"بنحبهم وبنواجه عنصرية الناس"... نساء حلمن وعشن تجربة "التبني"

الأربعاء 11 مارس 202005:44 م

"جات أم لدار الأيتام سابت طفلة عمرها 6 شهور، ووقعت إقرار إنها مش هتاخدها تاني، والسبب كان إنها فقيرة ومطلقة ومش قادرة تصرف عليها"، تقول ياسمين (34 عاما) عن بداية طريقها مع تبني طفل مجهول النسب.

كانت تلك الواقعة قبل عشرة أعوام، ولكنها كانت دافع ياسمين، وبداية تفكيرها بكفالة طفل، طلبت كفالتها بالفعل، ولكن الدار رفضت.

ياسمين الآن واحدة من آلاف الأسر التي تكفل أطفالاً معثوراً عليهم، واجه معظمهم صعوبات كبيرة قبل أن يحققن حلمهنّ، ويكسرن تابوهات المجتمع، والصورة الذهنية عن الأسر المحتضنة كأسر بلا أطفال.

العديد من المتبنيات اليوم لديهنّ أطفال بيولوجيون، وآخرون لا مانع لديهن من الحصول على أطفال، وأخريات قررن خوض رحلة الأمومة دون أن يكن زوجات.

8 سنوات من الرفض

تعمل ياسمين كأخصائية اجتماعية، قربها من الأطفال زاد حماسها للكفالة، ولكنها لم تكن متزوجة، وكان الزواج أحد الشروط في ذلك الوقت، طلبت من والديها احتضان طفلة، ولكنهما رفضا، ومرت سنوات قبل أن تلتقي الشاب الذي أصبح زوجها، وشاركها حلم الاحتضان في إحدى الجمعيات الخيرية.

اعتادت ياسمين وزوجها على المواجهة منذ البداية، فهي أكبر منه بستة أعوام، ويعرف الكثير في مجتمعاتنا العربية أن إتمام الزواج في تلك الحالة يواجه عواصف مجتمعية وأسرية.

"إنك تهب حياة لطفل ده إحساس مختلف عن أي حاجة في الدنيا، وعشان كده احتضنا ليلي، رغم إننا ما عندناش مشكلة تمنعنا عن الإنجاب"

حملت ياسمين بطفلتها في الشهور الأولى من زواجها، ووجدت أن هذا هو الوقت الأنسب لتكفل طفلة لتقوم بإرضاعهما معاً، ولكن خطوتها تعثرت مجدداً بعد رفض الشؤون الاجتماعية، بدعوى أنه يمكنها الإنجاب ولا ضرورة لديها للكفالة، وكانت العقبة الثانية اشتراط مرور 5 سنوات على الزواج، بينما هما في عام زواجهما الأول.

لجأ الزوجان لقريبين لهما لا ينجبان ليتما إجراءات الكفالة الرسمية باسمهما، ويقوما هما بالكفالة الفعلية، ولكنهما رفضا، كما رفضت أسرتاهما سعيهما لكفالة طفل، وفشلت محاولاتهم للكفالة في أربع محافظات، هي القاهرة، الإسكندرية، أسوان والبحيرة.

تغيرت بعض شروط الكفالة، وباتت الأمور أكثر سهولة، حيث أصبح من حق المطلقات والأرامل والفتيات اللاتي لم يسبق لهن الزواج أن يكفلن طفلاً، بعد أن كان ممنوعاً في الماضي، كما لم يعد هناك شرط ألا تنجب الأسرة.

أنجبت ياسمين طفلتها، وبلغت الصغيرة عامين، وانتقلت الأسرة لمرسى مطروح لظروف عمل الزوج، داعبهما الحلم مجدداً، وزارا مديرية الشؤون الاجتماعية، ولم يواجها هذه المرة الرفض الذي اعتاداه، وبعد ستة أشهر حصلا على الموافقة لاستلام طفلتهما، ومعه خبر حملها الجديد، وسعادة الشابة التي كانت تحلم أن ترضع الطفلة التي تكفلها لتصبح ابنتها بالرضاعة.

 "كانت تحلم أن ترضع الطفلة التي تكفلها لتصبح ابنتها بالرضاعة".

حققت ياسمين حلمها باحتضان مريم بعد ثماني سنوات من محاولتها الأولى للكفالة، وثلاث سنوات من سعيها وزوجها ليكفلاها، وتغير موقف أسرتيهما بعد كفالة الصغيرة، حيث لقيت من الجميع الحب والاهتمام خلال عامين من انضمامها لأسرتها الحقيقية.

لماذا يلجأن للإرضاع؟

"الرضاعة تحرم ما تحرمه الولادة"، كانت تلك العبارة جوهر رد دار الافتاء بالأزهر، حول تحريم الطفل الذي يتم كفالته على أبويه وإخوته، واشترطت حصول الطفل على خمس رضعات مشبعات في سن الرضاعة الطبيعية، أي قبل بلوغه عامين.

"المجتمع عنصري لكن بنعافر"

"إنك تهب حياة لطفل ده إحساس مختلف عن أي حاجة في الدنيا وعشان كدة احتضنا ليلي"، لا تعاني يمنى أو زوجها من مشكلات صحية تمنعهما من الإنجاب، ولكنهما قررا خوض تجربة التبني باحتضان الصغيرة ذات الثلاثة أشهر.

قدر علاء عبد العاطي، مساعد وزيرة التضامن لشؤون الرعاية، في تصريحات سابقة، عدد الأطفال مجهولي النسب بـ80% من نزلاء دور الأيتام البالغ عددهم عشرة آلاف طفل.

أنشأت يمنى دحروج، التي تعمل استشارية علاقات أسرية، صفحة الاحتضان في مصر، بهدف نشر وتشجيع ثقافة الاحتضان ولدعم الأسر المحتضنة في مصر، ولتوفير معلومات عن إجراءات الكفالة ومساعدة الأسر التي تفكر في الإقدام على تلك الخطوة.

تشجع يمنى عبر صفحتها التبني بالإرضاع، واتبعته مع طفلتها، حيث تناولت بعض الأدوية لتساعدها على إرضاع الطفلة 5 رضعات مشبعة على الأقل لتصبح ابنتها بالإرضاع، وتكون محرمة على زوجها، بحسب فتاوى دينية، وأختاً بالرضاعة لابنها في حال رزقت بطفل ذكر.

تقول الشابة الثلاثينية لرصيف22: "قابلت حاجات كتير صعبة.. المجتمع جاهل وبيتعامل بعنصرية مع الأطفال مجهولي النسب مع إن كلهم أيتام، في ناس شايفة إني بافضح بنتي، ومش فاهمة فين العار في إن بنتي تم العثور عليها وأنا احتضنتها".

تتابع يمنى: "ليلى بقى عمرها سنة ونص دلوقتي أنا وباباها بننسى إننا محتضنينها هي بالنسبة لنا بنتنا وبس.. بنعافر في مجتمع لسة مش متقبل الاحتضان وبيعاقب الأطفال ويتهمهم إنهم نتاج علاقات غير شرعية".

كفالة أم تبني؟

لا يوجد شخص تقريباً أعلن رغبته في رعاية طفل إلا وتم الرد عليه بأن التبني حرام، ورغم أن التبني ليس قانونياً في مصر ومعظم الدول العربية، فإن معظم الأشخاص يخلطون بين كفالة الطفل والتي قد تشمل تبنيه بالإرضاع، وبين نسب الطفل لغير والده أو التبني، وهو ما تفسره الافتاء في كثير من فتاويها، مؤكدة على الأجر الكبير الذي يلقاه من يكفل طفلاً، بل وتجيز حصول الطفل على لقب عائلته الجديدة مراعاة لنفسيته، كما لا يوجد فرق شرعي بين رعاية اليتيم، سواء كان معروف أو مجهول النسب، بل وتصنف الأخير كونه الأولى بالرعاية.

وزارة التضامن الاجتماعي أعلنت في وقت سابق أن 11500 من الأطفال المعثور عليهم تم كفالتهم في العام 2018، وخصصت خطاً ساخناً برقم 19828 لتلقي الشكاوى والاستفسارات بشأن الكفالة، مؤكدة أن الأسر البديلة تمنح الطفل ظروفاً نفسية واجتماعية وصحية أفضل، لتعلن لاحقاً وقف تدشين دور أيتام جديدة وتوجيه الاهتمام لتفعيل كفالة الأطفال وتوفير أسر بديلة.

"دموع طفلة غيرت حياتي"

"ارتبطت ببنت كنت بازورها في دار أيتام، وفي يوم عيطت وشدوها بالعافية وأنا ماشية، عرضت أخدها معايا البيت رفضوا.. فقررت ما أروحش تاني وما أعلقش طفل بيا وبعدين أسيبه وأمشي وبدأت فكرة التبني"، هكذا حكت نسمة، مترجمة مقيمة في القاهرة، لرصيف22، قصة دموع الطفلة التي غيرت حياتها لاحقاً.

تزوجت نسمة بعد سنوات من ذلك اليوم، ولكن فكرة تبني أو كفالة طفل عالقة بقلبها، فطلبت من زوجها في بداية زواجهما أن يكفلا طفلاً ولكنه لم يتحمس، لاحقا تأخر حملها قليلاً، فخاضا رحلة سريعة للبحث عن السبب، واقترح الطبيب إجراء حقناً مجهرياً يزيد فرص حصولهما على طفل، فرفضا.

"قررا الحصول على طفل بالكفالة أو الحقن المجهري".

مع العام الرابع لزواجهما قررت نسمة أن تحصل على طفل، سواء بعملية الحقن المجهري أو بالكفالة، واختار زوجها الخيار الأقرب لقلبها، وبدءا رحلة صعبة لإقناع أسرتيهما بقرارهما كفالة طفل.

بدأ الزوجان إجراءات الكفالة، إلا أنهما فوجئا بصدور قرار بأن تكون كفالة الطفل في عمر عامين بدلاً من ثلاثة أشهر، وهو ما سيعطل ترتيبات تبني الطفل بالإرضاع، فتعثرت خطواتهما.

لم يكن الزوج حتى الآن شديد الحماس، ولكن حلماً غير حياته، تحكي نسمة (32سنة): "حلم إن حد بيديله طفل وبيقوله انت زعلان ليه ربنا هيرزقك بالمصطفى".

وبعد مرور شهرين تراجع زوجها عن رفضه التبني أو الكفالة، وذهبا لرؤية طفل معثور عليه، وفوجئت بقوله: "هو ده اللي حلمت بيه شكله ونظرته وكل حاجة"، وكف الصغير عن البكاء بمجرد أن حمله، وابتسم.

 "المجتمع جاهل، وبيتعامل بعنصرية مع الأطفال مجهولي النسب، في ناس شايفة إني بافضح بنتي، ومش فاهمة فين العار في إن بنتي تم العثور عليها وأنا احتضنتها"

في تجربتهما الأولى للتعامل مع المجتمع خارج العائلة، رفض النادي الذي تشترك به أسرة نسمة تسجيل الصغير كابن لهما وتم اعتباره مرافقاً، وهو ما يحرمه من بعض الامتيازات بالإضافة للتأثير السلبي على أمه، التي قررت التوقف عن زيارة النادي وتقديم شكاوى للجهات المختصة، انتهت بتسجيله ابناً قبل أربعة أشهر من اليوم.

يحصل الصغير، الذي قضى 5 سنوات في أحضان أسرته، على تدريبات في الجمباز والسباحة والجودو، وتواصل أمه البحث عن المدرسة الأفضل في محيطهما ليلتحق بها بداية العام الدراسي.

رغم تجربتهما الجيدة والقبول الذي حظي به ابنها بالتبني مصطفى، حتى صار الحفيد المفضل والمدلل، فإن أفكار المجتمع الراسخة عن الأطفال المعثور عليهم، باعتبارهم أبناء علاقة غير شرعية، لا زالت مسيطرة، تقول نسمة: "كنا نتحدث عن تبني طفل آخر بدلاً من إجراء الحقن المجهري، فردت قريبة لنا، لا بلاش مصطفى طلع ابن حلال الحمد لله مانضمنش التاني".

ولا يزال الرفض والقسوة في مواجهة الأطفال مجهولي النسب، وتذهب بهم كثيراً لصناديق القمامة أو أمام دور العبادة، ولا تنتهي مع إنقاذهم، حيث يبدؤون فصلاً جديداً من الوصم، لا ينقذهم منه ربما سوى أسرة محتضنة دافئة وداعمة، تمنحهم الحب الذي يستحقونه كأي طفل آخر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard