من “صغر العقل" إلى "العقم“... أبشع الحجج التي استخدمها الرجال لمنع النساء من التصويت

الثلاثاء 10 مارس 202006:05 م

لا شك أن الانتصارات الكبرى تتطلب تضحيات عظيمة، بالإضافة إلى التمتع بحس المثابرة وبذل الكثير من الجهد، فمنذ حوالي مائة عام، تمكنت النساء من انتزاع حقهنّ في التصويت في الانتخابات، بعد صراع شرس واجهن خلاله مجموعة من الخرافات والحجج التي كان يستخدمها بعض الذكور لمنعهنّ من ممارسة أبسط حقوقهنّ، وعلى رأسها المواطنة، والتي تعني تمتع الفرد بعضوية بلد ما، مع ما ترتبه تلك العضوية من امتيازات.

وعندما نتحدث عن المواطنة، كنظام حقوق وواجبات، فإننا نعني حقوق المواطن وواجباته في الدولة وواجبات هذه الدولة نحو المواطنين، وضورة توفير الحقوق المدنية، التي تضم حرية التعبير والمساواة أمام القانون، والحقوق السياسية، التي تشمل الحق في التصويت، وهو حق كان في الماضي "حكراً على الرجال".

الجهد العقلي والصحة الإنجابية

اعتقد ويليام سيدجويك أنه لا يمكن أن يأتي الخير من السماح للنساء بالتصويت في الانتخابات، وتحدث سيدجويك عن هذه المسألة في العام 1914، عندما قال: "سوف يعني ذلك تفسخاً وانحلالاً للنسيج البشري، ما يعيد عقارب الساعة ألف عام إلى الوراء، وبالتالي لن يتحقق ذلك أبداً، لأن البشرية لن تتخلى ببساطة عن الإنجازات الصعبة التي حققتها على مر العصور، لأجل دعوة من بعض المتطرفين".

وبعد مرور خمس سنوات فقط من نشر صحيفة نيويورك تايمز الأميركية هذا التحذير الصادر عن سيدجويك، أقرّ الكونغرس التعديل الدستوري التاسع عشر، الذي منح المرأة الأميركية حق التصويت.

صحيح أن الحضارة لم تنهر، إلا أنه في مطلع القرن العشرين، كان هناك الكثير من الناس الذين يستمعون إلى سيدجويك، فقد صدق بعض الناس كلام الأستاذ المشهور في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، واعتقدوا بأن النساء يجب ألا يصوتن لأنهنّ لم يخلقن لذلك، مستندين لنظرية تقول إن الجهد العقلي قد يعرض الصحة الإنجابية للخطر.

عقل المرأة وضمور المبايض

بالنسبة لأولئك الذين عارضوا حركات حق المرأة في الاقتراع، والتي ظهرت بالتوازي في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، كان يُنظر إلى كل عنصر في تشريح الجسد الأنثوي على أنه غير مؤهل، بدءاً من أعلى نقطة فيه: العقل.

منذ حوالي مائة عام، تمكنت النساء من انتزاع حقهنّ في التصويت في الانتخابات، بعد صراع شرس واجهن خلاله مجموعة من الخرافات والحجج التي كان يستخدمها بعض الذكور لمنعهنّ من ممارسة أبسط حقوقهنّ

تعليقاً على هذه النقطة، قالت شيريل جورغنسن إيرب، الأستاذة الجامعية في جامعة لينشبرغ الأميركية، التي تدرس الخطاب العلمي وحركة النساء البريطانيات دفاعاً عن الحق في الاقتراع، إنه بحسب العلم السائد آنذاك "لقد كان لدى النساء ببساطة عقولاً أدنى، الأمر الذي جعلهنّ غير مناسبات لصرامة التصويت"، وكشفت شيريل أن الرسوم الكرتونية المناهضة لحق المرأة في التصويت سخرت من قدرة النساء على التفكير، "إذ كانت تُظهر أن عقل المرأة الداخلي مملوء فقط بالرسائل، الدمى، القبعات، الشوكولا ووجوه الرجال الذين يعجبونها".

وعليه، كان هناك اعتقاد بأنه لو أجهدت النساء عقولهنّ الصغيرة، فإن ذلك سينعكس سلباً على صحتهنّ، ففي القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وقبل أن تكشف دراسات التمثيل الغذائي وممارسة التمارين الرياضية عكس ذلك، اعتقد الكثير من الناس أن جسم الإنسان يحتوي على كمية محدودة من الطاقة، وكانت هذه النظرية مزعجة للمرأة أكثر من الرجل، لأنها كانت تعني ضمنياً أن النساء بحاجة لتوجيه طاقتهنّ إلى نظامهنّ الإنجابي بدلاً من عقلهنّ، وبالتالي إذا خرجت النساء للتصويت والمشاركة في الحياة السياسية والتفكير، ستضمر مبايضهنّ.

بيولوجية المرأة لا تناسب السياسة

بالعودة إلى نظرية ويليام سيدجويك، فقد اعتبر هذا الأخير أن إقدام النساء على التصويت يشكل خطراً كبيراً، بخاصة في فترة الحمل، إذ قال: "يجب ألا ننسى الحمل والرضاعة، فكلاهما يمثل عبئاً كبيراً على حيوية الأم، وأي جهد آخر، مثل مسؤوليات الاقتراع، سيكون ضاراً لكل من الأم والطفل".

واعتبر المعترضون على حق النساء في الاقتراع، أن أثر الإجهاد العقلي يتفاقم فقط أثناء الحيض، ما زعزع على مدى بعيد استقرار النساء أنفسهن، زاعمين أن الدورة الشهرية سببت حالة تقلب مزاجية غير مناسبة للسياسة.

إذا خرجت النساء للتصويت والمشاركة في الحياة السياسية والتفكير، ستضمر مبايضهنّ

وفي هذا الصدد، كتب ألمروث رايت، عالم المناعة البريطاني، في رسالة إلى صحيفة التايمز في لندن في العام 1912: "بالنسبة للرجل، علم النفس الفيزيولوجي للمرأة مليء بالصعوبات". كان ذلك هو نفس الاقتباس الذي استعان به سيدجويك بعد ذلك: "لذا لن يرتبك الرجل حين يقابلها في طورها الدوري المتكرر من فرط الإحساس، اللامعقولية وفقدان الاتساق".

واعتبر رايت، أنه حتى انقطاع الطمث يجعل النساء غير مؤهلات للمشاركة في الانتخابات، لأنه يسفر عن "اضطرابات عقلية خطيرة وطويلة الأمد، تتطور بالتزامن مع اقتراب فناء القدرة الإنجابية عند المرأة"، ما يعني أن امتلاك الرحم يفقد الأهلية مدى الحياة.

بالإضافة إلى ذلك، اعتقد مناهضو حق المرأة في الاقتراع أن القوة البدنية ضرورية للمشاركة السياسية، فقد كتب القس الأميركي ليمان أبوت، في مجلة أتلانتيك في العام 1903: "هدف الحكومة هو حماية الأشخاص والملكية والسمعة من الأعداء التي تغير عليهم"، وأضاف: "لا يوجد قانون دون سلطة وراءه، ولا توجد سلطة حقيقية حيث لا توجد قوة لفرض الامتثال".

من هنا اعتبر أبوت أنه في حال كانت النساء عاجزات عن الدفاع عن الأمة بالقوة البدنية، فلا ينبغي السماح لهنّ بتحديد سياساتها بالتصويت.

أنصار حق الإقتراع

اعتبر أنصار حق المرأة بالاقتراع أن الحجج الواردة أعلاه غير منطقية على الإطلاق، وسعوا لدحضها باعتبارها خرافات، كما سعت المدافعات عن حق النساء في الاقتراع إلى تبديد مزاعم تدني قدراتهنّ الفكرية بقوة الكلمة، ونشر موجة من الافتتاحيات والمقالات، وإلقاء خطابات في المظاهرات وأمام الكونغرس.

فقد كتبت ماري جونستون، المؤلفة والعضوة المؤسسة في رابطة المساواة في الاقتراع في ولاية فرجينيا، في العام 1910: "عقل المرأة غني باللفائف كما هو الحال مع عقل الرجل، لم لا يكون كذلك؟ أمها أعطتها النصف وأبوها أعطاها النصف الآخر، وخلف هذين الاثنين، هناك رجلان وامرأتان، وخلف هؤلاء الأربعة، هناك أربعة رجال وأربع نساء، وخلف هؤلاء الثمانية، هناك ثمانية رجال وثماني نساء، وخلف الستة عشر، هناك ستة عشر رجلاً، وست عشرة امرأة… هل تعاني المرأة من نقص في القوى العقلية؟ هذا يعني أن أسلافها، رجالاً ونساء، كانوا كذلك".

وبهدف دحض مزاعم ضعفهنّ الجسدي، أشارت النساء إلى الرجال من حولهنّ الذين ليس بوسعهم إنفاذ القانون من خلال قوتهم، سواء كان ذلك بسبب سنهم أو صحتهم، وأشرن إلى رجال أصحاب سلطة، لم تمنعهم بنيتهم الجسدية الضعيفة من الانخراط في السياسة.

وتعليقاً على هذه النقطة، قالت إليزابيث كادي ستانتون، وهي إحدى الأميركيات البارزات في حركة الدفاع عن حق المرأة في الاقتراع، في مؤتمر سينيكا فولز الشهير في العام 1848: "العديد من الرجال أصحاب العقول الخارقة كانوا ضئيلي البنية وضعيفي الجسد".

واللافت أن الخطاب المناهض لحركة الحق في الاقتراع لم يتلاش بعد أن تحقق أسوأ كوابيس سيدجويك، ومنح الكونغرس حق النساء في التصويت في العام 1919، ربما أصبح الخطاب أخف وطأةً في العقود اللاحقة لكن الرواسب بقيت، وبعد قرن من الزمن، لا يزال بعض الناس يعتقدون بأن الأنوثة تشكل عائقاً.

هذا وتساءلت شيريل جورغنسن إيرب، إن كان ثمة خطاب بعينه معروف اليوم هو في الحقيقة مستعار من التقاليد القديمة، وتقول: "من الممتع التفكير فيما إذا كانت أمور حديثة بسيطة مثل (الاستعلاء الذكوري) تستند إلى اعتقاد بعض الرجال بأن النساء أقل لياقة عقلية منهم، أم أنهم فقط يحبون الاستماع إلى أنفسهم بينما يتحدثون".

ماذا عن وضع المرأة في العالم العربي؟

لبنان من أوائل الدول العربية التي منحت النساء حق الاقتراع (1952)، ثم سوريا (1953).

واكتسبت النساء في مصر والصومال وجزر القمر ذلك الحق عام (1956)، ثم تونس (1957)، موريتانيا (1961)، الجزائر (1962)، بعدها جاء دور النساء في المغرب (1963)، ليبيا والسودان (1964)، ثمّ اليمن (1967) الأردن (1974)، العراق (1980)، جيبوتي (1986)، سلطنة عمان (1994)، ثم قطر (1998).

أما آخر الدول العربية التي لحقت بقطار منح النساء حق الانتخاب فهي البحرين (2002)، والإمارات والكويت (2005)، والسعودية (2015).

في حديثها مع موقع رصيف22، أشارت الناشطة ساندرين افرام، إلى أنه في العالم العربي قد لا يكون للمرأة أحياناً فضاءات واسعة من الحرية الشخصية غير المشروطة، سواء كان ذلك في المجال السياسي أو حتى في الحياة الاجتماعية: "لا يزال هناك بعض البلدان العربية التي لا تسمح للمرأة بالتجوّل من دون أن يرافقها والدها أو زوجها أو شقيقها أو قريبها".

وبالنسبة لمشاركة النساء في الحياة السياسية، تحدثت افرام عن الصور النمطية التي تلاحق المرأة بهذا الخصوص، كالزعم بأنها مقيّدة بعواطفها وغير قادرة على إدارة شؤون البلاد: "ينظر المجتمع الذكوري للمرأة على أنها ضعيفة، ويجب أن تبقى في المنزل للاعتناء بالعائلة والأولاد"، مضيفة بأن المجتمعات التقليدية تربط ما بين السياسة والقوة، وتعتبر أن المرأة غير مؤهلة من الناحيتين الجسدية والفكرية لاتخاذ قرارات مصيرية: "ببعض البلدان المرأة ما بيكون إلها وجود أو دور في اللعبة السياسية".

"قد لا تتمكن المرأة من التصويت بحرية، بحيث يجبرها الرجل في بعض الأحيان على التصويت للشخص الذي يريده، فالحلّ ليس فقط بمنحها الحق في الاقتراع إنما بضرورة تثقيفها سياسياً"

وبالرغم من الظلم الذي لحق بالمرأة لعدة سنوات، أكدت افرام أن الوضع حالياً قد تحسن كثيراً بالنسبة للنساء، بحيث حصلت المرأة على بعض الحقوق التي لطالما حرمها المجتمع الذكوري منها، وذلك نتيجة النضال الكبير الذي خاضته النساء المقاومات.

وفي هذا الصدد، أوضحت ساندرين افرام، أن معظم الدول العربية منحت النساء الحق بالتصويت، إلا أن المشكلة تكمن في مصادرة صوت المرأة: "قد لا تتمكن المرأة من التصويت بحرية، بحيث يجبرها الرجل في بعض الأحيان على التصويت للشخص الذي يريده، فالحلّ ليس فقط بمنحها الحق في الاقتراع إنما بضرورة تثقيفها سياسياً"، وأضافت قائلة: "ما فينا بس نحمل راية أنو صار فيها المرأة تصوت كنجاح، هيدي بتبقى مجرد خطوة أولى نحو مشاركتها في الحياة السياسية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard