"أمرك يا سيدي"... ماذا عن المعادلة القائمة بين حماس والاستخبارات المصرية؟

الأحد 15 مارس 202002:04 م

فرض عام 2007 على قطاع غزة معادلة جديدة على المستويات السياسية والأمنية والحياتية، بعد سيطرة حركة حماس على القطاع، وتعزيز إسرائيل لحصارها الذي كان قد بدأ مع فوز الحركة في الانتخابات التشريعية قبل ذلك بعام.

رافق هذا الواقع حصول المقاطعة مع مصر عام 2008 بالتزامن مع قيام قوات حماس بهدم جزء من الجدار الحدودي بين غزة ومصر، ولاحقاً حين بلغت حماسة الحركة أشدها مع فوز مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي.

بعد انتهاء ولاية الأخير، باتت حماس تدرك حقيقة العزلة السياسية التي دخلت فيها، وأصبحت مقتنعة بإجراء تعديلات في العلاقة مع السلطات المصرية، فكان لا بد من الخضوع لشروط جديدة من أجل تحصيل بعض المكتسبات.

هكذا حضر جهاز الاستخبارات المصرية في المعادلة السياسية، كون الجهاز هو المسؤول المباشر عن ملف قطاع غزة، باعتباره ملفاً أمنياً، وبات يلعب دوراً بارزاً في فرض شروطه على الحركة، ومنها ضبط النفس في مقابل استمرار تدفق البضائع وفتح معبر رفح البري.

صعود السيسي أسقط أحلام حماس

بعدما استطاع الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي إسقاط الحكم الإخواني وتولي الرئاسة عام 2014، وجدت حماس نفسها أمام نظام مصري جديد.

قبل ذلك، كان ملف المصالحة الفلسطينية قد مرّ بمراحل عدة، أحدها إبرام اتفاق برعاية مصرية في أيلول/ سبمبتر 2009 تلاه اتفاق أيار/ مايو 2011، ومع تولي السيسي زمام الحكم عاد الملف ليتفاعل مجدداً بعد تكليف جهاز الاستخبارات المصرية بمتابعة الملف، فتم عقد اتفاق الشاطئ في نيسان/ أبريل عام 2014، وكان ذلك الحضور الرسمي الأول للاستخبارات في قطاع غزة.

وعن ذلك اللقاء، يقول عضو المجلس المركزي الفلسطيني محمود الزق الذي حضر كافة لقاءات المصالحة أن الجهود المصرية كانت تأتي ضمن الوسيط بين الطرفين وليس المنفّذ، أي لا تملك قوة القرار في الضغط على أطراف الانقسام، ما جعل من كافة الاتفاقات غير فاعلة وترك المجال أمام حماس في مجريات المصالحة.

التدخل الاستخباراتي 

تسبّبت الحروب الثلاثة التي نفذتها الحكومات الإسرائيلية على قطاع غزة، خلال أعوام 2008 و2012 و2014، بحالة من التوتر والانهيار، إذ دُمّرت قرابة 25% من مساحة غزة خلال حرب 2014 التي استمرت 51 يوماً، وانتهت بعقد اتفاق هدنة بين الفصائل الفلسطينية - على رأسها حركة حماس - مع إسرائيل برعاية مصرية.

من جهة أخرى، حصل اتفاق على إنهاء كافة الأنفاق المقامة من قبل غزة وممتدة إلى داخل الأراضي المصرية، ما دفع لوجود فعلي لجهاز الاستخبارات المصرية في غزة والعمل على فرض معادلات أمنية تحكم طبيعة الأوضاع مع الاحتلال الإسرائيلي تحت بند حفظ الأمن القومي، حسب قول الزق.

ويوضح الزق أن حلقة التواصل بين الاستخبارات وحماس تأتي في إطار المباحثات الأمنية، والتي تنقسم لقسمين، أولهما تجنيب قطاع غزة الحرب وذلك ضمن تفاهمات التهدئة مع الجانب الإسرائيلي، بما يخدم الأمن المصري، إضافة إلى تأمين الحدود شمال سيناء مع غزة.

ويقول عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين طلال أبو ظريفة إن الحروب الإسرائيلية على غزة دفعت حركة حماس إلى إعادة النظر في العديد من سياساتها الخارجية، وأهمها التدخل في شؤون الدول العربية، وذلك بعد خسارتها العلاقة مع سوريا وتوترها مع طهران، ووضع العلاقة مع مصر على المحك.

يضيف أبو ظريفة شارحاً أن حماس ارتكبت أخطاء عدة مع الحكومة المصرية ما جعل العلاقات التي تربط مصر وغزة قيد الدراسة لدى القيادة المصرية، وأدى لاستمرار إغلاق معبر رفح من قبل الجانب المصري، جاعلاً من حماس أكثر خضوعاً للشروط المصرية وأهمها ضبط حدود شمال سيناء، حيث طُلب من الحركة في اللقاءات التي أتت ضمن حوارات المصالحة الفلسطينية الالتزام بمنع تسلل جماعات متطرفة لسيناء.

"تلعب الاستخبارات المصرية دوراً ملموساً في ملف التهدئة القائمة بين حماس والجهاد الإسلامي من جهة والجانب الإسرائيلي من جهة أخرى، حيث يحاول الجهاز فرض قواعد ثابتة للتهدئة"... لماذا أصبحت حماس أكثر تعاوناً مع الاستخبارات المصرية؟ 

ويرى المحلل السياسي جهاد حرب أن الاستخبارات المصرية تلعب دوراً محورياً في تخفيف التوتر وتلعب دور حلقة وصل بين حماس وإسرائيل، خاصة في ظل التوترات الحاصلة على الحدود عند تصاعد الأحداث.

"بالتأكيد لا أعتقد أن مصر ستكون سعيدة جراء حدوث حرب في غزة، فأي هجرة فلسطينية تجاه سيناء قد تشكل مخاطر تهدد الاأن القومي المصري"، يقول حرب.

التهدئة ودور الاستخبارات

تلعب الاستخبارات المصرية دوراً ملموساً في ملف التهدئة القائمة بين حماس والجهاد الإسلامي من جهة والجانب الإسرائيلي من جهة أخرى، حيث يحاول الجهاز فرض قواعد ثابتة للتهدئة، وضمنها الضغط لعدم إطلاق الصواريخ كما حصل في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بعد اغتيال القيادي في سرايا القدس بهاء أبو العطا، حيث ظهر أن مصر استطاعت احتواء المشهد وقتها.

وفي هذا السياق، يشير أبو ظريفة إلى أن الاستخبارات المصرية باتت تلعب دوراً كبيراً في معادلة ضبط النفس في غزة، وتملك أوراق قوة تتلاعب بها، ما يجعل من حركة حماس والجهاد الإسلامي أكثر التزاماً بإملاءاتها.

حماس تشعر بالقلق

بعد مرور 11 عاماً على الحضور المصري في ملف المصالحة الفلسطينية، ومنذ الحضور الأول للاستخبارات المصرية عام 2017، تقوم القوات المصرية ببناء جدار خرساني بارتفاع ستة أمتار فوق سطح الأرض وخمسة أمتار تحت الأرض لمنع حفر الأنفاق ومنع عمليات تسلل المسلحين من غزة لسيناء بالتزامن مع الحملة العسكرية ضد الإرهاب والتي انطلقت في شباط/ فبراير 2018.

وكانت القناة السابعة الإسرائيلية أول من كشفت عن الجدار الذي تشيّده مصر على الحدود مع القطاع في النقطة الحدودية بين معبر كرم أبو سالم ومعبر رفح البحري على امتداد كيلومترين.

"حماس لم تتحلَّ بقرار فعلي على الحدود مع مصر بل هو أكثر على قاعدة ′أمرك يا سيدي′، وذلك بعد تعلم الحركة من الأخطاء السابقة في السياسات مع الدول، إذ تدرك جيداً أنها دون مصر لا تستطيع تسهيل مهامها في غزة"، يقول مسؤول قيادي في الحركة 

وبحسب المشهد القائم الذي تسوده علاقات متوترة، كشف قيادي من حماس، رفض ذكر اسمه، أن الحركة لم تتحلَّ بقرار فعلي على الحدود مع مصر بل هو أكثر على قاعدة "أمرك يا سيدي"، وذلك بعد تعلم الحركة من الأخطاء السابقة في السياسات مع الدول، إذ تدرك الحركة جيداً أنها دون مصر لا تستطيع تسهيل مهامها في غزة.

ويلفت المصدر القيادي، في حديثه لرصيف 22، أن العلاقة تمر في توتر مقلق يجعل من قيادة الحركة تخضع لكافة قرارات مصر وخطواتها في العلاقة مع غزة، ولا تمتلك القوة في تجاوز أو تجاهل أي قرار يُملى عليها، لعدم تواجد أي منفذ لديها إلى الخارج.

الجدار... قبضة لإغلاق غزة

رغم أن حكاية الجدار الخرساني الذي زادت السلطات المصرية وتيرة بنائه على الحدود مع قطاع غزة، خلال الشهر الماضي، ليست جديدة باعتبارها بدأت قبل عامين، إلا أن مسارعة البناء في هذا التوقيت أثارت تساؤلات حول سياقاته وما إذا كان يندرج في سياق إحكام التضييق على علاقات حركة حماس بإيران.

يُرجع حرب النقاش إلى أن الجدار الفاصل أمر قائم منذ عام 2013، وقضية إعادة النظر في الحدود المصرية الفلسطينية حاضر منذ أعوام، ومنع تهريب الأشخاص والبضائع من وإلى غزة هو مسؤولية مصرية بنظر الحكومة المصرية ضمن مخطط محاربة الإرهاب وحفظ الأمن القومي.

ولذلك، يرى أن الجدار بفكرته الأمريكية الإسرائيلية يندرج في سياق كونه جزءاً من منظومة أمنية إقليمية ودولية، ويتعلق باستحقاقات الدور الأمني المصري، ومنع تمدد علاقات حماس مع الخارج لا سيما إيران.

ويكشف المصدر القيادي في حماس أن الزيارات الأخيرة لأعضاء من الاستخبارات المصرية لقطاع غزة، أتت ضمن جولات أمنية لكشف الحدود من قبل الجانب الفلسطيني، وطلب من قيادة الحركة وضع كشافات وكاميرات محاذية للحدود، وإنشاء 7 أبراج مراقبة، وتمّ قبول الأمر.

ويختم بأن العلاقة القائمة تسير ضمن المجاملات الشكلية بين الطرفين، بينما تحرص الحركة على عدم الخروج عن طوع مصر للحفاظ على قوة وجودها في غزة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard