برلمان تونس... نوم نواب في قاعة البرلمان يتحوّل إلى اتهامات بتنفيذ أجندات خارجية

الأربعاء 11 مارس 202003:51 م

تابع التونسيون يوم 4 كانون الأول/ ديسمبر 2019 مشهداً غير مألوف دارت رحاه تحت قبة البرلمان حين أقدمت رئيسة كتلة "الحزب الدستوري الحر" عبير موسي على الاعتصام برفقة عدد من نواب كتلتها في القاعة الرئيسية للبرلمان، إثر مشادات جرت بينها وبين نائبة كتلة حركة النهضة جميلة الكسيكسي.

وواصلت موسي ورفاقها آنذاك اعتصامهم بالنوم في القاعة الرئيسية لمجلس نواب الشعب مهددين بالتصعيد وبتعطيل أشغال المجلس ما لم تعتذر نائبة الحركة، ما أثار حفيظة المجلس بكل أطيافه وحتى الرأي العام الذي انقسم بين ناقد للوضع الذي آل إليه النواب الذين انتخبوهم وساخر منه.

لم يقف الكر والفر عند هذا الحد، حيث واصلت موسي إصرارها على موقفها خلال أشغال الجلسات التي يعقدها البرلمان، ما دفع بالنائب الثاني لرئيس المجلس طارق الفتيتي إلى رفع جلسة يوم 5 آذار/ مارس الحالي، بسبب ما اعتبره تعطيلاً مستمراً من رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحر لسير أعمال الجلسة.


لقاء الأضداد

كانت نتائج الانتخابات التشريعية التونسية في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 قد أسفرت عن تركيبة متنوعة جمعت، في سابقة هي الأولى من نوعها في البلاد، الأضداد تحت سقف واحد بحصول حركة النهضة على المرتبة الأولى يليها حزب رجل الأعمال والإعلام المثير للجدل نبيل القروي المسمى "قلب تونس" بالمرتبة الثانية، فيما كانت المرتبة الثالثة لحزب "التيار الديمقراطي".

وجاء حزب "ائتلاف الكرامة" في المرتبة الرابعة يليه الدستوري الحر في المركز الخامس الذي تعتبره الأطراف الأخرى محسوباً على "حزب التجمع" المنحل، علماً أن رئيسته عبير موسي لطالما عبّرت علناً عن مساندتها للنظام السابق.

ويُحمّل النواب كتلة موسي مسؤولية الصورة السيئة التي أخذها المواطن التونسي عن البرلمان وعن كل نوابه على حد السواء.

التعطيل والتهريج

في هذا الإطار، يعتبر نائب كتلة ائتلاف الكرامة أمين ميساوي أن التجاذب الموجود حالياً على الساحة السياسية يمثل ظاهرة صحية جاءت نتيجة لإرادة الشعب التي أفرزت مشهداً سياسياً متنوعاً، غير أنه لا يمثل مبرراً لتعطيل أشغال البرلمان.

ويُحمّل ميساوي، في تصريحه لرصيف22، كتلة الحزب الدستوري الحر المسؤولية عن الفوضى التي تشهدها قبة البرلمان، قائلاً: "قدِموا منذ اليوم الأول لافتتاح الدورة النيابية للمجلس الجديد بالتعطيل والتهريج".

تابع التونسيون مشهداً غير مألوف في البرلمان حين أقدمت رئيسة كتلة "الحزب الدستوري الحر" على الاعتصام مع نواب كتلتها في القاعة الرئيسية والنوم فيها بعد مشادة مع نائبة من النهضة... مخاوف متصاعدة من بقايا النظام السابق ومن أجندات خارجية 

وفي توصيفه لمشهد تبادل الشتائم والاتهامات بين النواب، اعتبر نائب الكتلة الديمقراطية لسعد حجلاوي أن ما يحدث لا يندرج في إطار الاختلاف في الآراء ودفاع الأشخاص عن مواقفهم، إنما هو تعطيل لأعمال المجلس.

"تسفيه المشهد البرلماني"

ويتهم الحجلاوي، في حديثه لرصيف22، النواب في كل الكتل بالخروج عن السياق خلال الجلسات العامة والسعي إلى الاستعراض وجلب الانتباه.

ويذهب في كلامه إلى اعتبار أن تعطيل كتلة موسي سير كل جلسة عامة هو بمثابة عملية مدروسة ومقصودة من أجل ترذيل وتسفيه المشهد باعتبارها "كتلة سليلة التجمع المنحل الذي لا يعترف بالديمقراطية وبحقوق الإنسان وبالاختلاف داخل البرلمان"، وفق تعبيره.

ويُرجع الحجلاوي تصرفات نواب هذه الكتلة إلى ما قال إنها "نشأتهم في برلمان الحزب الواحد والصوت الواحد والتصويت الآلي، واعتبارهم المشهد التعددي الجديد غريباً عليهم لأنه سحب البساط من النظام القديم".

رأي يدعّمه بدوره نائب كتلة حركة النهضة نوفل الجمالي الذي قال إن "ما يقع في البرلمان من مشادات تجاوز كل الحدود وأصبح يضر حتى بحسن سير عمل السلطة التشريعية، حيث وجد النواب في أكثر من مرة أنفسهم عاجزين حتى عن مناقشة القوانين والتصويت عليها في ظروف عادية".

أجندات إقصائية

ويُرجع الجمالي، في تصريحه لرصيف22، تواتر العنف داخل البرلمان إلى وجود أطراف سياسية داخله لديها "أجندات اقصائية اجتثاثية لا تقبل الآخر ولا حتى فكرة التعايش وتمتلك منطقاً وفلسفة هدّاميْن".

مع ذلك، يتهرّب الجمالي من ذكر أسماء هذه الأطراف، بحجة أن الشعب التونسي يعلمها ويتابعها مباشرة على القنوات، مضيفاً أن "انتهاجها منطق عدم التواصل والاعتداء اللفظي والمعنوي والسياسي وحتى المادي دليل على النقص في النضج الديمقراطي لديها".

ويلفت الجمالي إلى أن النواب الذين وصفهم بـ"العقلاء" وجدوا أنفسهم "محشورين في زمرة الضحالة في إطار مقاربة شاملة لا تميز بين الغث والسمين".

من جهته، يربط الناشط والمحلل السياسي فتحي الزغل تواتر العنف في كل جلسة عامة يعقدها البرلمان التونسي بتوقيت صعود الحزب الدستوري الحر وحصوله على مقاعد داخله.

أجندة خارجية

يرى الزغل، في تصريحه لرصيف22، أن هذا الحزب "يطبق أجندة خارجية بامتياز وأنه لا يملك لا رؤية ولا اقتراحات واضحَيْن وإنما لديه فقط استراتيجية واحدة وواضحة وهي تعطيل العمل البرلماني وبث الفوضى بشكل مفضوح وممنهج".

ويُرجع الزغل استهداف موسي وكتلتها لحركة النهضة إلى "تنفيذها أجندة إماراتية سعودية مصرية إقليمية تعتمد أساساً على تخريب الثورات العربية والبنية الديمقراطية في بلدان ما يسمى بالربيع العربي، والتي تتأتى أساساً من استعدائها للتيار الإسلامي في هذه البلدان"، حسب رأيه.

مسؤولية النهضة

في المقابل، تُرجع آراء أسباب تعطيل العمل البرلماني والفوضى التي تعمه إلى حركة النهضة، ومن هذه الآراء ما يقوله ميساوي عن أن إسقاط النهضة لمشروع قانون تحصين الثورة والعزل السياسي خلال عام 2013 ساهم في صعود بقايا التجمع إلى البرلمان.

ويهدف مشروع هذا القانون إلى إرساء التدابير الضرورية لتحصين الثورة تفادياً للالتفاف عليها من قبل الفاعلين في النظام السابق بمنعهم من الترشح للانتخابات.

ويصر نائب كتلة ائتلاف الكرامة على أنه "كان من الأجدر تحصين الثورة لمدة دورتين برلمانيتين على الأقل حتى تتعافى الثورة ولإبعاد الشخصيات التي تحملت مسؤوليات في حزب التجمع المنحل عن الدولة وعن المشهد السياسي".

أما بالنسبة للحجلاوي، فيرى أنه من المبالغة تحميل حركة النهضة كامل المسؤولية، غير أنه يجدها مسؤولة عن إعادة المنظومة القديمة للواجهة وللحكم.

ويذكّر بأن النهضة فوّتت فرصة تمرير القانون المذكور الذي يمنع التجمعيين (نسبة لحزب التجمع المنحل) من الترشح للانتخابات بتصويتها ضده، إضافة إلى تحالفها منذ الثورة مع بقايا التجمع وفتحها الباب أمامهم للعودة من جديد.

ويضيف الحجلاوي أن إخفاق النهضة في إدارة البلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً خلق نوعاً من الحنين إلى الماضي لدى بعض المواطنين الذين استنجدوا ببقايا التجمع لإنقاذهم، في حين أن النظام السابق هو "أصل الخراب والدمار والفساد والاستبداد في البلاد"، حسب تعبيره.

من جانبه، يتفق الزغل على تحميل حركة النهضة المسؤولية الكبرى عن وجود هذا الحزب ونشاطه سياسياً قائلا: "إنها تجني اليوم ثمار ما فعلته في تلك الفترة من عداوة واضحة تنمو تجاه الحركة يوماً بعد يوم داخل البلاد من قبل حزب الدستوري الحر ومن خلال أبواقه الإعلامية العربية الإقليمية".

في المقابل، يعتبر اختيار النهضة التحالف مع حزب نداء تونس المحسوب على التجمع المنحل سابقاً كان مراهنة منها على "صفاء نية" كل مكونات المجتمع التونسي، فاختارت طريق المصالحة و"لم تختر طريق الإقصاء فارتكبت خطأً سياسياً لأن الطرف المقابل لا يريد سوى تطبيق ممارساته القمعية التي اعتادها طيلة فترة حكمه لسبعين سنة".

حفظ النظام

ولوضع حد لفوضى البرلمان، تم الاتفاق في اجتماع مكتب المجلس يوم الأربعاء 4  آذار/ مارس الحالي على تكوين لجنة للنظر في تنقيح الفصل 131 الذي يحدد إجراءات سير الجلسة العامة في النظام الداخلي للمجلس.

وينص هذا الفصل على "أن يوجّه رئيس الجلسة تنبيهاً ضد كل نائب وقع تذكيره بالنظام مرتين في نفس الجلسة أو صدر منه شتم أو ثلب أو تهديد نحو عضو أو أكثر من أعضاء المجلس. ويتم سحب الكلمة منه وحرمانه من التدخل إلى آخر الجلسة وتسجيل التنبيه بمحضر الجلسة".

ويضيف الفصل ذاته أنه "في صورة عدم امتثال النائب للإجراءات المتخذة في شأنه بشكل يؤدي إلى عرقلة عمل المجلس أو استخدم أي شكل من أشكال العنف المادي أثناء جلسة عامة أو صدرت منه تصرفات مهينة لرئيس الجلسة، يمكن لمكتب المجلس باقتراح من رئيس الجلسة حرمانه من أخذ الكلمة دون منعه من التصويت، على أن لا تتعدى مدة الحرمان ثلاث جلسات متتالية".

إشكالية التنفيذ

يرى الحجلاوي أن الإشكال يكمن في عملية تنفيذ نص النظام الداخلي، معتبراً أنه لا يمكن منع نائب من دخول البرلمان لأن موسي تريد استغلال مثل هذه المواقف لإحداث مزيد من المشاكل لتعطيل العمل البرلماني، وفق تقديره.

"في حال عدم سن قانون يتضمن زجراً لباعثي الفوضى داخل البرلمان، سوف ينقلب السحر على الساحر لأن هذا الحزب يتمتع بمساندة تضم القوى المضادة للثورة"... مخاوف من عودة بقايا النظام السابق في تونس ومن أجندات سعودية إماراتية مصرية 

بدوره، يشير الجمالي إلى أنه لا يعلّق أملاً كبيراً على هذا التمشي لأن النظام الداخلي الحالي لا يسمح بإيجاد آليات عملية فعلية تستطيع ضبط النظام، ولأن التعديل يخضع إلى تجاذبات وتوازنات دقيقة وحساسة داخل البرلمان الذي يتميز بتركيبة على درجة من التعقيد والتنوع بحيث تجعل عملية الوصول إلى توافقات خاصة في هذه المسألة الحساسة صعبة، حسب رأيه.

ويستدرك المتحدث بقوله إنهم سيحاولون تقديم ما يمكن من الآليات لضمان ضبط حسن سير العمل البرلماني وصياغة مدونة سلوك برلمانية تضبط آداب التعامل بين الكتل والنواب في ما بينهم لتشكل قاعدة وأرضية لضغط سياسي وأخلاقي على بعض الأطراف، "علها تفكر قبل الانخراط في مثل هذه التصرفات المشينة"، وفق تصريحه.

إمكانية عودة النظام السابق

بموازاة ذلك، يذهب بعض المحللين إلى إمكانية تصدر الحزب الدستوري الحر للمشهد الحزبي والسياسي بعد السنوات الخمس المقبلة في ظل مساندة بعض الأبواق الإعلامية لتوجهاته.

في هذا الإطار، يشدد حجلاوي على ضرورة خلق وعي بضرورة عدم عودة النظام السابق الذي ثار ضده الشعب واعتبار محاولة إحيائه وإعادته مجرد عبث لا يقدم ولا يؤخر.

أما ميساوي فأكد أن وجود هذا الحزب وحزب قلب تونس سيتضاءل في البرلمان، قائلاً "نحن نعول على وعي وذكاء الشعب والشباب التونسي خلال المرحلة القادمة بعدم منح الفرصة لعودة بقايا التجمع وبالانحياز للخيار الثوري النظيف وبخلق جيل سياسي جديد قادر على قيادة المرحلة".

وبالنسبة للزغل، فقد حذر من أنه "في حال عدم سن قانون خلال الأشهر الثلاثة المقبلة يتضمن زجراً لكل باعثي الفوضى داخل البرلمان، فسوف ينقلب السحر على الساحر لأن هذا الحزب يتمتع بمساندة محلية تضم كل القوى الإعلامية والاجتماعية والسياسية والإدارية المضادة للثورة، وإقليمة تشمل الدول المعارضة والمعادية للثورات العربية على رأسها مصر والسعودية والإمارات".

خطأ سياسي كبير

وعلى خلاف بقية النواب الذين تحدثوا لرصيف22 واعتبروا الحزب الدستوري سليل النظام السابق، يشير نائب حركة النهضة "على أنه من الخطأ السياسي الكبير القول بوجود كتلة داخل البرلمان تمثل حزب التجمع المنحل".

ويتابع في هذا السياق قائلاً: "لابد من أن نكون صريحين مع أنفسنا بأنه هنالك العديد من المنتمين السابقين لحزب التجمع المنحل، هم أناس وطنيون لعبوا ولا يزالوا يلعبون دوراً هاماً وأنا أعرف الكثير منهم ممن يسوؤهم جداً أن يقع تمثيلهم من طرف كتلة تعطل العمل البرلماني".

كما يشير  الجمالي إلى أن نظرية اعتبار كل من كانوا في المنظومة السابقة فاسدين وغير ديمقراطيين ولم يتأقلموا مع التغير السياسي الكبير الذي حدث ولم يتبنوا مبادئ الثورة، غير صحيحة، قائلاً: "علينا دائما تنسيب الأمور وعدم فرض أمر واقع غير صائب سياسياً".

ردّ موسي

ورداً على اتهامها بخلق التوتر داخل البرلمان وتعمد تعطيل سير أشغاله، اعتبرت موسي أن الشهرة والمشاهدات التي تصل بالآلاف لكل مداخلاتها انطلاقاً من جلسة 3 كانون الأول/ ديسمبر الماضي وفي آخر مداخلة لها طالبت فيها بتحجير تكوين الأحزاب التي تفصل بين الدين والسياسة، تقلق معارضيها.

وقالت موسي خلال حضورها، يوم 6 آذار/ مارس الحالي، في أحد البرامج الحوارية على إحدى القنوات التلفزية التونسية الخاصة إن الصدى الكبير الذي تحدثه مداخلاتها لدى الرأي العام التونسي تقلق معارضيها الذين يطلقون "ميليشياتهم لتشويهها وآخر التصرفات رفع النائب الثاني للبرلمان طارق الفتيتي الجلسة العامة بطريقة مضحكة"، مشددة على أن بعض النواب هم من بادروا بالتهجم عليها وبتكفيرها وبنعتها أبشع النعوت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard