آراء من عالم الإبداع العربي عن المنح الأوروبية والتمويل الغربي للفنون

السبت 28 مارس 202012:18 م

تتعدد تجارب الفنانين والكتاب من العالم العربي على مستوى المنح الغربية للمشاريع الفنية والثقافية في أوروبا، وتختلف انطباعات هؤلاء في كيفية النظر إلى هذه المنح، حسب نوع المنظمات التي يسعون باتجاهها والبلدان التي يعيشون فيها، من ألمانيا وهولندا إلى فرنسا فالدول الاسكندنافية، والأهم من كل ذلك هو نوع الفنون التي يمارسها كل منهم، حيث الفروقات الكبيرة بحجم التمويل وعدد الفرص المتاحة، بين فنون التصميم، الرقص والأداء، الكتابة الأدبية أو صناعة الأفلام.

فقد بدأ العالم بالتغير ليصبح أكثر انفتاحاً مع مطلع الألفية الثالثة، حيث تداعت العديد من التمترسات بين معسكري الشرق والغرب، بعد عشر سنوات من سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة، ما انعكس بشكل واضح على المشاريع الفنية والأدبية ولغة التفكير في العالم العربي. بدأت بالانحسار موجة العداء للغرب ككتلة واحدة، وظهر خطاب مع ازدهار الإعلام الفضائي العربي حينها، يدعو للتفريق بين الأنظمة والشعوب، ويلاقي قيم حقوق الإنسان وشرائعها في منطقة رمادية في المنتصف، كما سقطت الكثير من الشعارات الخشبية، ليتوجه التفكير أكثر باتجاه إصلاح الداخل والسعي للحاق بالركب العالمي، ما انعكس تزايداً كبيراً على نشاطات المراكز الثقافية الأوربية في البلاد العربية، وعلى العديد من المشاريع وورش العمل العبر - ثقافية المشتركة، والتي وإن لم تستطع الغوص عميقاً في تعبيراتها، لكنها فتحت نوافذ لم يكن بالإمكان النظر خلفها من قبل.

خرج التمويل الغربي للفنون من خانة "العمالة"، وأصبح اليوم محط تنافس ومدعاة للتميز والتفوق... نطلّ على تجربة عدد من الفنانين والفنانات العربي مع المنح الأوروبية

بعد أن كان هذا من المحظورات، أصبحت مجال تنافس وغيرة في الوسط الفني

وعليه، بدأ الدعم والتمويل الغربي للعديد من المشاريع الفنية والثقافية، فبعد أن كان هذا من المحظورات سابقاً، حيث البلدان مغلقة على نفسها وتحت الرقابة باسم صون الأمن والحرب على الإمبريالية، وأي نشاط مرتبط بشخص أو منظمة غربية هو أمر مشبوه ويصنف في خانة العمالة، تحول الأمر لاحقاً ليصبح مع الوقت أمراً إيجابياً للمشروع ذاته ومدعاة للصدقية، حيث ازدهرت المهرجانات الفنية، المواقع الإلكترونية، الأعمال البحثية، المسرحيات وفنون الرقص والأداء التي تحمل رعايات من مؤسسات ومنظمات غربية، وأصبحت هذه المنح مجال تنافس وغيرة في الوسط الفني، فالأعمال المدعومة من المؤسسات الغربية يُصار للإشراف عليها فنياً وتقنياً لتظهر بشكل أفضل، ولديها فرصة للانتشار خارج حدود البلاد لتصل إلى جمهور أوسع في الغرب، ما قد يشكل فرصة ذهبية للعاملين عليها للشهرة والحصول على منح أخرى.

جاءت أغلب المنح محمولة على وجهة النظر القائلة: "من نحن لنقول لكم ما يجب عليكم فعله؟"، والتي كانت وراء الحياد السلبي في التعاطي من قبل جيل من الأوروبيين مع المواضيع الراهنة عربياً، آنذاك. لكنها لم تصمد طويلاً كذلك، حيث لاقتنا لاحقاً الثوارات والحروب والانقلابات، وبسبب خطورة التواجد في العديد من البلدان العربية من جهة، وحضور الكثير من الفنانين والأدباء في أوروبا، بعد سفر الخروج الكبير على وقع الأزمات العربية المتراكمة، ستعود الكثير من برامج الدعم والتمويل الفنية إلى أوروبا، وتعود معها نظرة الاستشراقي العارف، خاصة بعد أن أضحى "الربيع العربي" خريفاً أغبر.

العلاقات الشخصية العامل الحاسم في الحصول على منحة

في هذا السياق، يرى الفنان والمخرج عروة الأحمد، بعد تجربة إنجازه لثلاثة أفلام منذ وصوله إلى أوروبا، ويعمل حالياً على فيلم رابع بعنوان "برادا"، بأن الحصول على المنح الأوربية، ويخص هنا بالذكر السينمائية منها، أمر غامض وبالغ التعقيد إن كنت ستتقدم عليها بشكل مباشر عن طريق المواقع الإلكترونية للمؤسسات المانحة، ما يجعل العلاقات الشخصية العامل الحاسم في حصولك على المنحة، فعليك أن تعرف شخصاً يعرف آخر ليوصلك إلى من سيقرر المنحة لهذا العمل أو ذاك، ويضيف الأحمد: "التمويل الأجنبي للسينما العربية مرهون بالشللية، فهناك مخرجون وصلوا للأوسكار، ولم يكن هذا ليتم لولا أنه حصل عن طريق منتج غربي".

"أستطيع وصف تجربتي مع التمويل الغربي بالناجحة"

ويبدو هنا أن عامل الخبرة في التعاطي مع مسألة التقديم على المنح، ومدى معرفة الفنان المتقدم بدهاليزها وطرقها، مهم ومؤثر أيضاً في تشكيل النظرة تجاهها، تحدثنا مع المخرجة غايا جيجي، التي درست السينما في باريس وعادت إلى سوريا بعدها لتنجز فيلمها القصير الأول، قبل أن تقودها الأحداث للعودة مجدداً إلى فرنسا، وتبدأ العمل على باكورة أعمالها الروائية.

من صفحة الفنانة على موقع الـ Institut Francais 

تقيّم جيجي تجربتها بشكل إيجابي: "أستطيع وصف تجربتي مع التمويل الغربي بالناجحة، لأنها أتاحت لي الفرصة أن أنجز فيلمي وضمن ظروف مريحة نوعاً ما"، وتضيف جيجي: "المنح الثقافية في أوروبا متعددة جداً و يجب الحصول على عدة منح لتحقيق الفيلم، حيث تمكنت من ذلك من أجل فيلمي (قماشتي المفضلة)". وهنا يتفق معها الأحمد بأن إنجاز الفيلم السينمائي يحتاج إلى العديد من المنح ليتم بشكل متقن، ويميّز بينها وتلك المقدمة للأعمال الأدبية أو فنون الأداء، حيث لا تحتاج الأخيرة لتمويل مرتفع ويمكن تغطيتها بمنحة واحدة.

تريلو فيلم "قماشي المفضل" لـ غاغا جيجي

وفي هذا الصدد، يقول الشاعر والكاتب، المقيم في السويد، وفائي ليلا: "تقدمت لمنح محددة هنا خلال سنتين متتاليتين، لطباعة مجموعة شعرية ومشروع رواية، ونلتهما بمبلغ أكبر مما توقعت، ولم يوجد أي اشتراط في المنح التي حظيت بها، لا بالموضوع ولا حتى بإبراز العمل أو تقديمه كبرهان على الاستفادة من تلك المنح، وهو برأيي سلوك راق".

في نفس السياق، تشرح الكاتبة والشاعرة لينا عطفة، التي حصلت مؤخراً على منحتين للكتابة، "هناك الكثير من المنح الأدبية والفنية المتوفرة للتقدم عليها في ألمانيا، وقد لزم مني الأمر التقدم على عدد كبير منها حتى تم قبولي"، وتتابع حديثها عن الآليات: "هناك فرص للجميع، ويعتمد الحصول على المنحة برأيي كثيراً على الموضوع المقدم، ولكن على بعض الحظ أيضاً!".

أما بالحديث عن الانطباعات ودور المنح في إنجاز المشاريع الأدبية والفنية في سياق اللجوء الأوربي، يرى دلير يوسف، أن "المنح التي تُعطى لفنانين وكتّاب سوريين وعرب لاجئين زادت بسبب كثرة العدد، وبسبب اهتمام العالم بمواضيع اللجوء، المنفى، الهوية والحرب"، فيما يعتبرها وفائي ليلا "مهمة بالنسبة للكاتب اللاجئ ليتمكن من إنجاز عمله".

أما لينا عطفة، فتشير إلى البعد التعليمي في تجربتها والفرق بالعقلية: "فالكتابة في سوريا فعل ارتجالي يعتمد على الموهبة، عندما تشعر بالرغبة والقدرة على كتابة الشعر مثلاً، تقوم بالتواصل مع دار نشر وتدفع لها من مالك الشخصي لتنجز لك كتابك، فتعمل أنت على نشره بالإضافة إلى الدور المحدود الذي تقوم به عادة الدار. بينما في ألمانيا، الكتابة حرفة وعمل يحتاج إلى مخطط أولاً، حيث وفرت لي المنظمة التي أعمل معها كاتبة ألمانية أتناقش وإياها وتقوم بتوجيهي، ما ساعدني على تجاوز العديد من العقبات، وكان مهماً بالنسبة لي لتقبل وفهم آليات الإنتاج الأدبي هنا بشكل أفضل".

اللجوء، داعش والاندماج... هل هناك حرية في اختيار مواضيع المنح؟ 

وهذا الموضع يقودنا باتجاه التساؤل عن ماهية المشاريع الأكثر جاذبية للحصول على منح أوربية لتمويلها، حيث تطغى بالغالب نظرة متأثرة بالهستيريا الإعلامية المترافقة مع موجة اللجوء الأخيرة، داعش، مشاكل الاندماج وغيرها من المواضيع الإشكالية الحاضرة، على توجهات المؤسسات والمنظمات المانحة، وفي كيفية التعاطي مع المشاريع الفنية المقدمة ومضامينها، بما هو أهم محلياً وأكثر إقبالاً.

يجزم عروة الأحمد بشكل قاطع في هذا السياق بأن: "المشاريع التي لا تتحدث عن الحرب وهوس الحرب لا يتم تمويلها، فإن أتيت بمشروع ليس له علاقة بالأكشن الحاصل يومياً لن ترى من يتحمس له"، وتضيف غايا جيجي: "لا نستطيع الإنكار أن هناك نظرة معينة من الغرب إلى العرب، يُنتظر من الأفلام العربية أن تعمّقها، تتمثل في تصورات محددة ونمط حياة واحدة تمثل جميع الحيوات، وهو ما لا يمكن أن ينطبق على أي مجتمع في العالم".

وبوجود عدد قليل جداً من المنظمات العربية المستقلة، مثل المورد الثقافي وآفاق، لتقديم المنح الفنية والثقافية، يتفق الكثير من الفنانين والكتاب العرب على أن الحكومية منها، من أي بلد كانت، هي مسيسة بالغالب ومحكومة بكم كبير من القيود على المواضيع وسقوفها.

لكن تبقى حركة الفن والفكر أكثر ديناميكية، وأسرع دوماً في محاولة خلق فرص مختلفة عن السائد، لتحريك المياه الراكدة في المجتمعات من جهة، ولدعم نفسها بالوصول إلى أكبر قدر من الاستقلالية، حيث الكلمة والصورة والفكرة مصدر قوة، يسعى الجميع لاحتوائه والتحكم به أو الاستفادة منه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard