لنخترع العالم من جديد... ألعاب سورياليّة للكتابة والتسليّة في زمن الهلع

الأربعاء 18 مارس 202005:47 م

تينفي اللعب قواعد العالم العقلاني، ويؤسس لشكل جديد من العلاقات المستقلة عن تلك القائمة، الأهم، أن الاتفاق على قواعد اللعب وممارسته يعني تميّز "اللاعبين" عن أولئك المحكومين بالنظام العام، ما دفع السورياليين، ومنذ مطلع القرن العشرين، إلى إعادة النظر في تكوين التجربة الفنية، ومساءلة الكلمات والصور المحكومة بـ"المعنى"، ذاك السياسي والثقافي، ونفي الترتيب والتصنيف اللذين يؤديان إلى الانتماء للقواعد التقليدية التي مركزها المنطق والعقل والاستمرارية، والتي تكسب "المعنى" معناه، لتأتي التقنيات السوريالية كأسلوب لتوليد نصوص وصور تتحدى الخطاب المنطقي ومنتجاته "المتماسكة".

هنا بعض الاقتراحات المترجمة من "كتاب الألعاب السوريالية" التي جمعها وقدم لها الناشر، الستير بروتشي، عام 1995، والتي تبدو بداية ساذجة، لكن الالتزام بها يحرر الكتابة من تتابعها التقليدي ويتركها عرضة للصدفة، العشوائية، زلة القلم، الهلوسة والاندفاع الأعمى، وغيرها من "اللا علوم" و"اللا منهجيات" التي تُستثنى عادة وتتهم بالعقم وعدم القدرة على الإنتاج، لكنها حقيقة، قائمة على موقف شخصي وقبول بـ"قواعد اللعب"، دون التشكيك بها أو بنتائجها، بل التعامل معها بـ"جدية".


André Breton

سنتبع في هذا المقال اختيارنا للألعاب ذات المنهجية التي قسّم فيها الكتاب، دون ذكر الأمثلة المرفقة والألعاب البصرية، إذ سنختار فقط ألعاب الكتابة والنصوص، والتي تفترض أن الكلمات ليست إلا مجموعة من العلامات التي تكتسب معناها نتيجة العلاقات المسبقة بينها، وتأتي ألعاب اللغة كوسيلة لتفكيك هذه العلاقات واقتراح أخرى جديدة، وما يجعل الناتج "كتابة" تحاول التحرر ومساءلة تاريخ الكتابة وأشكالها الرسمية.

الأوتوماتيكية

هي أشهر التقنيات السوريالية، والتي تتلخص بأن نجلس وبيدنا ورقة وقلم، ونضع نفسنا في حالة عقلية قائمة على "الاستقبال"، ونكتب فوراً أول ما يخطر في بالنا من أفكار أو كلمات أو صور، دون طرح تساؤلات أو تقييد. وحين نشعر بأن تدفق الكلمات توقف، نترك مسافة، ونبدأ من جديد، والشرط الوحيد هو اعتماد حرف يبدأ به كل تدفق.

ألعاب السلاسل

هي مجموعة من الألعاب التي يمكن ممارستها بشكل جماعي، عبر خلق علاقات مضحكة أو غريبة أو شعرية بين الكلمات، ما يكشف عن أشكال جديدة ومعان غير مألوفة، القاعدة فيها أن تخفى الكلمات على أوراق مطوية ليفتح المجال أمام الاحتمالات.

"تحفيز الشكّ والبارانويا التي يمكن عبرها للفرد أن يستخف بشكل منهجي برؤيته المنطقية للعالم"... ألعاب سورياليّة للكتابة والتسليّة في زمن الهلع 

واحدة من هذه الألعاب تسمى "الشروط"، ويمكن أن يلعبها اثنان أو أكثر، وفيها مجموعتان من الأوراق المطوية، يكتب على الأولى جمل بصيغة "ماذا لو" أو " حين"، كأن نكتب "ماذا لو أن السجائر انتهت"، وعلى الثانية جمل بصيغة جواب الشرط كأن نكتب "سيجري الكلب بعيداً نحو حتفه"، ويتم الاختيار عشوائياً في كل مرة، ورقة من كل مجموعة لتشكل أمامنا الجملة، تكرار هذا الأمر عدة مرات، يجعلنا أمام قصيدة كل جزء منها يتألف من شرط وجوابه، ليصبح مطلع القصيدة:

"ماذا لو أن السجائر انتهت

سيجري الكلب بعيداً نحو حتفه".

نصوص التعليمات

يمكن القول إن هذه اللعبة من أمتع الألعاب، ويمكن للفرد أن يمارسها بمفرده، كونها تعيد النظر في تلك النصوص التي يستخف بها وترمى في القمامة، كأوراق الإرشادات والتعليمات التي تأتي مع أغراض المنزل والأدوات التي نشتريها، واللعبة هنا بسيطة، نستبدل اسم "المنتج" بكلمة نختارها، كأن نستبدل كلمة "السخان الكهربائي" بواحد من نصوص التعليمات بكلمة "الحب"، فتكون النتيجة مثلاً:

"يجب تغذية الحبّ بالتيار الكهربائي من دارة فرعية مستقلة، عن طريق مفتاح ثنائي القطب موصول بمصهرين بسعة مناسبة للتيار المقنن للحبّ، وذلك لتوفير مزيد من السلامة والأمان. ويجب أن يكون مصدر التغذية متصل بثلاثة موصلات، واحد من بينها يرتبط بطرف التأريض المركب في الحبّ لحماية مستخدمي السخان من أخطار الصدمة الكهربائية".

إعادة اختراع العالم

هذه الألعاب ترتبط بكفية إدراكنا لما حولنا، والتلاعب بالحدود بين ما هو "واقعي" و"متخيل"، هي أسلوب للرؤية والتأويل والإنتاج، يعاد عبرها التصنيف والتعريف الذي يحكم مكونات العالم، عبر استفزازها والبحث في مكوناتها أو نفي حقيقتها الظاهرية، كخلق أساطير جديدة وحكايات مبتدعة للعالم وكيفية اختراعه، هذه الألعاب تهاجم الدين والأخلاق والمنطق، وتعتمد على الحظ والكذب والمخيلة والخرافة، وأشهرها "منهج الشك النقدي"The paranoiac critical method الذي اخترعه سلفادور دالي، والذي يعتمد على إعادة تكوين أشكال العالم عبر الشك في مكوّناته، وحسب دالي يتم ذلك "عبر تحفيز الشكّ والبارانويا التي يمكن عبرها للفرد أن يستخف بشكل منهجي برؤيته المنطقية للعالم"، طبق دالي هذه المقاربة ضمن نشاطه الفني منذ الثلاثينيات، فكل غرض يمكن أن يمتلك عدة أشكال، ولا يمكن بدقة تحديد صيغة نهائية لما يمثله، أشبه بالنظر إلى غيمة، في كل مرة ننظر فيها إليها يمكنها أن تأخذ شكلاً مختلفاً، هي دعوة للتشكيك بالذات وبمكوناتها الواعية.

المعماري الهولندي ريم كولهاس، وصف هذه التقنيّة التي "يتحلل" عبرها الواقع باستخدام هذا المجاز:

"يختفي تدريجياً الأصبع الأكبر من قدم تمثال أحد القديسين إثر قبلات مريديه المتفانين المتتالية، وإصبع قدم الواقع يتلاشى ببطء إثر قبلات البشر المتتالية، كلما ازدادت كثافة الحضارة ازداد تسارع التقبيل، وازدادت سرعة عملية تحلل واقع الطبيعة والأعمال الفنيّة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard