"خفت من السقوط في بئر الفضيحة"... ابتزاز إلكتروني لضحايا ذنبهنّ أنهن نساء في غزة

الثلاثاء 10 مارس 202001:41 م

حين كانت سلوى محمد (اسم مستعار) في العشرين من عمرها جمعتها علاقة عاطفية بأحد زملائها في الجامعة، لكن عدم قدرة الشاب المالية جعلته ينسحب من حياتها ويُنهي حلمهما بالزواج.

مرت الأيام ثقيلة على قلب سلوى لكن لم يكن باليد حيلة، وما إن طرق بابها شابٌ آخر طالباً الزواج حتى وافقت، ومن بعدها عاشت حياة مستقرة إلى أن تلقّت اتصالاً من حبيبها القديم.

بصوت مرتجف، تقول سلوى: "بعد أربع سنوات من زواجي تفاجأت باتصاله، في البداية كان يسأل عن الحال والأسرة ولمّا أبلغته عدم رغبتي بتلقي اتصالاته مرة أخرى، بدأ ابتزازي من دون أية مقدمات".

كانت البداية، كما تروي سلوى، بإرساله بعض الصور والفيديوهات التي كانا قد التقطاها معاً خلال علاقتهما، ومن ثم بدأ يُهددها بإرسال المواد لزوجها ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، مساوِماً إياها على مبالغ مالية.

تؤكد سلوى أن خوفها من "السقوط في بئر الفضيحة" في مجتمع كالمجتمع الفلسطيني اضطرها لبيع بعض القطع من مصاغها الذهبي ومنح مبتزها ما يُقارب 500 دولار أمريكي، ولتأمن مَكرَه وعدم معاودة ابتزازه لها مجدداً وسّطت بينهما "صديق ثقة"، على حد تعبيرها، أرسلت عبره المبلغ وطلبت أن يقنعه بعد ضغط طويل بعدم الاتصال بها مجدداً.

بموازاة ذلك، قامت هي بتغيير رقم هاتفها المحمول وأغلقت حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي لكي لا يصل إليها مجدداً.

وعند سؤالها عن سبب سكوتها وخضوعها لابتزازه، أشارت إلى أن الصور والفيديوهات بينهما تعكس ارتباطهما العاطفي، ولو رآها الآن زوجها أو أهلها لن تنجو من القتل.

وتختم كلامها: "مرَّ على الحادثة ما يُقارب التسعة أشهر، لم يُعاود خلالها ابتزازي، لكن مشاعر القلق والخوف تُسيطر على حياتي".

"خرجت من التجربة أقوى"

تخرج قصص ابتزاز وخضوع للابتزاز خوفاً من الفضيحة، بين الحين والآخر، لتكشف تفاصيلها حجم الأذى الذي تتعرض له النساء باعتبارهن الفئة الأساسية المستهدفة بالابتزاز الإلكتروني، حيث يقوم الجُناة باصطياد ضحاياهن عبر استغلال علاقات عاطفية سابقة أو عبر اختراق منصات التواصل الاجتماعي أو من خلال شراء أجهزة جوال مستخدمة واستعادة بياناتها بتقنيات خاصة، ومن ثم مساومة الفتاة على المال أو الجنس مقابل عدم نشر الصور أو المحادثات.

هبة (اسم مستعار) هي واحدة من هؤلاء، فعلى مدار يومين متتاليين كانت تتلقى رسائل متنوعة على حسابات مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بها، تحتوي على صور شخصية لها مفبركة على أجساد بألبسة تعتبرها غير لائقة.

تقول هبة إنها تعرضت لضائقة مالية اضطرت على إثرها لبيع هاتفها، لكن لم يمض يومان على ذلك حتى بدأت رحلة ابتزازها من شخص مجهول.

"أدركتُ أن المرسل هو الشخص الذي اشترى هاتفي القديم، وتمكن وعبر تقنية معينة من استعادة كافة صوري وفيديوهاتي، ثم بدأ يهددني بمشاركة الصور مع أسرتي في حال لم أدفع له مبلغاً من المال أو أقبل القيام بعلاقة معه"، تقول هبة.

حاولت الاستغاثة بدائرة الجرائم الإلكترونية في قطاع غزة التي بدأت التحقيق، ومن ثم لم تجد بداً من الحديث إلى والدها. تُخبر هبة: "في البداية عنّفني والدي كوني أحتفظ بصوري على الهاتف، لكنه ما لبث أن احتواني وحاول تهدئتي وتابع الأمر مع الشرطة حتى الوصول إلى المبتز، وكان معي عند مواجهته".

عايشت هبة لحظات قلق عصيبة، لكنها انتهت بخروجها من فخ المبتز بسلام، وتُشير إلى أن التجربة جعلتها أقوى فلم تخجل مما وقعت فيه بل كان فرصة لنشر الوعي بين محيطها الاجتماعي حول خطورة الابتزاز وضرورة عدم الانصياع لرغبات المبتز.

تقول: "لقد نجحنا مع الشرطة في إغلاق حساب المبتز ومعاقبته بالسجن".

صمت الضحية يزيد خطورة الابتزاز

إن كانت هبة قد استجمعت شجاعتها للتبليغ عمّا تتعرض له من ابتزاز، فالكثيرات لا يلجأن إلى الجهات المعنية أو يطلبن المساعدة من الأهل خوفاً من "الفضيحة" وتبعاتها الخطيرة عليهن، أو لعدم ثقتهن في القضاء والقوانين، فيما يبقى الجهد لمواجهة الابتزاز الإلكتروني فردياً يقتصر على بعض المبادرات لمساعدة الفتيات وإكسابهن الجرأة للتبليغ ومواجهة المبتز عبر قنوات القانون أو رجال الإصلاح كلما أمكن.

في هذا السياق، تلفت الناشطة النسوية ومديرة جمعية "الثقافة والفكر الحر" مريم زقوت إلى أن الفضاء الإلكتروني على الرغم من أنه شكّل بوابة للحرية للكثير من الفئات، إلا أنه فتح الباب أمام شكل جديد من أشكال العنف المتمثل بالابتزاز الإلكتروني.

"بعد أربع سنوات من زواجي تفاجأت باتصاله، في البداية كان يسأل عن الحال والأسرة ولمّا أبلغته عدم رغبتي بتلقي اتصالاته مرة أخرى، بدأ ابتزازي من دون أية مقدمات"... قصص تهديد نساء بـ"الفضيحة" في غزة، عبر صور علاقة سابقة أو اختراق وسائل التواصل أو هاتف مستعمل 

وتعتبر زقوت أن ما يزيد خطورة عمليات الابتزاز الإلكتروني هو صمت الضحية وعدم تبليغ الجهات الرسمية، بسبب العقلية الذكورية السائدة والنظرة المجتمعية السلبية التي تضطر معها المرأة التي تتعرض للابتزاز لأحد أمرين كلاهما أقسى من الآخر في تبعاته النفسية عليها: إما أن تستسلم لمطالب المبتز أملاً في حفظ سمعتها وإما تهرب منه باستخدام خاصية الحظر وقد تصل إلى اعتزال الحياة الاجتماعية وأحياناً الانتحار.

وفي إطار العمل على مواجهة الابتزاز الإلكتروني بحق النساء والفتيات في قطاع غزة، تشير زقوت إلى أن الجمعية بدأت عام 2017 بالعديد من النشاطات التي تهدف للتعريف بمخاطر الابتزاز الإلكتروني كالحملات الإعلامية ومنها حملة "صحوة" التي هدفت إلى تعزيز وصول النساء والفتيات إلى الخدمات القانونية وخدمات الدعم والاستشارة بسرية تامة، بالتعاون مع مؤسسات حكومية وأهلية، بشكل مهني وقانوني.

وبحسب زقوت، ساهمت الحملات في رسم مسارات آمنة للنجاة من الابتزاز الإلكتروني عبر إشراكها الشباب في فعاليات التوعية ومنحهم الطرق السليمة والإجراءات الصحيحة للحماية من أي اختراق، إذ بلغ إجمالي الفئات الشبابية التي شاركت في "صحوة" عام 2019 فقط 57730 مشاركاً ومشاركة من النساء والفتيات والشبان في قطاع غزة.

مؤشرات وأرقام

بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الخاصة بمسح العنف في المجتمع الفلسطيني لعام 2019، فإن 8% من النساء المتزوجات حالياً أو اللواتي سبق لهن الزواج تعرضن لأحد أشكال العنف الإلكتروني من قبل آخرين في فلسطين، بواقع 9% في الضفة المحتلة، و5% قطاع غزة، فيما كشفت البيانات أن النسبة تصل إلى 10% لدى الفئة الشابة والتي تتراوح أعمارهن بين 18 و29 عاماً اللواتي لم يسبق لهن الزواج، بواقع 14% في الضفة المحتلة و5% في قطاع غزة.

وفي ما يتعلق بإحصاءات تبليغ النساء عن العنف الإلكتروني، أوضحت البيانات أن أكثر من نصف النساء من كافة الفئات العمرية يُفضلن السكوت وعدم إبلاغ أحد سواء من الأهل أو الشرطة.

وتُشير بيانات المجلس الأعلى للقضاء الفلسطيني في قطاع غزة إلى أن عدد قضايا الابتزاز بلغت خلال العام 2018 حوالي 141 قضية، وتم النظر في غالبية القضايا بواقع 86% والنتيجة إنصاف الضحايا وإيقاع العقوبة على الجناة بالسجن الفعلي والغرامة ومصادرة أدوات الجريمة.

ضرورة مكافحة الابتزاز الإلكتروني

من جانبها، تلفت الناشطة النسوية ومنسقة مشروع "تمكين الشابات والشباب الفلسطيني نحو عدالة جندرية في الفضاء الرقمي" الذي يُنفذه طاقم شؤون المرأة في غزة بيسان أبو جياب إلى ضرورة تعزيز حقوق المرأة في إيجاد بيئة رقمية آمنة تُجنبها الوقوع في وحل الابتزاز الإلكتروني، مؤكدة أن الابتزاز هو الوجه الأقبح للعنف الموجه ضد النساء يسعى خلاله المبتز إلى التلاعب بمشاعر ضحاياه، في ظل عقلية ذكورية تتحكم بالحياة الخاصة للنساء ومجتمع ينظر لأي تهديد يطال المرأة على أنه عار يجب التخلص منه.

بدورها، تؤكد الناشطة المجتمعية والنسوية تهاني قاسم على ضرورة العمل على إيجاد إستراتيجيات لرفع الوعي لدى النساء وإحداث تغيير في البنى الفكرية لرفض العنف بكافة أشكاله وكسر حاجز الصمت وعدم الرضوخ للابتزاز، وذلك من خلال تعزيز الثقة بين الضحايا والمراكز العاملة في مجال المساعدة النفسية والقانونية والاجتماعية بما يُمكنهن من الكشف عمّا يتعرضنّ له.

"ما يزيد من خطورة الابتزاز الإلكتروني هو صمت الضحية وعدم تبليغ الجهات الرسمية، بسبب العقلية الذكورية والنظرة المجتمعية السلبية التي تضطر معها المرأة إما للاستسلام لمطالب المبتز وإما الهروب منه باعتزال الحياة الاجتماعية وأحياناً الانتحار"

وبالتواصل مع مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة في مدينة غزة لمعرفة آلية حماية النساء اللواتي يطلبن المساعدة في قضايا الابتزاز التي يتعرضن لها، توضح قاسم التي تتولى التنسيق الإعلامي فيه أن أول إجراء يُقدمه المركز والمؤسسات النسوية العاملة في القطاع الاستماع إلى شكواهن والعمل على توعيتهن ومنحهنّ نصائح للتعامل مع المبتز والتي تتضمن عدم التحدث معه ومحاولة ضبط الانفعالات وعدم الاستجابة لما يطلبه، بالإضافة إلى الاحتفاظ بكافة المراسلات مع المبتز وروابط حساباته.

وتقول: "خلال ذلك يتم تقديم الدعم النفسي اللازم للسيدة عبر جلسات تفريغ انفعالي وتدريب، وإذا كانت شخصية السيدة غير قادرة على حماية نفسها بمجمل النصائح المقدمة لها نحثها على تقديم شكوى للمباحث ودائرة الجرائم الإلكترونية ومن ثم تتم متابعة الأمر مع الجهات الرسمية وتوفير الحماية لمن وقعن في مصيدة الرجال لحين تخليصهنّ من الابتزاز الذي تعرضنّ له".

ويدعو مدير المصادر الفنية في دائرة مكافحة الجرائم الإلكترونية في المباحث العامة في غزة الرائد حسن أبو سعدة الضحايا من النساء إلى ضرورة التبليغ وعدم الارتهان لمشاعر الخوف والقلق التي يُحاول المبتز إيقاعها على أنفسهن، مؤكداً أن عدم التبليغ قد يجر إلى التورط في مصائب أكبر لا تُحمد عقباها سواء على المرأة أو على أسرتها ومحيطها الاجتماعي.

على الرغم من إنشاء السلطة الفلسطينية عام 2016 نيابة مكافحة الجرائم الإلكترونية في فلسطين، واستحداثها قانون الجرائم الإلكترونية عام 2018، إلا أنهما لا يسريان في قطاع غزة بحكم الانفصال السياسي. 

ويطمئن أبو سعدة أن مختصي الدائرة يتعاملون بسرية تامة مع البلاغات المقدمة، بدءاً من المتابعة والتحري والمعالجة وصولاً إلى معاقبة مرتكب الجُرم وفقاً لأحكام القانون المطبق في قطاع غزة.

قصور القوانين واختلافها

على الرغم من إنشاء السلطة الفلسطينية عام 2016 نيابة مكافحة الجرائم الإلكترونية في فلسطين، واستحداثها قانون الجرائم الإلكترونية عام 2018، إلا أنهما لا يسريان في قطاع غزة بحكم الانفصال السياسي، إنما ما يُنفَّذ في القطاع هو خليط من الأحكام المستقاة من قانون العقوبات وغيره.

ويوضح المحامي والباحث القانوني في "الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان" في غزة محمد سرور أن التعامل القانوني في قطاع غزة مع جرائم الابتزاز الإلكتروني يقوم على تطبيق قانون العقوبات الفلسطيني رقم (3) لعام 2009 بعد تعديل المادة (262) منه والتي تقضي بالحبس لمدة عام كامل لمن يُسيء استخدام الإنترنت ووسائل التكنولوجيا الحديثة، ويعمد من خلالها إلى تنفيذ عمليات ابتزاز بحق الأفراد أو يستخدمها في ترويج أو نقل أو طبع أو نسخ مواد إباحية لإزعاج الغير، مؤكداً أن تلك العقوبة لا تكون كافية لردع المبتزين وأحياناً لا تتناسب مع الضرر الذي يُحدثه المبتز في حياة الضحية.

ويطالب سرور بضرورة تجنيب القضاء المناكفات السياسية والعمل على تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية المُسَن عام 2018 في الضفة المحتلة وقطاع غزة معاً، باعتباره يُحقق الردع ويحد من انتشار هذه الظاهرة خاصة أنّه أقر عقوبة جريمة الابتزاز والتهديد بالسجن الذي يصل حد الأشغال الشاقة المؤقتة، مع الغرامة المالية التي تتراوح بين ألفين وخمسة آلاف دينار أردني، إذا كان الأمر خادشاً للشرف أو الاعتبار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard