العميدة عزيزة العياضي... حكايات عن عالم الإنشاد الديني النسائي

الثلاثاء 17 مارس 202004:58 م

طفلة عمرها سبع سنوات، نشأت في رحاب منزل ريفي في قرية "البجلات" التابعة لمدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، شمال شرق الدلتا في مصر، تتردَّد بين جدرانه عبارات الذكر، والتسبيح، والصلاة على النبي.

هذا العالم الساحر من التواشيح، والابتهالات الدينية المُصاحَب دائماً بصوت ملائكي رخيم، كان قادراً على خطف قلب وأذن الطفلة الصغيرة لتتعلّق به، تحترفه وتصبح بعد سنوات المُنشدة الحاجة عزيزة العياضي، أو "عميدة الإنشاد الديني" كما يلقبها مريدوها، في بلدها المنصورة، ومحافظات مصرية أخرى، التي تحيي فيها ليالي الأعراس والموالد .


طفولة حضرات الذكر والتوحيد

تحكي الحاجة عزيزة (54 عاماً) في مقابلتها لرصيف22، عن الأجواء التي تربت فيها بالصغر: "والدي الشيخ سعيد العياضي، كان مربياً فاضلاً، ودرويشاً صوفياً يفتح بيته لله، ولكل غريب يحتاج لمأوى، يُقيم حضرات الذكر والتوحيد، وكنت ابنة وحيدة لأربعة أشقاء، سُمح لي لصغر سني بالجلوس في الحضرات مع الرجال والاستماع للإنشاد الديني".

تُكمل عزيزة: "جذبني هذا العالم المليء بالنغم والمديح النبوي الجميل، وكنت أنصت جيداً لكل كلمة يرددها الشيوخ في حلقات الذكر والإنشاد، وأقوم باسترجاعها ليلاً، والتدرّب عليها بمفردي قبل النوم، بل والارتجال عليها، حتى حضر الشيخ ربيع ليُحيي أحد ليالي الذكر في بيتنا، لفت نظره هذه الطفلة الشغوفة والتي تُردّد خلفه ما يقول، حتى طلب مني الوقوف بجانبه على هذه الخشبة العالية المسماة المسرح، ومن تلك اللحظة بدأت حكايتي مع الإنشاد الديني".

"بعد الزواج الغناء ممنوع"

كبرت عزيزة وزاد تعلّقها بالمديح والإنشاد، ولكن كعادة أهل الريف، تزوجت الفتاة في سن مبكرة (17 عاماً)، تقول عن هذه المرحلة من حياتها: "بعد الزواج كان الغناء ممنوعاً، وانعزلت عن هذا الفن لسنوات وانشغلت بإنجاب الأبناء وتربيتهم، ولكن علاقتي بالغناء لم تتوقف، كانت الدندنة ومدح الحبيب مستمرة معي في كل وقت، في المطبخ، في البيت مع تربية أطفالي، حتى صدفة زيارتي مع أخوتي لمولد إبراهيم الدسوقي بكفر الشيخ، سمعني أحد المنظمين لاحتفالات المولد أثناء جلوسي وغنائي مع مجموعة من النساء، وفوجئت به يطلب صعودي على خشبة المسرح الرئيسية بالمولد مشيداً بصوتي، ترددت خوفاً من إخوتي آنذاك، ولكن الرجل كان مُقنعاً وذكياً حتى وافقوا لي بالغناء على المسرح".

"فوجئت بصعود شاب مخمور على خشبة المسرح، يقترب مني صارخاً: بتقولي كلام زي الفل لكن عايزين نسمع حاجة نرقص عليها"

تصمت الحاجة عزيزة للحظات، لتُكمل وعيونها تلمع: "عندما وقفت كنت أرتجف من الخوف، حتى بدأت في الصلاة على الحبيب مُغمضة العين لتفادي منظر الجموع بالمولد، وانطلقت لمدة ساعتين متواصلتين، كنت طايرة في عالم تاني مع ربنا، شعرت أن روحي عادت لي من جديد، وأدركت آنذاك أن موهبتي منحة إلهية سخرني لها لرسالة واضحة، وهي المدح والموعظة من خلال القصص الدينية، ولم أتخل عن هذه الرسالة حتى اليوم".

حكاية العميدة.. لقب النمبر (1)

ذاع صيت الحاجة عزيزة من مولد لآخر ومن إحيائها للأفراح، لتبدأ مشوارها الاحترافي في عالم الإنشاد، لتنضم لعدة فرق متخصصة في الحفاظ على التراث الشعبي والديني تابعة لوزارة الثقافة المصرية، حتى لقبت بـ"العميدة" والتي تعني "نمبر وان".

تستطرد "العميدة": "بعد عملي لمدة خمس سنوات بفرقة المنصورة، انتقلت لفرقة علي مبارك للسيرة والموال والآلات الشعبية بالمنصورة أيضاً عام 2003، والتي أتاحت لي فرصة السفر معها لتقديم عروض المديح والفن الشعبي بكل محافظات مصر".

"أول أجر كان 10 جنيهات، كأجرة مواصلات الطريق"، تتذكر الحاجة عزيزة أول أجر حصلت عليه لإحيائها احتفالية في فرح في أحد قرى الوجه البحري، معربة عن سعادتها الغامرة عندما تقف على مسارح موالد الحسين، السيدة زينب، إبراهيم الدسوقي، السيد البدوي في طنطا.

يبدو من كلامنا مع الحاجة عزيزة أن عشقها لفنها كمنشدة، كان دافعاً قوياً لتواجه تحديات عالم الإنشاد الديني الذي يُسيطر عليه الرجال، تقول: "المجال كان في بدايته صعباً، خاصة على امرأة بمفردها، وأن تفتح لها طريقاً ومكاناً وسط عالم الإنشاد والمداحين الرجال، وأن تصبح اسماً مطلوباً في إحياء الموالد والأفراح، قضيت فترة باغني في الهواء، لم يكن هناك أحد يوجهني أو يدعمني بشكل صحيح، علمت نفسي بنفسي، رغم عدم معرفتي القراءة والكتابة إلا أنني اعتمدت على ابنتي الكبري لتُساعدني في حفظ قصص السيرة والموال".

"كنت أتمنى يكون عندي تسجيلات بصوتي من مديح وغناء للتراث الشعبي الديني لمشوار عمره 25 سنة، ولكن لم يهتم أحد، ربما لكوني امرأة، كنت زي اللي بتغني مع نفسها وأخاف الناس تلوم عليا"، بحزن تقول الحاجة عزيزة.

"لكوني امرأة، كنت زي اللي بتغني مع نفسها وأخاف الناس تلوم عليا".

وبسؤالها عن دور الأسرة في حياتها، وهل كانت داعمة لها في مشوارها الفني، تقول الحاجة عزيزة: "بعد وفاة أبي رفض أشقائي إنشادي في الموالد، بل منعوني في أحد المرات من الصعود على المسرح، ولكن بعد زواجي، كان زوجي متفهماً، وداعماً لمهنتي، فكان يؤمن أن الإنشاد الديني والمديح رسالة روحانية، وكان يتولى رعاية الأبناء أثناء سفري لإحياء الليالي المختلفة بالموالد".

الساحة تعاني من قلة المنشدات

ولكن هل تغيرت النظرة للمنشدة المرأة؟ تقول العياضي: "إلى حد كبير، لم تعد النظرة سلبية مثل الماضي، الآن أشقائي وأبناؤهم فخورون بما أقدمه، أسمع هذه العبارات من العائلات في الأفراح والموالد، يأملون أن تسلك بناتهن طريق الإنشاد والمديح النبوي".

وعلى الرغم من دعم المجتمع الآن للمرأة المنشدة، إلا أن الحاجة عزيزة تخشى من غياب التواجد النسائي حالياً، مشيرة إلى قلة عدد المنشدات على الساحة مقارنة بالتواجد الرجالي، وعدم وجود أصوات نسائية جديدة.

وتعوّل الحاجة عزيزة على دور الدولة في اهتمامها بالفرق الشعبية بالأقاليم، والسعي لاكتشاف أصوات جديدة من النساء، سواء في الإنشاد الديني، الموَّال أو الغناء الفلكلوري الشعبي، كاشفة عن مخاوفها على مستقبل فرقة علي مبارك للآلات والفنون الشعبية، مع ضعف أجور الفنانين، قائلة: "نتمسك بالفرقة لإدراكنا لدورنا في الحفاظ على التراث، ولكن أين الأجيال الجديدة التي نسلمها الراية؟".

"المنافسة شرسة لكوني امرأة"

رغم سيطرة الدي جي لسنوات طويلة على معظم المناسبات الاجتماعية وعلى رأسها الأفراح، إلا أن الحاجة عزيزة تعبر عن سعادتها لعودة ظاهرة الإنشاد الديني بقوة في الأفراح مجدداً، وخاصة في قرى ونجوع محافظات الوجه البحري والقبلي، تقول: "الناس زهقت من المزيكا الصاخبة وأغاني المهرجانات ورقص الغوازي، ورجعت لعاداتها وتقاليدها الأصيلة في مباركة الفرح بصوت المنشدين والمداحين".

"مجال الإنشاد الديني صعب على امرأة بمفردها، واجهت منافسة شرسة، فبعض المنشدين كانوا يُحرِّضون أصحاب الأفراح ضدي، مُستخدمين نغمة: ياراجل عيب تجيب واحدة ست تغني وأنا موجود"

هل المنافسة أصعب على المرأة في مجال الإنشاد عن الرجل؟

ترد عزيزة: "طبعاً، لإن الست مش خطوتها واسعة زي الراجل!" تُفسّر: "واجهت منافسة شرسة لكوني امرأة، فبعض الشيوخ المنشدين كانوا يحرضون أصحاب الأفراح ضدي، مُستخدمين نغمة: ياراجل عيب تجيب واحدة ست تغني وأنا موجود، بل كانوا يخفضون من أجرهم عمداً من أجل الحصول على أفراح وليالي تعاقدت عليها، لولا أمانة أصحاب الأفراح وحفاظهم على كلمتهم معي، فالبعض قال لي: نحن متمسكين بحضورك حتى لو هتقفي على المسرح من غير ماتقولي حاجة".

"الأجور متساوية للمنشد/ة، تختلف فقط بحجم الشهرة والخبرة والشطارة لكل منشد، أحياناً أطلب أجر الفرقة وبنزين العربية فقط، وأحصل على أجري من عند الله، وليالي كثيرة أوهبها من أجل صحتي ولسلامة أولادي"، ترد الحاجة عزيزة حول طبيعة الأجور.

التحرش الجنسي بالمنشدات

وبسؤالها عما إذا تعرضت لتحرش لفظي جنسي كامرأة تتواجد في تجمعات ضخمة من موالد وأفراح، تقول عزيزة:" واجهت في أحد الأفراح مؤخراً أثناء غنائي بموال شعبي، تقول كلماته: "شُرب الخمور والكيف وترك الفرض بقا موضه، وزين الشباب انحرف وشرب البانجو بقا موضه، ولبس القصير وقص الشعر على الموضة، وبنت صبحت ياناس بتعاكس الشبان، والجسم أهو بان وبيقولوا عليه موضه"، ففوجئت بصعود شاب مخمور على خشبة المسرح، يقترب مني صارخاً: بتقولي كلام زي الفل لكن عايزين نسمع حاجة نرقص عليها، ولكن تم احتواء الموقف سريعاً من أصحاب الفرح".


وعن أسباب انتشار ظاهرة حضور بعض الشباب لحفلات الإنشاد الصوفي والموالد الدينية خلال السنوات الأخيرة، تفسّر: "آذانهم تعبت من الخبط والرزع الموجود في أغاني المهرجانات، دماغهم وجعتهم من الهيصة، لكن المديح والذكر كله هدوء وروحانيات، وليس رقص وتنطيط على الفاضي".

وحول رأيها في الغناء الشعبي، تقول: "هو فين الغناء الشعبي؟! زمان الموال كان يقول حكمة وموعظة، لكن ما نسمعه الآن إسفاف وكلام مبتذل مليء بالإيحاءات الجنسية"، تضحك الحاجة عزيزة قائلة: "أُفضل تسميته الغناء الحناطيري وليس الشعبي"نسبة لأغنية أركب الحنطور للمغنية الشعبية أمينة" الغناء الشعبي الحقيقي كان له أساتذته مثل: الست خضره، محمد خضر، فاطمة سرحان، جمالات شيحه وفاطمة عيد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard