"ينتقدوني لأني أم وأعيش حياتي بحرية"

السبت 21 مارس 202003:10 م

"كانت أمي ضحية لابتزاز المجتمع، أفنت عمرها كله في تربيتنا فقط، لم تقبل يوماً أن يكون لها أصدقاء أو عمل أو أي متنفس آخر، لن أقبل أن تكون هذه حياتي أنا أيضاً"، هكذا باحت لي صديقتي التي على وشك الولادة، ساردة مخاوفها من أن تقضي الأمومة على حياتها كلياً.

أنماط وقوالب مُحدَّدة تُوضع فيها المرأة العربية لتستحقّ لقب "الأم المثالية"، تبدأ بإهمال أو ترك عملها فور الإنجاب، ثم تضيق دوائرها الاجتماعية حتى تصبح قاصرة على أطفالها، زوجها وبيتها، لكن مؤخراً، بدأت بعض النساء يعلنّ التمرّد على هذا الإطار الظالم.

"كلهم ينتقدوني ويخوفوني"

"كل شيء فعلته فيما يخص الإنجاب وتربية الأطفال كان محلّ انتقاد ممَّن حولي"، تقول ريناد عبد العاطي، أردنية (35 عاماً)، معلمة ابتدائي.

تروي ريناد لرصيف22 قصتها مع الأمومة: "في البداية كنت مُنتَقدة طوال الوقت لأنني أجّلت الحمل تسع سنوات بعد الزواج، والكل اتهمني بأنني أعترض على نعمة الله، تناسوا أنني كنت في التاسعة عشر من عمري فقط وكنت طالبة بالجامعة، ثم أنجبت في سن الـثامنة والعشرين، وكنت بالفعل أعمل كمعلمة، رفضت أن أتخلى عن عملي، واكتفيت بإجازة طويلة نسبياً، ثم عدت للعمل، وكانت أخت زوجي تساعدني، ثم استعنت بمربية أطفال تجالس طفليّ التوأم صباحاً فقط، ثم أعود إليهم لأرعاهم رعاية كاملة".

"كل محاولاتي لتحميل زوجي جزء من مسؤوليات التربية يصبح محل انتقاد، فالمتعارف عليه في مجتمعاتنا أن الأم هي وحدها المسؤولة عن كل ما يخصّ أبناءها، والنقد الدائم لأنني لازلت أعمل ولدي شركة أدوات تجميل صغيرة"

ورغم التوازن الذي حققته ريناد، إلا أنه لم يخل من الانتقاد واللوم، تقول: "بالطبع كان هذا النمط من الحياة محل انتقاد دائم، لدرجة أن إحدى أقاربي قالت لي: يوماً ما، عندما أتقدم في السن، سيُلقي بي أبنائي في دار مسنين، لأنهم لم يتعلموا مني الحنو والعطف، وكان لهذه الجملة وقع سيء جداً على نفسيتي، لكنني لم أغيِّر حياتي، الآن، وطفلاي وصلا لسن المدرسة، وبلغوا 7 سنوات تقريباً، علمتهم كيف يكونون أشخاصاً متعاونين معي، قادرين على تنظيف غرفهم، وأداء بعض المهام التي تناسب عمرهم، مثل تشغيل غسالة الملابس أو غسل بعض الأطباق، وبالطبع كل هذا وضعني محل انتقاد دائم ومستمر، خاصة وأن طفلي ذكران، وكل من حولي يرى أن أعمال المنزل ليست وظيفتهم".

"طلبت مساعدة زوجي في التربية"

أما لبنى الحديدي، مصرية (29 عاماً)، طبيبة بشرية، لديها ولد وبنت، 8 و6 سنوات، تقول لرصيف22: "في البداية كنت لا أعتمد أي نمط من الأمومة سوى النمط المعتاد، والذي تربيت عليه في المنزل أو رأيته في الدراما والسينما، وهو النموذج المتفاني المضحي دوماً ودائماً، والذي يفني كيانه في كيان أبنائه، ولا يرى من وجوده في العالم أي جدوى أو فائدة سوى الأمومة، كأنها وظيفة دائمة وأبدية".

ولكن علاقة لبنى بصديقة نسوية بدأت تغير نظرتها لدورها كأم، تقول: "وجدت في بعض آرائها منطقاً مختلفاً، فمن الممكن أن أكون أماً وكذلك طبيبة ناجحة، وشخصاً يحافظ على علاقاته الاجتماعية ويخصص وقتاً لرفاهيته، والحقيقة أن زوجي ساعدني في تحقيق هذا بنسبة كبيرة، فمثلاً كان يجالس أبناءنا وأخرج مع صديقاتي، أو يذهب بأطفالنا إلى التمارين الرياضية أو يقوم بتوصيلهم إلى المدرسة، في مقابل توفير بعض الوقت لنفسي، وهو ما يجعل أي حديث عن كسر الصورة النمطية للأم، تتطلب مجهوداً من الرجال والنساء معاً، طبعاً واجهت الكثير من الانتقادات، بل ويوماً وجهت لي زوجة أخي الحديث قائلة: كيف تأمني على أطفالك مع والدهم وحده، وكأنهم مسؤوليتي أنا فقط، وهكذا الكثير من الأحاديث العبثية".

"أترك لبناتي مساحتهن الخاصة"

تقوى حمدي (39 عاماً) أم لثلاثة أطفال، يمنية تعيش في الإسكندرية، تقول لرصيف22: "أول قرار اتخذته لكسر نمطية الأمومة التي تحيطني من كل ناحية، كان الامتناع عن إنجاب المزيد من الأطفال، فالله رزقنا بثلاثة أطفال أناروا حياتنا، وكان قراراً صعباً، خاصة وأن عائلتي وعائلة زوجي، وزوجي نفسه، يفضلون العائلات الكبيرة، سبعة أطفال مثلاً".

أصرَّت حمدي أن تكون واضحة مع زوجها وأهلها بشأن عدم الإنجاب مرة أخرى، تقول: "لن أفني حياتي في سبيل عدد من الأطفال، لن نستطيع تعليمهم أو علاجهم أو توفير مستقبل جيد لهم من الأساس، طبعاً قامت ثورة من الغضب في وجهي، ولكنني بقيت ثابتة على موقفي".

"ينتقدوني لأني أترك لبناتي مساحتهنّ الخاصة".

ولم يقتصر انتقاد زوجها وأهلها على عدم الإنجاب ثانية، ولكن شمل طريقة تربيتها لأولادها وتعاطيها مع الأمومة، تقول حمدي: "حتى في تربيتي لهم كنت محل انتقاد، فمثلاً أنا لا أراقب أولادي 24/24 ساعة، أترك لهم مجالاً من الحرية ومساحة خاصة بهم، حتى لا يشعروا أنني لا أثق فيهم، كان هذا محل انتقاد بالطبع، خاصة مع بنتيّ الاثنتين وليس الولد، كذلك تركي لأمور الدراسة لوالدهم حتى أحمله بعض المسؤولية، كان هذا سبباً للانتقاد، الحقيقة أن كل محاولاتي لتحميل زوجي جزء من مسؤوليات التربية يصبح محل انتقاد، فالمتعارف عليه في مجتمعاتنا أن الأم هي وحدها المسؤولة عن كل ما يخصّ أبناءها، وأخيراً طبعاً النقد الدائم لأنني لازلت أعمل ولدي شركة أدوات تجميل صغيرة، ولكنني مقتنعة تمام الاقتناع أن ابنتيّ وابني يحتاجون لنموذج ناجح في حياتهم وليس رقيباً 24 ساعة عليهم، وهو ما أحلم بتحقيقه".

"صورة الأمومة غير سوية"

وصفت المعالجة النفسية، دعاء عبد الرحمن، صورة الأمومة النمطية في المجتمعات العربية بأنها "غير سوية، وغير طبيعية"، مُشدِّدة على ضرورة تغييرها.

تقول عبد الرحمن لرصيف22: "تُحصر النساء في دور الأمومة فقط، وبُناء عليه تُحدَّد مكانتها، قدرها المجتمعي، قيمتها، ونظرتها لنفسها في هذه الحدود، ليس هكذا فقط، وإنما تحدد معايير ومسطرة واحدة لنموذج الأم الصالحة، ومن تخرج عنها فهي أم غير جيدة، غير كافية، أنانية وغير أمينة على أطفالها".

"كانت أمي ضحية لابتزاز المجتمع، أفنت عمرها كله في تربيتنا فقط، لم تقبل يوماً أن يكون لها أصدقاء أو عمل أو أي متنفس آخر، لن أقبل أن تكون هذه حياتي أنا أيضاً"

تحلل عبد الرحمن نموذج الأم "المثالية" في مجتمعاتنا العربية: "هو نموذج الأم التي تترك عملها وتنهي حياتها الخاصة، ولا أهمية لأي شيء سوى أولادها، كذلك يظهر هذا في سلوك بعض الأمهات الذي يتسم بكونه over caring، أو مفرطة الحماية والاهتمام، وهو ما يمثل ضغطاً نفسياً شديداً على أطفالها، ينتج عنه علاقة اعتمادية من الطفل على أمه، بالتالي عندما يكبر يسبب هذا مشكلات له في علاقاته وعمله واستقلاليته، وهو ما يؤخر ما نطلق عليه "فطامه النفسي"، من أمه، وكذلك النضج الاجتماعي والعاطفي، وهو ما يجعله يستبدل أمه بزوجته في مرحلة أخرى".

وعن تأثير هذه النمطية على الأم نفسها، تقول عبدالرحمن: "الأم هنا تواجه مشكلات نفسية حقيقية، وقتما يكبر أبناؤها ويخرجون من تحت مظلتها الحامية، سواء بالزواج أو السفر أو غيره، هنا تجد نفسها بلا هدف أو دور، "خرجت معاش" وهو ما يهز ثقتها في نفسها، ويصيبها بالاكتئاب، والأسى على حالها، وتشعر أنها أصبحت بلا فائدة، وفي بعض النماذج نجدها تتحول للشخصية التسلطية التي تتدخل في حياة أبنائها واختياراتهم بشكل فج، كل هذا يخلق لنا ما نسميه "دائرة مغلقة من الديون"، فهي تشعر طوال الوقت أنها مضغوطة نتيجة لحياتها التي أهملتها، وأنفقتها على أبنائها وأنها مضحية، وتنظر نتيجة هذه التضحية، وهو ما يضغط الأبناء بالتالي، ويجعلهم طوال الوقت واقعين تحت ضغط ألا يكونوا عاقين بوالدتهم".

وتنصح عبد الرحمن المرأة بأن تكون "مدركة بحدود واجباتها ومسؤولياتها"، وتشرح فكرتها قائلة: "أن توجه لنفسها سؤالاً: هل أنا أمّ أم إنسانة؟ فإن كانت إنسانة فيأتي دورها كأم وزوجة وابنة وغيرها من الأدوار الاجتماعية المتغيرة، كذلك الإدراك التام بأن الأمومة بالفعل وظيفة بدوام كامل، لكنها مثل أي وظيفة يأتي لها وقت وتنتهي، ولذلك فيجب مراعاة أداء هذه الوظيفة إلى جانب الأدوار الأخرى، كإنسانة لها حياة وعمل واهتمامات، وكلما حققت نجاحات في حياتها وأحلامها الشخصية، كلما استطاعت أن تكون أقل شعوراً بالضغط لأنها تملك متنفسها الطبيعي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard