من الثورة إلى الكورونا… لبنان بلد العجائب

الثلاثاء 10 مارس 202002:08 م

لطالما كان لبنان بلداً مختلفاً جداً عن جيرانه ومحيطه العربي، لكن، أبان الزمن الجميل كان ذلك الاختلاف فعلاً "جميلاً"، إنما اليوم أصبح مجنوناً، إن صح التعبير.

في 17 تشرين أول/ أكتوبر 2019، قرر الشعب اللبناني النزول الى الشارع تعبيراً عن رفضه لسياسات حكومته ودولته وقراراتها، ومصراً على إسقاطها سلمياً وحضارياً، فكان له ما أراد حينما قدم الرئيس سعد الحريري استقالته، وبعد ذلك طالب بإسقاط كل رموز الحكم ورجال الدولة، إلا أن ذلك لم يحدث، حيث لازم كبار رجال الدولة مناصبهم مستهترين وغير مبالين بمطالب الشعب، وهنا تحول حراك الشارع وسمى نفسه بـ"الثورة"، وشهدت المناطق اللبنانية استعراضات وابتكارات "ثورجية" لا مثيل لها في العالم، دون أن يكون لها أي تأثير على الدولة ودون تحقيق أدنى مطالب الشعب، ولدى سؤال المراسلين الميدانيين لـ"الثوار" عما يقومون به، يأتي الجواب: ثورتنا سلمية.

عند المسلمين هناك دعوات لصلوات الجماعة، ووجد المسيحيون في تراب القديس مار شربل علاجاً وشفاء ووقاية، وبما أننا تحترم جميع الأديان والمعتقدات، نشدد ونثمن ما قام به رجال الدين من حملات توعية وخطابات من على منابرهم، بضرورة الاحتكام إلى العلم والطب بالدرجة الأولى

منطقياً ولغوياً لا تتوافق الكلمتان (ثورة – سلمية) فلم يعرف العالم بتاريخه "ثورة سلمية"، حتى التحركات التي كان يقوم بها الثوار ليلاً ضد بعض المصارف، أو في الساحات العامة أو قطع الطرقات على الناس، فهذا إن دل على شيء فهو يدل على سوء تخطيط أو الخوف، فكيف يمكن لكم أن تؤثروا على الدولة حين تعتصمون منتصف الليل أمام المصرف المركزي على سبيل المثال، وحاكمه وموظفوه في بيوتهم سالمين يسخرون منكم، لتعود الحياة إلى طبيعتها مع ساعات الصباح الأولى، وكيف تكتفون بقطع الطرقات تاركين مرافق الدولة، كالمرفأ، المطار وشركة الكهرباء؟ لن تحصلوا على مطالبكم إلا بالتأثير على مرافق الدولة الحيوية.

قد يرد البعض على الأمر أن زعران الأحزاب يقفون لهم بالمرصاد ويمنعونهم وأن الثورة قدمت بعض الشهداء، نعم نحترم ونجلّ ونقدر ونؤيد تضحيات الشهداء، لكن الثورة الناجحة بحاجة لتضحيات ومخاطرة أكبر، وكيف لنا أن نصدقكم حينما ثرتم يوم كان سعر صرف الدولار 1600 وتوقفتم واليوم سعر الصرف قارب الـ 3000 ليرة؟

رغم صدور قرار من وزير السياحة بوقف وإلغاء الحفلات في المطاعم والملاهي، ليأتي رد الناس لدى سؤالهم عن الوقاية: "نحنا شعب منحب الحياة"... إن كنتم فعلاً تحبون الحياة فعليكم بأخذ الحيطة والحذر للبقاء على قيد الحياة

في اليومين الماضيين، أعلن وزير الصحة اللبناني، أن فيروس كورونا المستجد قد انتشر في البلاد، الأمر يبدو طبيعياً جداً في ظل تعاطي الدولة والمواطنين مع الأمر بسخافة واستهتار.

بالنسبة للدولة، فهي لم تكلف خاطرها باتخاذ أي إجراء احترازي للحد من انتشار الفيروس، تاركة حدودها مشرعة وميناءها الجوي مفتوحاً للقادمين من أرجاء العالم، خاصة إيران، المصدر الأساسي لوصول الكورونا إلى لبنان، كما وحدث اليوم أمر يدعو للسخرية، حينما قامت دول الخليج العربي بحظر السفر من وإلى لبنان، فبادلها لبنان بالمثل، فكأن الدولة تنتظر غيرها ليحظرها لترد له ذلك، خوفاً من استيائه إن قام لبنان بالحظر أولاً.

أما الشعب اللبناني فتراه يبث الأخبار ويثير القلق والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن على أرض الواقع الأمر خطير: زحمة سير على الطرقات، عجقة مواطنين في الشوارع والمقاهي، والمنتجعات السياحية ممتلئة بالرواد اللبنانيين، رغم صدور قرار من وزير السياحة بوقف وإلغاء الحفلات في المطاعم والملاهي، ليأتي رد الناس لدى سؤالهم عن الوقاية: "نحنا شعب منحب الحياة"... إن كنتم فعلاً تحبون الحياة فعليكم بأخذ الحيطة والحذر للبقاء على قيد الحياة.

من جهة أخرى لاحظنا أن جميع دول العالم المتقدمة والمتخلفة، قامت بتسخير علمائها وأطبائها لإيجاد علاج فعّال لفيروس الكورونا والقضاء عليه، لنتفاجئ بأن هناك فئة كبيرة في لبنان قد لجأت إلى الأمور الروحانية أو الدينية، فعند المسلمين هناك دعوات لصلوات الجماعة والعلاج بالقرآن الكريم، ووجد المسيحيون في تراب القديس مار شربل علاجاً وشفاء ووقاية من الفيروس، ومن يسمون أنفسهم بخبراء الأعشاب اكتشفوا أن الثوم مع الحامض واليانسون يقي ويشفي من الكورونا، وبما أننا تحترم جميع الأديان والمعتقدات، نشدد ونثمن ما قام به رجال الدين من حملات توعية وخطابات من على منابرهم، بضرورة الاحتكام إلى العلم والطب بالدرجة الأولى.

أخيراً لا يسعني سوى القول بأن لبنان لم يعد "سويسرا الشرق"، بل بات بلداً عجيباً غريباً، لا حل لمحنته على المدى البعيد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard