الكورونا… وعودة "عذاب القبر" إلى الشاشات

الثلاثاء 17 مارس 202002:57 م

سألتني خائفة قبل بدء موجة الطقس السيئ التي ضربت مصر مؤخراً: "هل صحيح بعد العاصفة ستقوم القيامة؟"، فوالدتها وبعض صفحات فيسبوك وحسابات منسوبة لشيوخ، يؤكدون أن تلك علامات الساعة الكبرى التي تسبق نهاية الكون، خاصة بعد انتشار وباء كورونا، و"هو غضب من الله وتصريح بنهاية العالم".

لم يفزعني سؤال جارتي التي لم تبلغ من العمر 16 عاماً، قدر فزعي من خوفها الشديد، ما دفعني في محاولة لتلطيف الأجواء لسؤالها ضاحكاً: "وإنت عملتي ايه ذنوب يخليكي خايفة أوي أن ربنا ميرحمكيش يعني؟"، هدأت وأخبرتها أن هذا الحديث غير صحيح، وأن الأوبئة تنتشر طوال الوقت، وما يحدث في الطقس نتيجة ظواهر طبيعية لا علاقة له بيوم القيامة الذي لا يملك موعده إلّا الله.

لكن هذا الحديث لم يمنعني من تذكر وباء إنفلونزا الخنازير، الذي ما إن اجتاح العالم حتى ظهر شيوخ يعلنون إنه عقاب من الله لمن يأكلون حيواناً "نجساً"، وبعد أن جاء إلينا هذا الوباء وغيره مثل "إنفلونزا الطيور"، كان التفسير الأقرب هو أنه نهاية العالم.

ورغم أن الأمراض جزء من تكوين الحياة الإنسانية، بل ودافع لتطور العلم، لكنها عند شريحة كبير من الناس ليس مجرد مرض، وذات مرة أخبرني صديق أن الله عاقب نصر حامد أبوزيد بمرض أفقده الذاكرة، فسألته وهل موت الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح بالطاعون هو أيضاً عقاب؟ فقال: لا، ذلك ابتلاء لكي يخفف عنه ذنوبه.

لكن ذلك لم يغير من الأمر شيئاً، فبمجرد بدء وباء كورونا في الصين، بدأت أولى التفسيرات بأنه جزاء مستحق لمن يأكلون حيوانات نهانا الله عن أكلها، وبمجرد أن بدأ الانتشار دارت أسطوانة أخرى أن تلك نهاية العالم، وزاد من هذا الاعتقاد موجة الطقس السيئ التي ضربت مصر مؤخراً.

بموازاة ذلك، ظهر الطبيب النفسي أحمد عكاشة، في لقاء إعلامي، وأكد أنه لا وجود لما يسمى عذاب القبر، لافتاً إلى أن الموت كالنوم العادي بالنسبة للإنسان، لكنه لم يسلم بالطبع من هجوم، وفي رأيي فإن تلك القضية تناولها بشكل جيد الأزهر الشريف الذي يعلن في منهج "أصول الدين" الذي يدرسه طلبة الصف الثالث الإعدادي، أن عذاب القبر جائز عقلاً، لكن لا يُكفر منكره طالما يؤمن بالعقاب والثواب في الآخرة، وإن كان هذا الرأي لا يتردد كثيراً على ألسنة شيوخ الأزهر أنفسهم.

رغم أن الأمراض جزء من تكوين الحياة الإنسانية، لكنها عند شريحة كبير من الناس ليس مجرد مرض... ذات مرة أخبرني صديق أن الله عاقب نصر حامد أبوزيد بمرض أفقده الذاكرة، فسألته وهل موت الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح بالطاعون هو أيضاً عقاب؟ فقال: لا، ذلك ابتلاء لكي يخفف عنه ذنوبه

هل هناك علاقة بين الذين اعتبروا كورونا علامة لنهاية العالم وتأكدوا من ذلك بموجة طقس سيئ، وبين من يصرون على الإيمان بعذاب القبر؟ بكل أريحية نعم… كيف ذلك؟

بحسب السردية الدينية للأديان السماوية، فإن هناك نهاية لهذا العالم ويوم قيامة يكون فيه ثواب وعقاب للإنسان، بغض النظر عن كيفية هذا العذاب أو النعيم، ولكن الله وضع منظومته هكذا، ترك للإنسان حرية اختياره مقابل حساب نهائي يقرر إثره النعيم والعذاب.

لكن تلك السردية الإلهية يبدو أنها لم ترضِ كثيرين، فمنذ بدء عصر التدوين للأحاديث النبوية بدأت روايات كل همها زراعة الخوف في الإنسان، ربما من باب الترهيب للعودة إلى "الطريق الصحيح"، أو ربما من باب صناعة الكهنوت الديني، ولعل باكورة تلك الروايات حديث "المعراج" المختلف في صحته، والذي ورد فيه أشكال العذاب، مثل: تعليق المرأة غير المحجبة من شعرها واستبدال أظافر الإنسان بأظافر نحاس نتيجة معصيته، ورغم أن هذا ليس له سند قرآني، ورغم أن حديث المعراج تحدث عن شكل تعذيب مدمن الخمر في عام لم يكن الخمر حُرم فيه من الأساس، ما يعني التشكك بقوة فيه، أقول برغم ذلك، ظل على مدار تلك العقود راسخاً في وجدان كثيرين.

بعد أن نجح الكهنوت الديني في تضخيم أشكال العذاب بالنار، انتقل إلى ما قبل الحساب نفسه، وهنا تأتي أحاديث عذاب القبر المنسوبة للنبي، وبعضها معتمد على بعض التفسيرات لآيات قرآنية، لكنه يتعارض مع آيات صريحة تنص إنه لا عقاب إلّا بعد حساب معروف موعده يوم القيامة، وهي الأقرب لتطبيق العدل الإلهي، إذ كيف يعاقب الله إنساناً دون أن يحاسبه؟ بل ولو عوقب إنسان في قبره فماذا سينتظر يوم القيامة، وما فائدة حسابه إذا كان قد خبر النتيجة سلفاً؟ ولعل ذلك ما دفع مؤسسة الأزهر أن لا تؤاخذ كثيراً منكري عذاب القبر.

هل هناك علاقة بين الذين اعتبروا كورونا علامة لنهاية العالم وتأكدوا من ذلك بموجة طقس سيئ، وبين من يصرون على الإيمان بعذاب القبر؟

وحتى يكتمل مسلسل إخافة الناس وممارسة الكهنوت بنجاح، لم يقتصر الأمر عند حدود ما سبق، بل انتقل الأمر إلى الحياة نفسها، من خلال وضع عدة روايات تشير إلى العذاب الذي ينتظر الناس أحياء قبل نهاية العالم، ويتخذ أشكالاً متعددة، مثل الأوبئة التي تجتاح الكون وتقتل الآلاف، أو الريح التي ستخطف أرواح الطيبين ليبقى الأشرار وهم من يشهدون يوم القيامة.

تلك التراكمات السابقة هي أسباب الاعتقاد الذي ساد في الفترة الأخيرة حول اقتراب يوم القيامة وما صنعه من خوف، وهي الرابط بين من خافوا من كورونا ومن أصروا على عذاب القبر، وتلك التراكمات في اعتقادي سبّبت أزمتين، أول أزمة، تغليب العذاب على رحمة الله الذي قال عنها: "رحمتي سبقت عذابي"، وتصويره كإله ينتقم من عباده حتى قبل حسابهم، وحاشا لله أن نقول ذلك.

أما الأزمة الثانية، فهي شلّ التفكير في التعامل مع أي أزمة، فاعتبار ما يحدث نهاية العالم يعني أنه ليس بأيدينا أي شيء نقدمه، ولعلّي أتساءل ماذا لو شاركنا العالم كله بهذا الاعتقاد، هل كنا سنصل لأمصال للأوبئة السابقة وتفسير للظواهر المناخية؟

والأهم هل يعتقد أصحاب تلك الاعتقادات، ومن يحملونها جيلاً بعد جيل، أن إنساناً لم تعظه النار مثلاً سيتعظ بغيرها، وأن من لم يخشى ذوبان جسده سيخشى أن يلدغه ثعبان أقرع؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard