تشي غيفارا كان هنا والعندليب الأسمر... مقهى طانطُنفيل العريق في الجزائر

الجمعة 13 مارس 202004:35 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ الذي أُطلق منذ شهر مارس/أذار 2020, في قسم "رود تريب" بـرصيف22، والمعنوَن: "داوِ الهمومَ بقهوةٍ سوداءِ... المقاهي العربية".


في عام 1839، أسس الأخوان جول وبروسبر تورتيل أول مصنع للجعة بمنطقة "طانطُنفيل" التي تتبع إقليم "ميروث" و"موزيل" الفرنسي، وبعدها بحوالي 31 سنة كاملة، أي عام 1870، وتوسيعاً لنشاطهما خلف البحار، أسّسا في المستعمرة الفرنسية مقهى الجزائر الكبير، "طانطنفيل"، بساحة بور سعيد (بريسون سابقاً)، بمحاذاة المسرح الوطني "محي الدين بشطارزي".

ومنذ ذلك الوقت وإلى غاية اليوم، لا يزال هذا المقهى يحافظ على نشاطه المعتاد، وأكثر من ذلك يحمل نفس التسمية الكولونيالية التي كان يحملها، أي "طانطنفيل". وكأنّ هذا الفضاء الخدماتي الذي انتقلت ملكيته من يد فرنسية أثناء الاحتلال، إلى يد جزائرية بعد الاستقلال، عقد عملية صلح بين الفترتين، واستطاع أن يتجاوز معضلة الماضي وترسّباته، ويرسم لنفسه طريقاً مزيّناً بالتسامح والمصالحة بين متضادّين، وهو الأمر الذي لم تقدر عليه أجيال من السياسيين من الجهتين، ما زالوا يحكمون على الحاضر استناداً على الماضي، يرسمون رؤى للمستقبل، وهم مقيدون بأغلال التاريخ وعقده المتنوعة التي بقيت العديد من معطياتها عصيّة على الحلّ ومجهولة إلى اليوم.

قبلة الفنانين على مرّ التاريخ

130 سنة هو عمر هذا المقهى، وبعد سنتين من الآن، أي في 2022 سيعادل عمره الفترة الزمنية التي بقيت فيها فرنسا محتلة للجزائر، أي 132 سنة كاملة، وكأنّ هذه التداخلات في الأرقام والمحطات والمجايلة والأحداث والحرب تستظل كلها تحت شجرة الذاكرة التي لا تختار من يجلس تحتها، لا تنهر ولا تقدّم لهم الرأي أو المشورة، فقط تدوّن أسماء العابرين عليها في سجلها بحيادية تامة، بحبر البقاء الذي لا يُمحى ولا يزول، كما فعل ولا يزال مقهى "طانطنفيل" الذي يحتفظ في كل زاوية فيه بذكرى آلاف الفنّانين الذين يمثلون كلّ اتجاهات الفن ودروبه، من ممثلين، موسيقيين، تشكليين، كتاب، مؤلفين، ملحنين، مخرجين، وغيرهم من حاملي الفنون الأخرى، والذين يمثلون في مجملهم العديد من الأجيال والأزمنة، وينحدرون من رقع جغرافية مختلفة، سواء من داخل الجزائر أو خارجها.

العائلة تملك مسؤولية أخلاقية وثقافية وحضارية لهذا الصرح التاريخي، لهذا يحافظون عليه بشكل كبير، وينظرون إليه كمَعلم تاريخي، لأنهم ببساطة لا يمكن أن ينسوا أسماء من مرّوا عليه، أمثال الثائر تشي غيفارا، الكاتب الكبير جون بول سارتر

هؤلاء الذين دفعتهم النسائم الفنية إلى هذا المقهى الذي أصبح بالنسبة لهم مصدر طاقة يحجون إليه متى وطأت أقدامهم العاصمة أو شارع بور سعيد، ولا يمكن لأي فنان/ة أن يصف،تصف زيارته/ا إلى العاصمة الجزائرية بالناجحة ما لم يحتس/تحتسِ كوب قهوة أو كأس شاي فيها.

ويمكن لأي شخص مثلاً أن يغمض عينيه ويذكر جزافاً اسم أيّ فنان جزائري، ممثل أو ممثلة، مخرج أو مخرجة، ممن ولدوا قبل الاستقلال أو بعده، ويسأل نفسه قائلاً: "هل جلس فلان في مقهى طانطنفيل؟". ستكون الإجابة نعم مباشرة ودون تفكير، بغضّ النظر عن الاسم، لا لشيء سوى لأنه مقهى محاذٍ للمسرح الوطني الذي صممه المهندسان الفرنسيان "شارل فريديريك شاسيريو" و"جوستن بونسار"، وتمّ افتتاحه يوم 29 سبتمبر 1853، ليحترق بعدها سنة 1882 ويعاد تصميمه وبناؤه من جديد على يد المهندسين"ريمون تيفورو" و"إيمانويل غرمونري" خلال سنة فقط.

وبعد 17 عاماً من الافتتاح الأول تمّ تدشين المقهى المذكور، الذي أصبح فضاءً يجب على كلّ الفنانين قبل تقديم أعمالهم أن يمرّوا به، ليستجمعوا الطاقة فيه، ويهيئوا أنفسهم بكوب قهوة، وبعد العرض يعودون برفقة الأصدقاء والصديقات للاحتفال والسمر والدردشة فيه من جديد، مع الزملاء أو الجمهور الذين يزورونهم هناك من اجل أخذ صورة أو التوقيع.

مسؤولية تاريخية وحضارية لعائلة بوشوشي

يمكننا أن نتخيل الأعداد الهائلة من الفرق المسرحية والموسيقية التي تداولت على خشبة "تياترو" كما كان يسمّى سابقاً، أو عدد المعارض التشكيلية التي نُظّمت في أروقته، حينها سيُعرف من زاروا مقهى "طانطنفيل" ومن جلسوا فيه. ومن هنا تتوسع دائرة الذكرى التي تشكّلت فيه.

عائلة "بوشوشي" هي من تملك مقهى "طانطنفيل" وتفتخر به، لأنها عائلة مثقفة تعرف جيداً قيمة الفنان/ة والفن، وتقدّر الثروة المعنوية الكبيرة التي يحتويها هذا الفضاء الذي لا يمكن تقديره بثمن، لهذا بقيت محافظة عليه وعلى نشاطه الذي ورثته أباً عن جد إلى غاية اليوم، رغم الموقع الاستراتيجي الذي يتواجد فيه، إذ يمكن وبسهولة تامة تحويله إلى أيّ فضاء تجاري آخر يدرّ عشرات الأضعاف ممّا يقدمه نشاط المقهى الحالي.

لكن العائلة تملك مسؤولية أخلاقية وثقافية وحضارية لهذا الصرح التاريخي، لهذا يحافظون عليه بشكل كبير، وأكثر من هذا ينظرون إليه كمَعلم تاريخي، لأنهم ببساطة لا يمكن أن ينسوا أسماء من مرّوا عليه وتركوا أسماءهم فيه، أمثال الثائر تشي غيفارا، الكاتب الكبير جون بول سارتر، العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، المغني الفرنسي الكبير شارل أزنافور، فريد الأطرش، كرم مطاوع، عبد القادر علولة، رويشد، محمد لخضر حمينة، دحمان الحراشي، الهاشمي قروابي، والقائمة طويلة جداً لا يمكن حصرها ولا عدّها، من الأحياء آو الأموات، أو حتى من الأسماء الكبيرة أثناء الفترة الاستعمارية للجزائر.

لكلّ فنان/ة أو كاتب/ة من هؤلاء قصة جمعته/ا بهذا المقهى وتركت فيه/ا أثراً كبيراً. هذا الأثر يمكن أن يكون قد انعكس في مسرحية مُثّلت أو كُتبت في كتاب نُشر، أو فكرة ما صنعت مفارقة كبيرة في هذه الحياة، أو قصة حبّ كانت بدايتها من هذا المقهى.

مصافحة سريعة من مقاهي عنابة لطانطنفيل

تجوّلنا في ساحتي "الثورة" و"ألكسيس لومبرت" بمدينة عنابة الجزائرية (تبعد عن العاصمة 600 كلم)، وهما ساحتان هامّتان تعجّان بعشرات المقاهي. الأولى يقصدها السيّاح أو الزوّار من خارج المدينة، أما الثانية فيؤمها السكّان المحليون. وقد أردنا أن نسبر أغوار بعض الزبائن إن كانوا يعرفون مقهى "طانطفيل".

إلى غاية اليوم، لا يزال هذا المقهى يحافظ على نشاطه المعتاد، وأكثر من ذلك يحمل نفس التسمية الكولونيالية التي كان يحملها، أي "طانطنفيل"

ومن الصدف أن تكون أغلبية هذه الإجابات تؤكد معرفتها بها، وأكثر من هذا رووا لنا بعض القصص التي حدثت لهم في هذا المعلم المهم. تنقّلنا بعدها إلى أهمّ وأقدم مقهى في عنابة، حيث وجدنا الهاشمي، متقاعد من سلك التربية منهمك في لعبة "ديمينو" في مقهى "الشعب"، هذا الذي لا يغلق أبوابه أبداً، حيث قدّم لنا انطباعه عن مقهى "طانطنفيل " قائلاً: "أولاً أودّ أن أوجّه تحية لصاحب مقهى (الشعب) الذي قدّم خدمات جليلة لآلاف المسافرين القادمين من الولايات الأخرى إلى عنابة، لأنه في ما سبق وفّر لهم الأمن خلال سنوات الشعرية السوداء، سواء من الإرهاب أو من اللصوص وقطاع الطرق، حيث كانت محطات المسافرين تغلق باكرا، لهذا كان يقوم باستقبالهم ليلاً، خاصة العائلات."

ويضيف: "أما بخصوص مقهى (طانطنفيل) فهوى مقهى معروف في الجزائر ككلّ، لأنه معلم مهمّ يزوره كلّ من يزور العاصمة. وشخصياً كان والدي يتكلّم كثيراً عن هذا المقهى الذي كان يزوره كلّ سنة في توقيت إقامة المهرجانات، حيث تكون الفرصة مواتية حتى يلتقي بالعشرات من الفنانين، وتمنى الهاشمي أن يتحول المقهى إلى متحف في يوم من الأيام، وألّا يفكر صاحبه بغلقه أو تحويل نشاطه."


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard