ضرب الأكواع والسلام بالأقدام... كيف غيّر فيروس كورونا قواعد المصافحة حول العالم؟

الجمعة 13 مارس 202006:23 م

"لا تقترب مني. لا تلمسني. لا تصافحني. لا تعانقني. لا تقبلني"، هذه "اللاءات" باتت تتردد مؤخراً على ألسنة الناس في الطرقات والأماكن العامة، والسبب ليس انتشار البغض والكراهية بين البشر، بل حالة الهلع التي تصيب الناس يوماً بعد يوم، بعد تفشي وباء فيروس الكورونا في العالم، والأرقام المتصاعدة التي يحصدها من موتى ومصابين.

ومع انتشار فيروس الكورونا الذي ينتقل بسهولة بين البشر، بات كثير من الناس يعيدون النظر في كيفية إلقاء التحية والسلام.

من الامتناع عن تبادل القبلات، التوقف عن السلام بالأيدي، الاستعاضة بضرب الأكواع والسلام بالأقدام، أو حتى استلهام طرق هندية لإلقاء التحية عن بعد، أدخل فيروس كورونا سلوكيات جديدة إلى المجتمعات المختلفة للوقاية من انتقاله من شخص إلى آخر.

فيروس العزل

يحتاج فيروس كورونا خمسة أيام في المتوسط لتظهر أعراضه، التي تبدأ بحمى مصحوبة بسعال جاف، وبعد نحو أسبوع يشعر المصاب بضيق في التنفس، ويمكن أن يسبب فيروس كورونا، في حالات الإصابة الشديدة، الالتهاب الرئوي، متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد، قصور وظائف عدد من أعضاء الجسم وحتى الوفاة.

بحسب منظمة الصحة العالمية، تستمر فترة حضانة الفيروس لحوالي 14 يوماً، لكن بعض الباحثين يقولون إن هذه الفترة قد تستمر حتى 24 يوماً.

وينصح الباحثون الأشخاص الذين يمكن أن ينقلوا العدوى، سواء كانت لديهم أعراض أو لا، بعزل أنفسهم لمدة 14 يوماً على الأقل لتجنب انتشار الفيروس إلى الآخرين.

من الامتناع عن تبادل القبلات، التوقف عن السلام بالأيدي، الاستعاضة بضرب الأكواع والسلام بالأقدام، أو حتى استلهام طرق هندية لإلقاء التحية عن بعد، أدخل فيروس كورونا سلوكيات جديدة إلى المجتمعات المختلفة للوقاية من انتقاله من شخص إلى آخر

وتوصي منظمة الصحة العالمية ببعض التدابير الوقائية لتجنب انتشار فيروس الكورونا، والتي تشمل غسل اليدين بالماء والصابون باستمرار، تغطية الفم والأنف عند السعال أو العطس، البقاء على مسافة متر على الأقل مع شخص آخر يسعل أو يعطس وتجنب لمس العينين والأنف والفم.

هذا وقد شلّ فيروس كورونا الحياة في عدة دول في العالم، بحيث تم إغلاق المدارس والمؤسسات، بالإضافة إلى إلغاء العديد من الرحلات والأحداث الرياضية، في محاولة من حكومات الدول للسيطرة على تفشي الفيروس، الذي صنفته منظمة الصحة العالمية مؤخراً أنه بات "جائحة" أي وباء عالمياً.

التحية في زمن كورونا

غيّر فيروس كورونا طرق التفاعل الاجتماعي بين البشر، بحيث أن المصافحة والقبلات والعناق، المتجذرة في ثقافتنا، لم تعد موضع ترحيب كما كانت عليه في السابق.

وفي هذا السياق، قالت مديرة التعليم الطبي في جامعة أنغليا روسكين البريطانية، نيكي ميلنر، لصحيفة الغارديان البريطانية: "العلم يقول إن المصافحة مثيرة للاشمئزاز، فقد أشارت الأبحاث إلى أننا نحمل في المتوسط 3200 نوع من البكتيريا في أيدينا"، مشيرة إلى أننا نتصافح بمعدل 15000 مرة في حياتنا.

وعليه، ظهرت في الآونة الأخيرة أساليب جديدة للتحية بين الناس، بحيث قررت بعض البلدان التخلي مؤقتاً عن عاداتها الثقافية، فقد دعت الإمارات العربية المتحدة في 31 يناير 2020، إلى التوقف عن السلام بالتخشيم، وهي طريقة تقليدية يتبعها الرجال في شبه الجزيرة العربية لإلقاء التحية على بعضهم البعض.

المصافحة مثيرة للاشمئزاز، فقد أشارت الأبحاث إلى أننا نحمل في المتوسط 3200 نوع من البكتيريا في أيدينا

في مصر، اجتاحت نصيحة الإعلامية المصرية رضوى الشربيني للوقاية من فيروس كورونا موقع تويتر، إذ غرّدت الشربيني: "شعارنا الجديد: مش هنسلم.. مش هنبوس.. مش هننشر الفيروس"، في إشارة إلى العبارة المشهورة "مش هنسلم مش هنبيع مش هنوافق ع التطبيع"، التي يرددها النجم المصري عادل إمام في فيلم "السفارة في العمارة".


وجاءت تدوينة الشربيني للسخرية من تحذيرات وزارة الصحة المصرية من التقبيل والأحضان عند السلام بين المواطنين، تجنباً للعدوى بفيروس كورونا.

أما في إيران، حيث يتفشى مرض الكورونا بشكل كبير بين السكان، فقد ظهر شعار "لن أصافحك لأنني أحبك" في كل مكان، كما وانتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر رجالاً يسلمون على بعضهم البعض بواسطة الأرجل بدلاً من التقبيل، لتجنب نقل الفيروس، كما طلبت السلطات من المواطنين عدم تقبيل الأضرحة الدينية، إلا أن بعض المصلين قرروا تجاهل هذه التحذيرات.

وفي أجزاء كبيرة من أوروبا، من الشائع أن يستقبل الناس بعضهم بعضاً بقبلة على الخد، فقد اعتاد الفرنسيون تقبيل الشخص عند التحية مرتين أو ثلاث مرات، إلا أن وزارة الصحة أوصت بتقليل الاتصالات الاجتماعية ذات الطبيعة الجسدية، هذا ينطبق أيضاً على التقبيل، وقد حذر وزير الصحة الفرنسي أوليفير فيران، أن وباء كورونا انتقل إلى مرحلة ثانية: "ينتشر الفيروس على أراضينا وعلينا كبح انتشاره" ، وكذلك صرح وزير الصحة السويسري، آلان بيرسيت، بأنه ينبغي على السويسريين التفكير في إلغاء التحية اليومية لتقبيل بعضهم البعض على الخدين، لتجنب انتشار فيروس كورونا الجديد، قائلاً: "نحن نعرف أن الحفاظ على مسافة الفرد اجتماعياً هو أفضل طريقة لإبطاء انتشار الفيروس. هذا هو السبب في أن التخلي عن تقبيل التحية هو إجراء يجب أخذه في الاعتبار بشكل جدي"، كما نقلت وكالة رويترز.

تنتشر عادة المصافحة والتقبيل في جميع أنحاء آسيا، بما في ذلك إندونيسيا، رابع أكثر دول العالم سكاناً، من هنا توصي السلطات الإندونيسية باعتماد أسلوب ناماستي بدلاً من السلام باليد، كما تقوم سنغافورة المجاورة، بتوزيع منشورات تشجع من خلالها الناس على التلويح والسلام عبر الكوع، واعتماد أسلوب نامستي لمواجهة فيروس الكورونا.

في العاصمة الصينية بكين، تطلب اللوحات الإعلانية الحمراء المعلقة في الشوارع من الناس عدم المصافحة باليد، وتقترح عليهم اللجوء إلى التحية التايلاندية التي يتم فيها ضم اليدين معاً والانحناء.

بالإضافة إلى ذلك، ابتكر عدد من الصينيين طريقة جديدة للمصافحة أطلقوا عليها اسم "تحية ووهان"، في إشارة إلى مدينة ووهان الصينية، حيث تتم المصافحة بالأقدام بدلاً من الأيدي.

كسر البروتوكول

في الواقع، إن ظهور وانتشار وباء كورونا لم يبعث القلق فقط في نفوس عامة الناس، بل أثر أيضاً على كيفية تفاعل كبار القادة السياسيين، وكسر جميع البروتوكلات.

عندما مدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يدها إلى وزير الداخلية هورست زيهوفر، رفض هذا الأخير مصافحتها ولوح لها من بعيد، الأمر الذي أثار موجة من الضحك في القاعة، إلا أن ميركل تفهمت الموقف المحرج ورفعت يديها على الفور، وقالت: "هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله".

واستقبل وزراء الصحة الأوروبيون بعضهم بعضاً بتحية الكوع، أو وضع أيديهم على قلبهم بدلاً من المصافحة التقليدية، في ظل المخاوف من ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا في جميع أنحاء القارة.

إن ظهور وانتشار وباء كورونا لم يبعث القلق فقط في نفوس عامة الناس، بل أثر أيضاً على كيفية تفاعل كبار القادة السياسيين، وكسر جميع البروتوكلات

وفي التفاصيل، فقد اتخذ وزراء من كرواتيا وفرنسا واليونان وقبرص الاحتياطات برفع كوعهم بدلاً من المصافحة التقليدية، في اجتماع طارئ في بروكسل، لمحاولة احتواء الأزمة المتصاعدة، وأظهرت صورة التي نقلتها وكالة أسوشييتد برس لوزير الصحة الكرواتي فيلي بروس، وهو يقوم بالسلام بالكوع مع نظيره الفرنسي أوليفييه فيران،كما اختارت ستيلا كيرياكيدس، المفوضة الأوروبية للصحة والسلامة الغذائية التسليم بوضع يدها أعلى قلبها، للترحيب بوزير الصحة الألماني ينز شبان، قبل الاجتماع ذاته.

وفي السياق نفسه، تداول ناشطون عمانيون صورة لوزير الصحة العماني أحمد السعيدي، وهو يصافح المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، الدكتور أحمد المنظري، بكوع اليد، وذلك في إطار الخطوات الاحترازية لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد.

من جهتها، نشرت مديرة الأوبئة في منظمة الصحة العالمية الدكتورة سيلفي برياند، على تويتر، مجموعة من التحيات التي قد تغني عن المصافحة، مستوحاة من ثقافات موجودة بالفعل.

ومن ضمن تحيات السلام والوداع التي حثت عليها برياند، هز المرفقين أو التلويح بالأيدي، والتصادم بالأكواع أو حركة "واي" التايلندية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard