حيث تشتري أمّ كلثوم أزهارها ويسكن كفافيس... عن شارع فؤاد في الإسكندرية

الجمعة 3 أبريل 202004:38 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر ديسمبر 2019, في قسم "رود تريب" بـرصيف22، والمعنوَن: "فلنتسكّع معاً في الشّوارع".


من بين شوارع الإسكندرية كافة يبقى لشارع فؤاد سحر خاص، وطابع أكثر خصوصية، فهنا تلاقت الحضارات وتركت على أعمدة الشارع وجدرانه لمساتِها وبصمتها التى فشل الزّمنُ في أن يمحوها.

يقع شارع فؤاد والذي يُعدّ أحد أقدم شوارع العالم، بمنطقة محطة الرمل، ويتقاطع مع شارع النبي دانيال.

يقول حمدي غنيم، الباحث في شؤون الآثار،  لرصيف 22: "من حوالي أكثر من 24 قرن، نزل بالإسكندرية المهندس الإغريقي دينوقراطيس، المستشار الفني للإسكندر الأكبر، ليضع حجر الأساس للمدينة التي تمّ تصميمها على النمط الهيبودامى، مثل رقعة الشطرنج."

ويضاف: "تعود نشأة الشارع إلى عهد البطالمة، وأطلق عليه قديماً اسم الطريق الكانوبي، وبمرور الوقت تغير اسمه إلى شارع ميناء رشيد، نسبة لبدايته من بوابة رشيد، متجهاً إلى أبي قير. ثمّ تغير اسمه إلى شارع فؤاد نسبة إلى الملك فؤاد، حتى اشتعلت ثورة يوليو 1952، وتمّ تغير الاسم إلى طريق الحرية وجمال عبدالناصر. هذا الشارع الذى يضمّ أكثر من 50 مبنى تاريخياً، يمتدّ من منطقة محطّة الرّمل حتى المنشية، بينما تتفرّع منه عدّة شوارع مهمة، مثل شارع النبي دانيال، ومنطقة (كوم الدكة) القديمة، ويعدّ أحد أقدم الشّوارع بالعالم."

يواصل: "يحتوي شارع فؤاد على العديد من المعالم المهمّة، وأبرزها أوبرا الإسكندرية، وتمّ البدء بها عام 1918، وافتتحت أبوابها للجمهور بشكل رسميّ عام 1921، باسم "تياترو محمّد علي"، وقد تولى تصميم أوبرا الإسكندرية المهندس الفرنسي جورج بارك، والذي استوحى التصميم من أوبرا فيينا، ومسرح أوديون في باريس. وكان أول عرض مسرحي يُقدّم على الأوبرا الجديدة عرض شهرزاد في 30 يونيو 1921م."

ويضيف حمدي: "في عام 1962، تمّ إطلاق اسم الموسيقار المصري الكبير سيد درويش، على المسرح، تكريماً لإسهاماته في الموسيقى العربية. كما يضمّ الشارع أيضاً متحف الإسكندرية القومي، الذي كان في الماضي قصر لأحد أثرياء المدينة، وهو تاجر الأخشاب، أسعد باسيلي، والذي بنى القصر على الطّراز الإيطالي، وظلّ مقيماً به حتى عام 1954، ثمّ باعه للسفارة الأمريكية."

يضيف حمدي: "ظلّ هذا القصر مقرّاً للقنصلية الأمريكية حتى اشتراه المجلس الأعلى للآثار، التابع لوزارة الثقافة عام 1996، وتولّى ترميمه وتجديده وتحويله إلى متحف مع بداية الألفية الثالثة. ويحتوي المتحف على 1800 قطعة أثرية تشمل جميع العصور بداية من الدولة القديمة وحتى العصر الحديث، فيما ينفرد متحف الإسكندرية القومي بعرض قاعة خاصة للآثار الغارقة، وتضمّ مجموعة رائعة من القطع التي تمّ انتشالها من البحر المتوسط."

هنا شهدنا أوّل قاعة عرض سينمائي في الشرق الأوسط، وثاني قاعة عرض في العالم بعد سينما باريس 1896، فبعد 12 يوماً فقط من عرض أول فيلم متحرك في فرنسا، قرّر الأخوان لومير افتتاح دار عرض بنادي محمد علي

مينا ذكي، مؤسس مشروع "الجولة" للحفاظ على التاريخ والتراث وتوثيقه، يشير إلى أهمّ الأحداث التي شهدها الشارع منذ نشأته، ويقول: "شهد شارع فؤاد محاولة اغتيال الملك أحمد فؤاد الأول في نادي محمد علي، على يد الأمير سيف الدين، شقيق شيوه كار، زوجة الملك فؤاد، وقد أصابت الرصاصة كتف فؤاد الذي سافر إلى فرنسا ليتلقى العلاج هناك، قبل أن يعود إلى مصر ليتولى الحكم ويضع الأمير سيف الدين قيد الإقامة الجبرية في مصحة عقيلة بالعباسية."

يتابع حديثه لرصيف22: "هنا أيضاً شهدنا أوّل قاعة عرض سينمائي في الشرق الأوسط، وثاني قاعة عرض في العالم بعد سينما باريس 1896، فبعد 12 يوماً فقط من عرض أول فيلم متحرك في فرنسا، قرّر الأخوان لومير افتتاح دار عرض بنادي محمد علي، لكنها للأسف تعرضت للهدم ومكانها مهجور حالياً."

ومن طرائف الشارع كما يقول مينا هو أن مقام سيدي المتولي مُقام على أرض الكنيسة الفاتيكانية. هنا أيضاً توجد بطريركية الأرمن التي دُفن بها نوبار باشا، أول رئيس وزراء لمصر. كما يوجد مقامان لأبناء علي ابن أبي طالب، وكذلك مسجد سيدي مفرح، وعمارة توريل التي يقع تحتها صهريج يمتدّ لدورين تحت الأرض."

"وفي شارع فؤاد مع تقاطع شارع النبي دانيال وقعت في السبعينات الحادثة الشهيرة لاختفاء جثمان ميرفت الشهيرة بعروس الإسكندرية، حيث كانت تسير في الشارع إلى جوار خطيبها، وفجأة حدث هبوط أرضي، ابتلعها، وتاه جسمها في شبكة معقدة من السراديب تحت الأرض وبعد 21 يوماً من البحث عن طريق الدفاع المدني والضفادع البشرية تمّ الإعلان أنها باتت في عداد المفقودين."

باسم فاروق، أحد طلاب كلية الفنون الجميلة والمشارك في مسابقة إعادة إحياء شارع فؤاد، حدثنا هو الآخر عن حكايات الشارع و قال لرصيف22: "إن الشارع يعدّ مركزاً للأدب والفنون في الإسكندرية، حيث توجد به العديد من دور السينما، ومركز الحريّة للإبداع، ومسرح سيد درويش. كما سكن به الشاعر اليوناني كفافيس، وتعودتْ أمّ كلثوم على زيارته من فترة لأخرى لشراء الأزهار من المحلّ القديم الموجود في الشارع."

ويضيف: "هنا أيضاً وفي فيلا مخلع تحدّث الزعيم المصري سعد زغلول، إلى أبناء الإسكندرية، ليحثّهم على النضال واستمرار الكفاح ضدّ قوات الاحتلال البريطاني، ويومها أقام سيد درويش احتفالية فنية كبيرة شارك فيها الأهالي بالغناء. كما ضمّ الشارع نادي (محمد على)، وكان الكاتب والروائي البريطاني أ.م. فورستر عضواً فيه."

وإلى خالد عوض بائع بمحل الزهور في شارع فؤاد، والذي قال: "كان الشارع في ما مضى مقرّاً للطبقات الأرستقراطية، وكانت أغلبية السكّان من غير المصريين، اليوم تبدّل الحال 360 درجة."

هنا تحدّث الزعيم المصري سعد زغلول، إلى أبناء الإسكندرية، ليحثّهم على النضال واستمرار الكفاح ضدّ قوات الاحتلال البريطاني، ويومها أقام سيد درويش احتفالية فنية كبيرة شارك فيها الأهالي بالغناء

يفسر خالد لرصيف22: "قديماً كان زبائننا من كبار نجوم السّياسة والفن، وكانت أم كلثوم وإسماعيل ياسين وفريد الأطرش عندنا تقريباً كلّ شهر، لأن المحلّ كان يجلب أهمّ الزهور من حول العالم. وبمعنى أدقّ (اللي مكنش موجود في أي محل زهور في مصر، كله كان موجود عندنا)، أما الآن فإقبال الناس عموماً على شراء الأزهار تراجع إلا في المناسبات كعيد الحبّ مثلاً."

مع بداية العام 2013، قرّر مجموعة من رجال الأعمال استغلال الطبيعة الخاصّة للشّارع في افتتاح مشاريع خاصّة فى مجال المطاعم والمقاهي لجذب أنظار السيّاح، غير أن هناك من رأى أن تلك المشاريع شوّهت أحد أقدم الشوارع بالعالم."

يعلق سعيد رجب، صاحب أحد المطاعم بالشارع: "بعض المقاهي والمطاعم هنا اعتمدت على ديكورات حديثة لمغازلة وجذب السيّاح، لكنها جميعاً تتماشى مع الإطار العام للشارع، ولم تشوِّه كما يقال. وإن أردتم أن تروا شارع فؤاد على حقيقته، احضروا هنا عند احتفالات أعياد الربيع والعيد القومي للمحافظة، فعندذلك يكون الشارع في أبهى صورة، حيث يمرّ من هنا موكب ضخم يضمّ الكثير من السيارات التي تحمل أجمل الأزهار بألوانها الزاهية وصور لأهمّ معالم الإسكندرية، بينما تُعزف الموسيقى، ويصطفّ المواطنون على جانبي الشارع للاستمتاع بهذا الحدث المهم."

أما مراد وافي، والذي بلغ من العمر نحو سبعين عاماً، فيقول إنه عاش أجمل أيامه في شارع فؤاد قبل أن يضيف: "كانت أيام جميلة قبل أن يتبدل الحال ويصبح مجرّد شارع كحال باقي شوارع الإسكندرية، خصوصاً بعدما تغيّرت ملامحه وتركت الحداثة والتكنولوجيا آثارها عليه."

ورغم أن أبناء مراد هاجروا من مصر إلا أنه اختار ألا يفارق الشارع الذي أصرّ على أن يشهد على يومه الأخير، تماماً كما كان شاهداً على يوم ميلاده.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard