“إن ارتباط القناع بالمقدّس لا يُخفى“... الكورونا والخمار والقبور والسوتيان

الخميس 19 مارس 202005:26 م

لاريب أن أشهر قناعين في الثقافة الإنسانية، هما قناعا المسرح؛ الضاحك والباكي، اللذان ورثناهما عن المسرح اليوناني، على الرغم من وجود أحد عشر قناعاً للذكور وأربعة عشر قناعاً للإناث، قد استخدموا في المسرحيات الإغريقية تعبيراً عن مجمل الانفعالات التي على المشخِّص أن يقوم بها، غير أن قناعي الضحك والبكاء كانا الأكثر تأثيراً وشهرة، لأهما الأكثر حدّية وتضاداً بين الانفعالات التي تظهر على الكائن البشري، إلى أن نحت الفرنسي رودان تمثاله "المفكّر" ومعه أصبح التفكير أخطر انفعال/ قناع يتلبّس الإنسان.

يقول محمود درويش: إنّ "إحدى صفات الغيب تلك: ترى ولكن لا تُرى". إن ارتباط القناع بالمقدّس لا يخفى، فقبل أن يصعد على خشبة المسرح الإغريقي ويتحوّل إلى وسيلة فنية، كان أداة طقوسية عابرة للعبادات الدينية، فلماذا لعب القناع هذا الدور؟ كما قال درويش، فالقناع يسمح بتنافذ من جهة واحدة. إنه كالمشربية؛ تلك النافذة التي تحجب الناظر من داخلها وتسمح له بالوقت نفسه أن ينظر إلى الخارج من دون أن يُرى. هذه صفة الغيب الذي يعاقب من ينتهكها، فعندما طلب بنو إسرائيل من نبيهم موسى أن يَظهر الإله لهم، عوقبوا بالموت، فخرق محظور القناع يؤدي إلى امتزاج السماوي بالأرضي، كما حدث عندما اختلطت أمطار السماء بمياه الأرض وحدث الطوفان.

لقد تقنّع الإله بالجبل كي يظلّ الفصل قائماً، لكنّ الجبل لم يثبت، فكيف بالإنسان، الكائن الضعيف، أن يقف جهاراً في حضرة الإله، قبل أن تعلن خاتمة وباء خطيئة آدم وحواء، عبر القيامة والحياة الآخرة. إن إسقاط القناع من المسرح الإغريقي سيؤدي إلى انتهاء التطهير الذي تكلّم عنه أرسطو كأحد أهم وظائف التراجيديا، القناع سلطة من جهة وخضوع من جهة أخرى، بهذه الطريقة نستطيع أن نفهم لماذا ستر آدم وحواء عورتيهما بعدما انتهكا محظور الأكل من الشجرة: لقد أصبحت عورتاهما مصدراً للخلط بين الآمر والمأمور، نافذة تخلّ بالتراتب وتجعل من الآمر ناظراً ومنظوراً إليه بالوقت نفسه، وهذا يهدد بالخطر الذي عُوقب بني إسرائيل عليه، ولكن يصبح مكافأة في الحياة الأخرى، لمن قضى حياته ملتزماً بتراتبية القناع بين السماوي/ الآمر والأرضي/ المأمور، هكذا نجد في القرآن تلك الجائزة: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى ربها نَاظِرَةٌ".

القبر أول قناع

يقول ريجيس دوبريه في كتابه "حياة الصورة وموتها": "القبر أول الأعمال الفنية وعلى العظام بنى الجمال صرحه". إن إخفاء سوءة الموت التي واجهت قابيل بعد قتله أخيه كانت عبر القبر، بهذه الطريقة أعاد قابيل الاتزان والفصل بين الحياة والموت، فهما لا يمكن أن يحيا معاً، ولا يقبل تجاورهما إلا بواسطة القناع، وكأن القناع يفصل بين الصحي والمريض! ألا تلعب الكمامة الطبية هذا الدور في الوقاية من الأوبئة؟

إن ضبط التأثير والتأثر كان هاجساً لم يزل يقلق الإنسان ويربكه ويرتب تفاصيل حياته أيضاً، ونستطيع أن نرى لعبة القناع المزدوجة في مدينة البندقية المشهورة بمهرجانها السنوي الذي أعيد الاحتفال به.

يورد جيمس جونسون، في كتابه "البندقية المجهولة، الأقنعة في الجمهورية السامية"، بأن انتشار الأقنعة كان رداً على التشدّد الكبير في التراتبية الاجتماعية والفصل بين الطبقات، وخاصة بعد ظهور فئة جديدة من الأغنياء لم يكونوا من أصول نبيلة، وسمحت لهم أموالهم بعقد علاقات مع طبقة النبلاء لكن بعيداً عن الأعين، فكانت الأقنعة هي الوسيلة الناجحة في إتمام الأمر ومن ثم أصبحت تقليداً.

يتابع ريجيس دوبريه في كتابه، ويعرّف الجمال بأنّه "رعب مدجّن" وعبر هذا التدجين للموت بالقبر/ القناع، استطاع الإنسان أن يتجاوز عفن وفساد رائحة الجثة وينظر إلى الحياة من منظور الصحة، وهذا ما حدث مع آدم وحواء، فبعد ارتداء قناع ستر العورات، خُطّ عهد جديد بين الإله وبينهما.

الخمار وقناع الطاعون

نتغنّى بقصيدة مسكين الدارمي: "قل للمليحة في الخمار الأسود/ ماذا فعلت بناسك متعبد"، وفي خاطرنا جزع هذا الناسك الذي وقفت بباب صومعته تلك المليحة بخمارها الأسود، وأظهرت له بعضاً من حسنها، فكاد يجن.

الناسك ينتمي لعالم مفارق لعالم المليحة ويعمل الخمار كواق يمنع امتزاج العالمين بحيث يمنع تأثير المليحة عليه، فلا يذهله عن ذكر الإله. فالخمار قناع يفصل ويؤطّر حسن المليحة ويسجنه، ويقصي شهوات الناسك بعدم وقوع نظره على جمالها، فلا يقعان في الخطيئة، وكأننا أمام قناع الطاعون، فالأطباء الذين ارتدوه في القرن السابع عشر كي يحميهم من الإصابة بالطاعون، كانوا يهدفون من خلاله لحجب الفساد الموجود في الهواء، حسب نظرية ميازما، التي تقول بأن الطاعون نتيجة للروائح السيئة في الهواء، لذلك كان القناع عبارة عن منقار طويل مقوس مملوء بالأعشاب العطرية.

لم يحم قناع الطاعون هؤلاء الأطباء، وعرف التاجر الذي كسدت بضاعته من الأقمشة السوداء كيف يثير رغبة الإناث بها عبر قصيدة مسكين الدارمي.

كان الشاعر المقنع الكندي شاعراً وسيماً، ما إن تقع عليه النواظر حتى يمرض بسبب الحسد، فكان يرتدي قناعاً يستر به وسامته حتى ينجو من وباء الحسد.

حزام العفة والإيدز

مهما يكن الواقع أو الخيال الذي أنتج حزام العفة للنساء أو الرجال، فإنّه يذكرنا بأوراق التين التي ستر آدم وحواء عورتيهما بها، فالهدف منه هو فصل مؤقت للاتصال بين الذكر والأنثى، أو اتصال مقونن وفق هدف تناسلي، ليست المتعة الجنسية من ضمنها. فهذا القناع الجنسي يتضمن في ثناياه هاجس الخيانة، وكيفية الوقاية منها على صعيد عملي، وكأنّنا أمام التلقيح الطبي الذي يهدف لتقوية مناعة الجسم في مواجهة جوائح مرضية معينة.

إن الواقي الذكري هو قناع مضاد لقناع حزام العفة وحرق لأوراق التين المرتبطة بالخطيئة، وهو إن بدأ كمانع للحمل أصبح حامياً من الأمراض التناسلية وأخطرها الإيدز، فالخمار الذي كان يهدف لتثبيط الغواية أصبح بذاته وسيلة لإتمام الغواية.

كورونا وسوتيان المرأة

في لحظة كتابة هذا المقال، يخطف وباء كورونا كلّ انتباهنا. وفي الهلع الذي حدث من أجل شراء كمامات التنفّس واختفائها من الأسواق، بدأ البحث عن بدائل لتلك الكمامات، ومن تلك الأفكار أن نستخدم فناجين سوتيانات النساء، ككمامات تحمينا من فايروس الكورونا!

في لحظة كتابة هذا المقال، يخطف وباء كورونا كلّ انتباهنا. وفي الهلع الذي حدث من أجل شراء كمامات التنفّس واختفائها من الأسواق، بدأ البحث عن بدائل لتلك الكمامات، ومن تلك الأفكار أن نستخدم فناجين سوتيانات النساء، ككمامات تحمينا من فايروس الكورونا!

أمام خطر الموت تسقط المحرمات، فما كان يعتبر خرقاً للأخلاق، أصبح يعتبر وسيلة للنجاة. لقد كان الموت دافعنا لابتكار كل الجماليات الإنسانية، وهو الآن يحرّر من جديد أحد ثياب المرأة من ربقة الاشتهاء الذكوري ومحرماته الأخلاقية، وكما استطاع القناع المسرحي الإغريقي أن يؤمّن التطهير الأخلاقي للمتفرّجين، يفعل قناع الوقاية من الكورونا الأمر ذاته، بأن يجعلنا أكثر حرية وصحة نفسية، عندما نرى فنجان سوتيان المرأة ينقذ كائناً بشرياً من الموت.

هل القناع لعبة بشرية لنجابه بها لعبة الإله التي أوقعنا في حبائلها عندما خلقنا!؟ ألم يكتب هيدغير في كتابه "مبدأ السبب": "إن الترجمة الأصح لمقولة ليبنتز: وُجِد العالم بينما كان الإله يحسب، هي: وُجِد العالم بينما كان الإله يلعب". لن تكون الإجابة سهلة، لكن لنرتدِ الآن أقنعة الوقاية من الكورونا، ونقلع أقنعة اللصوص والحرب الكيماوية ونظارات مرافقي المسؤولين، في عالمنا المصاب بجائحة فايروس الكورونا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard