اللّهو مع الخراب في "ذاكرة ممتلئة لعينين"

الثلاثاء 17 مارس 202003:51 م

في زمن لم يعد يُجدي معه سوى المغالاة في كلّ شيء، لا بدّ للشّعر أن يكون في رأس قائمة الأشياء المغالية في مواجهته. إنّه زمن اللامعقول الذي كرّس أدباء الوجوديّة في القرن العشرين أعمالهم الأدبية للكتابة عنه، والذي لا سبيل لمواجهته إلا بأفعال وردّات أفعال لا معقولة ترقى لتكون في مستوى عدميّته ومأساويّته، كـأن يقول قنّاص لحبيبته:

حين قلتُ لكِ: أنتِ على مرمى قلبي،

كذبتُ قليلاً،

كنتِ على مرمى رصاصتي.

يعتذر قنّاص من حبيبته بعد أن تمدّدَتْ. ص 128

ففي زمن اللامعقول لا يفرّق القنّاص بين طريدته وحبيبته.

يقول قنّاص لحبيبته: حين قلتُ لكِ: أنتِ على مرمى قلبي،/كذبتُ قليلاً،/كنتِ على مرمى رصاصتي. /يعتذر قنّاص من حبيبته بعد أن تمدّدَتْ... مجموعة "5 ميغا بيكسل، ذاكرة ممتلئة لعينين"والشعر في زمن اللامعقول 

من هنا تأتي مجموعة "5 ميغا بيكسل، ذاكرة ممتلئة لعينين" للشاعر السوريّ فايز العبّاس الصادرة حديثاً عن دار فضاءات للنّشر والتوزيع بعمّان_الأردن لتكون وثيقة جديدة لزمن الخراب. يقول:

الفجوة التي أحدثها قنّاصٌ في الجدار

سأضع فيها مسماراً، وأعلّق عليه صورتك. ص 132

هذه المغالاة في الصور هي تحديداً ما يبحث عنه قارئ اليوم، ليس فقط طلباً لتراكيب غير مألوفة، وعلاقات لغويّة ملتبسة تحقّق له المتعة الفنيّة، بل لإشباع المأساة بداخله كونه ابن هذا العصر التعيس، ويحتاج أن يشعر أنّ هنالك مَن يشعر معه ويعبّر عن وجعه. من هنا يمكن القول إنّ كثيراً من نصوص هذه المجموعة ترقى إلى مستوى التعبير من خلال اللّغة والمقولة في آن.

وبوصف فايز العبّاس شاعراً ليس في يده سوى إشهار مجازه، فإنّه يبثّ قصائده اقتراحات حلول للواقع المتأزم، يقول في نصّ (وجهاً لوجه):

تعال نتبادلِ الأدوار

أنتَ تأخذُ نظّارتي

وأنا آخذُ منظارَ قنّاصتك

أنا سأرى الوردةَ البعيدة

وأنتَ لن ترى الطريدة

أنت ستتعلّم كيف تركبُ موجَ القصيدة

وأنا سأتعلّم صيدَ المعاني

تعال نتبادلِ الأدوار ولو لثوانٍ. ص 133

هذا أقصى ما يستطيعه الشاعر في خضم الحرب: طرح مبدأ السلام مقابل السلام.

ويقول في إطار اقتراح حلّ السلام كذلك:

ازرعْ ولو شجرة، وساهم _على الأقلّ_ بصنع

الحريق الكبير. ص166

"ازرعْ ولو شجرة، وساهم _على الأقلّ_ بصنع الحريق الكبير"... هذا أقصى ما يستطيعه الشاعر في خضم الحرب: طرح مبدأ السلام مقابل السلام

يتناوب كلٌّ من موضوعي الحبّ والحرب في الحضور في مجموعة فايز العبّاس، وهي المجموعة الشعرية الثانية له بعد مجموعته الأولى (فليكن موتي سعيداً)، فيجد القارئ نفسه أمام نصّ مُحمّل بلعنة الحرب، لتنقله الصفحة التالية إلى جنّة الحبّ، فالشاعر العبّاس يرتّب نصوصه بشكل عشوائيّ ليختلط هذان الموضوعان، وهو ما قد يشكّل إرباكاً في التذوّق، فلقصائد الحبّ في هذه المجموعة وقعٌ ثقيل بعض الشيء لا لأنها ليست على السويّة الفنّيّة المرتجاة، بل لأنّ الشاعر جمعها مع قصائد تنتمي إلى عوالم الحرب والقتل والدّمار واللجوء والفراق.

وبالطبع من حقّ الإنسان أن يعيش مشاعره الطبيعية حتى في أقسى الظروف، إلا إنّ موضوعي الحب والحرب هنا لا يحقّقان الانسجام الملموس في أعمال أدبيّة عالميّة جمعت بين هذين الموضوعين مثل رواية إرنست همنغوي (في الحبّ والحرب)، والكثير من الروايات والمسرحيات والقصائد التي جسّدت قوّة الارتباط بينهما.

إذن يستشعر القارئ تنافراً بين هذين الموضوعين وكأنّ قصائد الحبّ مقحمة ودخيلة على الرّغم من أنّها تشكّل نصف المجموعة تقريباً. فمن يقرأ قوله:

أحملكِ إلى الخلود: قالت الرّوح للرصاصة.

أحملكَ إلى العدم: قالت الرّصاصة للجسد. ص 125

تصيبه تلك الهزّة الشعوريّة المرتقبة، وتُثار بداخله أسئلة الحرب الإشكالية مثل سؤال الخلود والعدم، ويبتغي الاستزادة ليصطدم بقوله مثلاً:

ترفعين يديكِ إلى الأعلى

(كفّاكِ تستطيعان لمّ السماء).

ترفعين صوت ضحكتك إلى الأعلى

(يتساقط المطر على روحي. ص 179

ربّما لم يعد من مكان للتعبير عن مثل هذا الحبّ الورديّ في زمن المحن الجماعيّة، إلا إن الشاعر ينجح في إقناع القارئ باستحضار موضوع الحبّ حين يدمج مفرداته بمفردات الحرب في قصيدة واحدة كما في قوله:

تلتقطين في الصباح ملابسكِ المختلطة بملابسي

من الأرض

كما لو أنّكِ تُخلين أرض المعركة من الضحايا. ص 118

ويقول:

مثل شظية لا هدفَ لها سوى القتل

ترسلين ضحكتك. ص 129

ويقول كذلك:

الشوارعُ التي لم يتسنَّ لنا تهجيّها تئنّ من تناقص

الخطى

المقاعدُ التي لم نشغلها تئنُّ من البرد

الوجوهُ التي كانت ستتهامس بما يفوحُ منّا من

رائحة النشوة في الطرقات

تئنُّ من الحرّ والموت واللجوء

أنا أئنُّ وأنتِ..

حمّلي الهواءَ رغبتكِ

أحمّلُ الهواءَ اندفاعي، ليتساقط المطرُ على البلاد. ص 153

هذا هو الشّعر الذي يتعطّش قارئ زمن العبث لتذوّقه، فقد بات يجد كلّ ما يقع عليه سمعه أو نظره بديهيّاً وساذجاً، ولا يواكب تجربته العاتية في الحياة، لذا فإنّ الشاعر يجد نفسه أمام تحدٍّ هائل يمكن عنونته بكيفية إدهاش القارئ، لكن فايز العبّاس ينجح في تقديم إضافة على صعيد الدلالة حين يستحدث علاقات غير مألوفة بين المفردات، فإذا كانت المفردات محدودة فإنّ استخدامها غير محدود كما هو معروف، وهو أحد أهم الأسس التي يتمّ الاستناد إليها في تحديد مدى ما يحقّقه النصّ من إدهاش ومتعة.

ولمفردات الغابة والذئاب والصيد والمخالب حضورها المكثّف في المجموعة، ويتفاوت توظيف الشاعر العبّاس لها بين توظيف شعريّ مثل قوله:

حين تعلّمنا الصيد

كنّا نشحذ مخالب الحيوانات التي تسكننا

نطلق لها العنان كي نحتفي بالطرائد. ص 96

وتوظيف مألوف مثل قوله:

الذئاب تلتمع في اللّيل، تنظر إلينا، وتنتقي

فرائسها. ص 94

وما هذا الاستحضار المكثّف لمثل هذه المفردات إلا من وحي الراهن الذي يعيشه الشاعر كونه هذا السوري الذي غادر البلاد بعد اشتعالها لاجئاً إلى القارة العجوز مثل مئات آلاف السوريين.

يقول:

الثقب الذي أحدثه القنّاص في جبهتي يشبه جُحرَ

أفعى،

وهاهم يتحلّقون حول جثّتي متوجّسين من

خروجها المباغت! ص115

وهو ليس بالمشهد الفانتازي، بل هو هذا المجاز الذي يمنح الشّعر بعده الواقعي، فالعبّاس يعرض حقيقة أنّ كلّ قتيل في زمن الحرب هو محرّض على اشتعال الرّغبة في سفك المزيد من الدّماء، والتي يرمز لها بخروج الأفعى من جحرها، أفعى الحقد والرّغبة العمياء في الانتقام.

فحريٌّ بالشاعر الذي يقدّم نصوصاً على هذا المستوى من الشعريّة التي تواكب عدميّة العصر بجدارة، أن يُخرِجَ للنور مجموعة تتقّفى عمق المقولة التي تقدّمها دون الاكتراث بكمّ القصائد. من هنا، وإشفاقاً على جماليات قصيدة فايز العباس من التعرّض للتشويش، بالإمكان القول إنّه كان من الأجدر أن يغربل النصوص لتسقط منها تلك العالقة في خانة البداهة والمألوف، مكتفياً بالعبق المكثّف للنصوص التي ترتكز على مفارقة الشعرية الواقعيّة إن جازت التسمية، وما أكثر حضورها في المجموعة:

عندي قلبُ طفلٍ

كانت أمّه تقلّد الطائرة بملعقة الطعام

فيفتح فمه،

والآن كلّما اقتربت منه ملعقة أغلق أذنيه. ص124

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard