ومستجدات كورونا أول بأول، وكأنهم في خلية أزمة، أو كأنهم يمارسون دور رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، وهم داخل مركز الأزمات هذه الفترة".

ويتابع: "أما العامل الثاني فهو العلاقات البشرية داخل المنزل في هذه الفترة، فعلاقة التواصل وبقاء أفراد الأسرة مع بعضهم البعض طوال الحجر المنزلي هو أمر لم يكن مألوفاً في السابق، خصوصاً للمتزوجين/ات العاملين/ات، بحيث تصبح كل مدة الحجر الصحي مثل يوم الجمعة، يوم العطلة الرسمية، وبالتالي (بيتكركب) نمط الحياة في هذا اليوم".

هذه الحالة، وفق ما يبينه الدكتور أشرف، تسبب ضغطاً نفسياً، وهو رد فعل طبيعي، لذلك ينصح باستغلال هذه الفترة في تعزيز ثقافة الحوار بين أفراد الأسرة، وثقافة التعرف على بعضهم البعض، وكأنهم لا يعرفون بعضهم في السابق، وينصح أيضاً باستغلال الوقت لمراقبة سلوكيات الأطفال وتحسينها، إضافة إلى وضع برامج تسلية جماعية، مثل لعبة البلاي ستيشن وغيرها.

وينوه الدكتور أشرف الصالحي إلى جزئية في سيكولوجية المواطن الأردني وصعوبة تقبلها للتغيير في نمط الحياة من جراء الحجر المنزلي، ذلك أن الأردني شخص "جكر" إلى حد ما، لا يتقبل فكرة فرض شيء عليه، فمثلاً إذا كان قرار الحجر المنزلي صادراً عنه وبناء على رغبته سوف يكون "أسعد شخص بالحياة"، لكن ولأن القرار مفروض عليه، فذلك سيشعره أن حريته مقيدة، بالتالي سيزيد توتره.

"إن شخصية المواطن العربي بشكل عام، والمواطن الأردني بشكل خاص، هي شخصية قلقة بسبب الظروف المحيطة بها، وعندما غزا فيروس كورونا العالم زادت معه نسبة القلق"... أخصائيون/ات نفسيّون/ات يوجهون النصائح للتعامل مع الحجر الصحي 

قيم البداوة

وفي سياق الحديث عن سيكولوجية الإنسان الأردني، يتحدث عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة مؤتة، الدكتور حسين محادين، عن هذا الموضوع لرصيف22، ويقول: "يتأثر جذر سلوك الأردني بقيم البداوة، بحيث يتجلى سلوكه بحرية الحركة واتساع مساحة التجوال، وعدم الرغبة بوجود أي حاجز يحد من اندفاعاته، بدليل عادة السائق الأردني بالدوس على زمور السيارة أثناء وجوده أمام الإشارة الضوئية، وهي باللون الأحمر!".

وعن تحليله لحالة الأردنيين اليوم في ظل حظر التجول الجزئي، يقول محادين: "علاقة الأردني بمنزله غالباً ضعيفة، فهو أكثر ميلاً بأن يجعل المنزل عنواناً أكثر منه مكاناً، بالتالي سيساهم حظره المنزلي بحالة تصالح ولو بسيطة مع جغرافية المكان، الذي كان عنواناً فقط بالنسبة له".

ويضيف: "في هذه الفترة، نحن أمام تحديات في آلية التعامل على ضوء محدودية الحركة بالنسبة للأردني، وستخرج مظاهر مثل ارتفاع أصوات المتحاورين داخل الأسرة، عودة ظهور خبرات الطفولة تحديداً بالنسبة للرجال، حيث تظهر سلوكيات تم تنشئته عليها، مثل أنماط تقسيم مهام الأعمال المنزلية، حيث يعود الرجل إلى حيث تربى عليه وفق العادات، بأن الأعمال المنزلية مقتصرة على الإناث، لذلك تحدث له حالة من الصدمة عندما يصطدم بواقع أنه مطلوب منه المساعدة في الأعمال المنزلية، كون زوجته امرأة عاملة أيضاً، ولديها مسؤوليات مع أطفالها".

هل شخصية الأردني شخصية متكيّفة؟ سألت الدكتور محادين، وأجاب: "هناك نوع تكيّف ذاتي يختلف باختلاف شخصية الإنسان، وهناك نوع تكيف يأتي بالإكراه، كالذي نعيشه اليوم في ظل تنفيذ قانون الدفاع، لذلك أتوقع أن يزيد منسوب التوتر لدى الأغلبية، لأن طبيعتهم لا تحب ما يأتي بالإكراه، إلا أن السبيل الوحيد للعدول عن الوصول إلى مرحلة التوتر العالي هي التكنولوجيا"، وفق وجهة نظره التي من شأنها أن تنقذ الأردنيين/ات من محدودية جغرافيتهم/ن على أرض الواقع، واتساعها في جغرافيا العالم الافتراضي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard