كيف حافظ المسيحيون المصريون على هويتهم الجمعية مع انتشار الإسلام حولهم؟

الخميس 19 مارس 202006:55 م

على الرغم من دخول الإسلام إلى مصر في أربعينيات القرن السابع الميلادي، إلا أن المصريين قد تمكنوا من الحفاظ على هويتهم القبطية المسيحية الغالبة لعدة قرون، وبمرور الوقت تحولت أغلبية المصريين إلى اعتناق الدين الإسلامي، فيما بقي شطر من المصريين مخلصين لمعتقداتهم المسيحية الأرثوذكسية القديمة.

الأمر المثير للتعجب هنا، أن المصريين المسيحيين قد عملوا على الحفاظ على هويتهم الدينية الأصلية، وبذلوا كل ما في وسعهم في سبيل البقاء في معزل عن التيار الإسلامي الجارف، الذي كاد أن يفرض نفوذه الكامل على مختلف أقاليم الشرق الأدنى القديم.

أحد الحلول التي لجأ إليها الأقباط للحفاظ على هويتهم، تمثلت في تدوين سيرة الكنيسة وأبطالها في مجموعة من الكتب، ومنها على سبيل المثال، كل من القطمارس، الميمر والدفنار، غير أن كتاب السنكسار على وجه التحديد، يبقى هو درة التاج وواسطة العقد في تلك المجموعة الفريدة، إذ كان على الدوام مرشداً للأقباط، وحافظاً لذاكرتهم المقدسة المرتبطة بماضيهم وحاضرهم من الضياع أو الذوبان في الوسط الإسلامي.

على الرغم من دخول الإسلام إلى مصر في أربعينيات القرن 7 م، إلا أن المصريين قد تمكنوا من الحفاظ على هويتهم القبطية المسيحية الغالبة لعدة قرون، وبمرور الوقت تحولت أغلبية المصريين إلى الإسلام، فيما بقي شطر من المصريين مخلصين لمعتقداتهم المسيحية الأرثوذكسية القديمة، كيف نجحوا في ذلك؟ 

ما هو السنكسار؟

ترجع كلمة السنكسار إلى أصل لغوي يوناني وهو سيناكساريون وتعني جامع، أي جامع السير، وبحسب ما تتفق عليه المصادر القبطية، فأن القديس يوليوس الأقفهصي في القرن الرابع الميلادي، كان أول من كتب سير الشهداء المسيحيين في مصر، وذلك في عصر الإمبراطور الروماني دقلديانوس، وهو العصر المعروف بعصر الاضطهاد.

وظيفة يوليوس الأقفهصي كمشرف على سجلات السجون في تلك الحقبة، مكّنته من التعرف على أخبار وقصص العشرات من الشهداء المسيحيين الذين تم تعذيبهم والتنكيل بهم قبل قتلهم، ومن ثم، فقد كانت المدونات التي سجلها الأقفهصي هي النواة الأولى من سجلات السنكسار القبطي. فيما بعد، حمل مجموعة من القديسين مهمة إكمال السنكسار في القرون اللاحقة، ومن أهمهم القديس يوحنا، أسقف البرلس في القرن السابع الميلادي، والأنبا بطرس المُلقب بالجميل، أسقف مليج، في القرن الرابع عشر الميلادي، والأنبا ميخائيل الإتربي، أسقف مليج وأتريب في القرن السابع عشر الميلادي.

أقدم وثيقة معروفة للسنكسار القبطي، هي مخطوطة على ورقة بردي تعود للقرن السادس الميلادي، في منطقة البهنسا في صعيد مصر، وقد تم طباعة ذلك المخطوط في عام 1924م، أما أول سنكسار قبطي تمت طباعته بشكل كامل، فهو المعنون بـ"الصادق الأمين في أخبار القديسين".

السنكسار الذي جُمع وتم تأليفه على مر القرون، لم يكن مجرد سرد لحوليات تاريخية لأحداث التعذيب والقتل التي تعرض لها شهداء المسيحية، بل كان في الحقيقة وعاء ضخماً يضم أعياد الاستشهاد، وقصص نقل أعضاء جثامين الشهداء، بالإضافة إلى التوقيتات التي تم فيها تكريس كنائس على أسماء هؤلاء الشهداء، ومن ثم فقد صار السنكسار الكتاب الأكثر تخليداً لما يقرب من ألفي عام متواصلة، تشبع فيها المصريون بالعقائد المسيحية.

السنكسار الذي جُمع وتم تأليفه على مر القرون، لم يكن مجرد سرد لحوليات تاريخية لأحداث التعذيب والقتل التي تعرض لها شهداء المسيحية، بل كان في الحقيقة وعاء يضم أعياد الاستشهاد صار السنكسار الكتاب الأكثر تخليداً لما يقرب من ألفي عام متواصلة، تشبع فيها المصريون بالعقائد المسيحية

السنكسار والكنيسة

المسيحيون المصريون الذين أرادوا خلق وحدة بين الكنيسة وذاكرتها الجمعية، عملوا على توزيع أحداث السنكسار على أيام السنة القبطية، بحيث تكون هناك مجموعة من الأحداث المهمة التي يستذكرها الأقباط في كل يوم، ويقرأونها في قداسهم اليومي، قبل قراءة العهد الجديد.

من المعروف أن السنة القبطية تتألف من 365 يوماً، موزعين على 13 شهراً، كل شهر من الاثني عشر شهر الأوائل: توت، بابه، هاتور، كيهك، طوبة، أمشير، برمهات، برمودة، بشنس، بؤونه، أبيب ومسرى، يكون 30 يوماً، أما شهر نسئ فيكون 5 أيام، أو 6 أيام في حالة السنة الكبيسة.

من هنا، فأن الباحث في السنكسار القبطي سيجد مجموعة متنوعة من الأحداث في كل يوم من أيام العام، والتي تجمع في محتواها بين الطابع العالمي للمسيحية من جهة، وخصوصية الحالة القبطية من جهة أخرى، فعلى سبيل المثال، لو رجعنا لسنكسار اليوم الحادي والعشرين من شهر أمشير، سنجد أربعة أحداث متنوعة، الأول هو التذكار الشهري "لوالدة الإله القديسة مريم العذراء"، والثاني استشهاد القديس أنسيموس، تلميذ القديس بولس الرسول، ويتسم الحادثان بالطابع العالمي المنفتح للمسيحية، أما الحادثان الثالث والرابع، فهما أقرب إلى الطابع المحلي، ويتمثلان في "نياحة أنبا زخارياس اسقف سخا"، ونياحة البابا غبريال بابا الإسكندرية السابع و الخمسون.

ومن بين الملاحظات المهمة، والتي تشي بالارتباط الوثيق المنعقد بين الكنيسة والسنكسار، أنه وبحسب التقاليد المُتبعة، فأنه من الشائع عدم قراءة السنكسار في فترة الخمسين يوماً التي تعقب عيد القيامة، والتي تنتهي مع عيد العنصرة أو عيد الخمسين، الذي يعرف في الثقافة المسيحية بكونه عيد ميلاد الكنيسة، ذلك أنه وبحسب ما ورد في الإصحاح الثاني من سفر أعمال الرسل، فأن تلاميذ المسيح المجتمعين في أورشليم، قد هبطت عليهم الروح القدس "فاَمتَلأوا كُلُّهُم مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، وأخذوا يتكَلَّمونَ بِلُغاتٍ غَيرِ لُغَتِهِم، على قَدْرِ ما مَنَحهُمُ الرُّوحُ القُدُسُ أنْ ينطِقُوا..."، وبدأت رحلة التبشير والكرازة باسم المسيح بين اليهود وباقي الأمم، وتم تدشين كنيسة أورشليم، وهي الكنيسة الأولى في المسيحية.

فلما كان السنكسار يحكي عن تاريخ الكنيسة، فقد فضل الآباء الأوائل أن توقف قراءته في الأيام السابقة لذكرى تأسيس كنيسة أورشليم، وذلك في إشارة مبطنة للارتباط والملازمة بين الاثنين.

كيف ظهرت الميثولوجيا المصرية القديمة في السنكسار؟

لما كان الهدف الأهم من السنكسار يتمثل بالمقام الأول في الحفاظ على تاريخ الكنيسة وهوية الأقباط، فقد لجأ الآباء الأوائل للاستعانة بالتراث الميثولوجي القديم السابق على المسيحية، ومن ثم فقد مالوا لاستخدام العديد من الرموز والإشارات المُتعارف عليها في الحضارة المصرية القديمة، وتوظيفها في منظومتهم الدينية الجديدة.

على سبيل المثال، راعى السنكسار تنوع وتكرارية أعياد وتذكارات الشخصيات المقدسة في فصلي الصيف والشتاء، وهي السنة التي دأب فيها المصريون القدماء، مراعاة التغيرات التي تطرأ على نهر النيل، واختلاف الظروف المناخية طوال العام بين مصر العليا (الصعيد) ووجه بحري (الدلتا).

أيضاً نستطيع أن نلاحظ أن الكثير من الآلهة والمعبودات والشخصيات المقدسة عند المصريين القدماء، قد أُعيد تمثيل قصصهم وأعيادهم من خلال الرموز المسيحية المُبجلة، ولعل من أشهر تلك الرموز، الملاك ميخائيل، والذي يذكر السنكسار أن له عيدين تذكاريين، الأول في الثاني عشر من هاتور والثاني في الثاني عشر من بؤونة.

بحسب ما تتفق عليه المصادر الكنسية القبطية، فأن سبب الاحتفال بالعيد الأول، أن البابا إسكندر، في القرن الثالث الميلادي، وجد أن أغلب أهل الإسكندرية قد انشغلوا بالاحتفال بعيد الإله سيرابيس، إله الشمس، في 12 هاتور، فحاول استثمار هذا الانشغال ولكن من خلال طقس مسيحي الصبغة، ومن هنا فقد أعلن هذا اليوم عيداً لميخائيل، وحوّل هيكل سيرابيس إلى كنيسة باسم رئيس الملائكة ميخائيل، ومع مرور الوقت تناسى المصريون السبب الأصلي للعيد في هذا اليوم، ولم يبق في ذاكرتهم سوى الاهتمام بعيد الملاك ميخائيل، وإن حافظ الأقباط على الطقوس التي مارسها أجدادهم بالاحتفال في ذلك اليوم، من خلال صنع الفطير الأصفر على شكل قرص الشمس، دون أن يدروا علاقة المعبود القديم سيرابيس بذلك الأمر.

أيضاً، يرجع الاحتفال بالعيد الثاني للملاك ميخائيل لسبب مشابه، ألا وهو أن المصريين كانوا يحتفلون في 12 بؤونة بفيضان النيل، ويعتبرون أن ذلك الفيضان يتم بفضل ونعمة من الإله حابي، الذي يصعد إلى السحاب ويتسبب في نزول الأمطار، ومن ثم يمتلئ النيل ويفيض بمياهه، ويتسبب في انتشار البركة بالبلاد. البابا ثاؤفيلس في القرن الرابع الميلادي، قرر أن يحتفل بالعيد الثاني للملاك ميخائيل في نفس اليوم، باعتباره صاحب الصلوات الذي يشفع للمؤمنين ويدعو بزيادة النيل وكثرة خيراته أمام العرش السماوي.

وفي السياق نفسه، اقتبست الكنيسة القبطية العديد من الألحان الجنائزية التي كانت معروفة عند المصريين القدماء، ومن أهمها لحن غولغوثا، الذي أدخله البابا أثناسيوس الرسولي إلى الكنيسة، بعدما استبدل الكلمات المصاحبة له بكلمات أخرى قبطية، تظهر فيها الصبغة المسيحية الواضحة، وصار هذا اللحن يُنشد كترنيمة حزينة في تذكارات بعض الشهداء أثناء تلاوة السنكسار، ولحن أجيوس، والذي يتم عزفه في قداسات الأعياد الكبرى كالميلاد والقيامة.

وما يزال السنكسار مفتوحاً

على الرغم من القداسة التي يحظى بها كتاب السنكسار في الأوساط المسيحية القبطية، فأن هناك الكثير من الدعوات التي طالبت بمراجعته ونقده للتحقق مما ورد فيه، ومن أشهر تلك الدعوات تلك التي بدأت في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، عندما شُكلت لجنة بمعرفة البابا شنودة الثالث، لتصحيح الكتاب وحذف ما به من أخطاء وأساطير، ولكنها لم تنته إلى نتائج محددة.

على الرغم من القداسة التي يحظى بها كتاب السنكسار في الأوساط المسيحية القبطية، فأن هناك الكثير من الدعوات التي طالبت بمراجعته ونقده للتحقق مما ورد فيه وحذف ما به من أخطاء وأساطير

أيضاً، من بين النقاط المهمة المميزة للسنكسار القبطي، استيعابه وتقبله لجميع الحوادث الطارئة والمستجدة عبر القرون، فكما كان الكتاب شاهداً منذ بداية تدوينه على حالة الاضطهاد التي تعرض لها المسيحيون في القرن الثالث الميلادي على يد الإمبراطور دقلديانوس، فقد كان في الوقت ذاته مؤرخاً لدخول المسلمين إلى مصر في القرن السابع الميلادي، وسجل بين دفتيه الكثير من التفصيلات الخاصة بالعلاقة المضطربة بين الفاتحين العرب والأقباط.

من هنا، فقد صار من المتعارف عليه أن يضاف إلى السنكسار في كل جيل ما يواكبه من الأحداث المهمة، ويضطلع المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية بتلك المهمة، وذلك من خلال لجنة كهنوتية متخصصة مُعينة من قبل البابا نفسه، كما جرت العادة أن يتم الانتظار لمدة خمسين عاماً كاملة بعد وقوع الحدث قبل إضافته للسنكسار.

في2017م، قرر المجمع المقدس أن يتم تكريس يوم الثامن من أمشير/ الخامس عشر من فبراير، ليصبح يوماً تذكارياً لجميع الشهداء الأقباط المعاصرين، وذلك بسبب موافقة هذا اليوم لواقعة قتل 21 مصرياً مسيحياً على يد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بمدينة سرت الليبية في 2015م، ومن هنا، فقد صار من الطبيعي أن يستذكر أقباط مصر في هذا اليوم العشرات من القتلى الذين راحوا ضحية أحداث عنف متعددة في العقود الأخيرة، ولعل من أبرز تلك الأحداث ما وقع في الخانكة عام 1972م، وفي الزاوية الحمراء بالقاهرة عام1981 م، وفي الكُشح بسوهاج عام 1998م، وغير ذلك من الوقائع الدامية المؤسفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard