لم يبقَ للأرضِ من سرٍّ تُكاتمُه... هذا هو النوروزُ لكنْ صامتٌ فمُهُ

الجمعة 20 مارس 202001:30 م

"لم يبقَ للأرض من سرٍّ تُكاتمُه/ إلا وقد أظهرتْه بعد إخفاءِ/ أبدت طوائفُ شتى من زواهرِها/ حمراً وصفراً وكلٌّ نبتُ غبراءِ/ فأسعد نيروزك المسعود طالعُه/ يابن الأكارم في خفضٍ ونعماء". هكذا قال الشاعر ابن الرومي عن اليوم، وهو عيد "النوروز" أو النيروز، بداية العالم الإيراني الجديد، والذي يصادف أول يوم من فصل الربيع، ويوافق يوم 20 أو 21 مارس من كلّ عام ميلادي، كما أنه أول يوم من شهر "فَروَردين"، الشهر الأول في التقويم الشمسي والسنة الإيرانية.

كلمة "نوروز" مؤلفة من قسمين؛ "نو" يعني "الجديد"، و"روز"  يعني "اليوم" في الفارسية، فتعني الكلمة اليوم الجديد.

وتعتبر إيران الموطن الأصليّ لهذا العيد، لكن هناك شعوباً أخرى أيضاً تحتفل بهذا العيد، منها أفغانستان وباكستان وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأذربيجان وتركمنستان وأوزبكستان وكردستان العراق والهند ومناطق في ألبانيا، حيث يعتبر عيد "نوروز" في بعض هذه الدول مناسبة رسمية.

وحسب اليونسكو، يحتفل أكثر من 300 مليون نسمة بعيد النوروز حول العالم، ولكن يختلف الاحتفال به في إيران عن الأماكن الأخرى، حيث يعتبر أهمّ وأقدم مناسبة لازال الشعب الإيراني يحتفل بها في فترة تستمرّ إلى أسبوعين، تبدأ بـ4 أيام عطلة رسمية في البلد، وتنتهي بيوم الطبيعة أو مايعرف في الثقافة الإيرانية بـ "سيزدَه بِدَر" في اليوم الثالث عشر منه.

والاختلاف بين إيران والبلدان الأخرى التي تحتفل بعيد نوروز، هو أن هذه البلدان تعتبر "نوروز" عيداً تقليدياً، وبداية لفصل الربيع، وتحتفل به، لكنها لا تعتبره اليوم الأول من السّنة الرَّسمية، إذ أن التقويم الميلادي هو التقويم المعتمَد في تلك البلدان، ولكن في إيران لا يتمّ اعتماد التقويم الميلادي، ويوم "نوروز" الأول هو بداية السنة الجديدة التي تعتمدها إيران رسمياً.

جذوره التاريخية والاعتراف الرسميّ به

المعلومات الواردة عن منشأ وقدمة عيد النوروز وجذوره التاريخية ليست دقيقة، ويقال بأن تاريخ الاحتفال به يعود إلى آلاف السنين في بلاد الفرس القديمة، ثمّ انتقل عبر طريق الحرير إلى الشعوب والثقافات الأخرى.

المعلومات الواردة عن منشأ وقدمة عيد النوروز وجذوره التاريخية ليست دقيقة، ويقال بأن تاريخ الاحتفال به يعود إلى آلاف السنين في بلاد الفرس القديمة، ثمّ انتقل عبر طريق الحرير إلى الشعوب والثقافات الأخرى

ورد في بعض النصوص الإيرانية القديمة كتاريخ الطبري وديوان الشاعر الإيراني فردوسي بأن الحاكم الإيراني القديم "جَمشيد" هو مؤسس عيد نوروز، فيما تُرجع بعض الروايات التاريخية انتشار عيد نوروز في إيران إلى عهد الملك الإيراني كوروش الكبير، ويعتبر البعض النبيَّ "زراتُشت" مؤسّسَ هذا العيد.

وفي عام 2010 عينت الجمعية العامة للأمم المتحدة 21 مارس يوماً عالمياً للنوروز، حيث جاء في قرار الاعتماد أن عيد النوروز عيدٌ ذو أصل إيراني ويعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام خلت واليوم يحتفل أكثر من 300 مليون إنسان على وجه الأرض بهذا العيد.

وفي عام 2009 قامت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بتصنيف عيد نوروز إرثاً عالمياً. وفي تاريخ 23 مارس 2010 تمّ عقد أول احتفال عالميّ لنوروز في العاصمة الإيرانية طهران، واعتماد مدينة طهران كأمانة عامة لهذا الاحتفال.

التقاليد الإيرانية المرتبطة بعيد نوروز

تختلف الدول في طريقة احتفالها بنوروز، وبين هذه الدول، إيران هي الدولة الأكثر احتفالاً بهذا العيد. يبدأ الإيرانيون بالتحضيرات لعيد النوروز قبل أكثر من شهر من بداية هذا العيد، وتكتظّ الشوارع في هذه الفترة بالناس الذين يقومون بشراء الملابس الجديدة والأثاث، ومستلزمات العيد. وفي هذه الأيام يظهر "الحاج فيروز" في الشوارع الإيرانية، وهو رجل يرتدي لباساً أحمر، ويصبغ وجهَه باللون الأسود، يقوم بقراءة أهازيج شعبية، وهو يقرع على طبل في يده.

ومن أهمّ التقاليد التي يقوم بها الإيرانيون أثناء استعدادهم لعيد النوروز هي تنظيف البيت او ما يُسمّى في الفارسية بـ"خانِه تِكاني" أي "نفض البيت"، حيث يقومون بمسح الغبار، وغسل وترتيب كلّ ما في البيت، خاصة الستائر والسجّاد. وفي بعض البيوت تقوم العائلات بإطلاء الجدران بألوان جديدة احتفالاً بالعام الجديد.

ويبدأ الإيرانيون طقوس العيد المهمة بـ"جَهارشنبه سوري" أي "الأربعاء الحمراء"، وهي ليلة الأربعاء الأخيرة من السّنة الشمسية، ويتمّ فيها إشعال النيران، ويقفز النّاس من فوقها.

كما يقوم الإيرانيون بزرع الخضار في أطباق صغيرة، لوضعِها على مائدة "هَفْت سين" (سبع سينات) التي يفرشونها قبل ساعات من بدء العام الجديد، وتبقى في البيت حتى اليوم الأخير أي "سيزدَه بِدَر".

ومائدة "هفت سين" تضمّ سبعة أشياء تبدأ أسماء جميعها بحرف السّين في الفارسية، وهي: "سَبزِه" (براعم القمح التي يتمّ زرعها في طبق)، والسّمّاق، و"سِنجِد" (ثمار شجرة اللوتس المُجففة)، و"سَمَنو" (حلوى إيرانية تُصنع من القمح)، و"سيب" (التفاح)، و"سير" (الثوم)، و"سِكّه" (العملة المعدنية)، وبعض الأحيان يضعون "سِركِه" أي الخل في الفارسية، بدلاً من أحد السّينات، وترمز كلّها إلى المحبة والسّعادة والتجديد والخير والبركة. وعن سبب اختيار رقم السبعة يقال بأنه يعود إلى تقديس وقيمة هذا الرقم بين الإيرانيين القدماء.

أطلق بعض الإيرانيون حملة تحت عنوان "نوروز في البيت"

كما يضع الإيرانيون على مائدة "هفْت سين" وعاء يحتوي على سمكة حمراء، بالإضافة إلى الشموع والمرآة والبيض المطلي وزهرة "السُّنبل"، ونسخة من القرآن الكريم وديوان حافظ الشيرازي، والمكسّرات والحلويات الخاصّة بهذا العيد.

وحين تحلّ ساعة الصّفر، وتبدأ السنة الجديدة، يجلس أفراد كلّ أسرة حول مائدة "هفت سين"، ويستمع الجميع إلى صوت التلفزيون حين يعلن بداية العام الجديد، فيقرأ أفراد العائلة دعاء خاصّا بهذه اللحظة، هو: "يا مقلب القلوب والأبصار، يا مدبر الليل والنهار، يا محول الحول والأحوال، حوِّل حالنا إلى أحسن حال". ثم يقومون بتهنئة وتقبيل بعضهم بعضاً، وتقديم بعض النقود من كبار العائلة إلى صغارها كـ"عيدية"، أو "عيدي" في الفارسية.

في أفغانستان وبعض مدن باكستان تتضمّن المائدة سبعة فواكه، لا تبدأ أسماؤها بحرف السّين. وفي الدول الأخرى يضعون الورود والحلويات على المائدة. وفي بعض الثقافات يضعون 7 أشياء تبدأ بحرف "الشّين" وليس "السّين"، بناءً على تقاليدهم

وفي أفغانستان وبعض مدن باكستان تتضمّن المائدة سبعة فواكه، لا تبدأ أسماؤها بحرف السّين. وفي الدول الأخرى يضعون الورود والحلويات على المائدة. وفي بعض الثقافات يضعون 7 أشياء تبدأ بحرف "الشين" وليس "السين"، بناءً على تقاليدهم.

ولكلّ منطقة أكلاتها وحلوياتها الخاصّة في عيد نوروز. وهناك بعض الأكلات التي تترافق مع هذا العيد. ففي إيران تعدّ العائلات الإيرانية الأرز والخضار المفروم مع السّمك المقلي، وفي تركمنستان "نوروزبامه"، وفي أوزبكستان السمبوسك.

ومن التقاليد الإيرانية الأخرى لهذا العيد هي زيارة وتهنئة الأقارب، أو المعايدة طيلة فترة أيام العيد، والتي تبدأ غالباً بزيارة كبار السّن. كما يقوم البعض بزيارة قبور الأموات ووضع الورود على قبورهم.

وتنتهي احتفالات بداية السنة الإيرانية الجديدة في اليوم الثالث عشر من الشّهر الأول في التقويم الإيراني، "سيزده بِدَر"، حيث يخرجون فيها من الصباح إلى المساء نحو الحدائق والغابات، ويرمون في نهاية نزهتهم خضرة مائدة "هفت سين" في الأنهار والبحيرات لتأخذ معها الشرّ وهموم العام الماضي. جديرٌ بالذكر أن في الثقافة الإيرانية يعتبر رقم 13 رقماً نحساً ومنذراً بالشرّ.

في طاجيكستان، تنتهي الاحتفالات بمراسم اقتطاف الورود حيث يخرج بعض الناس للبحث عن الورود واقتطافها ليقدّموا بشرى انتهاء فصل الشتاء وبداية الربيع.

نوروز هذا العام

في هذه الأيام اختلف الوضع كثيراً بالنسبة للإيرانيين، حيث ألقى فيروس كورونا ظلاله الأسود على أهمّ احتفال ايراني، وحُرم الإيرانيون من الحضور في الشّوارع والأسواق، وزيارة أقاربهم والاحتفال بنوروز، والسّفر إلى المدن الإيرانية او إلى خارج البلاد كما يفعلون كلّ عام، حيث تعتبر إيران من الدّول الأولى في انتشار فيروس كورونا فيها. ودعت السّلطات الإيرانية المواطنين للبقاء في منازلهم. وأطلق بعض الإيرانيون حملة في مواقع التوصل الاجتماعي تحت عنوان "نوروز في البيت". ويعتبر بعض الإيرانيون عيد نوروز الحالي، أحزنَ وأسوأ عيدٍ في حياتهم. ولم تشهد إيران عيداً هادئاً كالعيد الحالي في تاريخها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard