"العواقب مدمرة "… من هم الرابحون والخاسرون في معركة الذهب الأسود؟

الاثنين 9 مارس 202007:00 م


فيروس كورونا، الذي ظنه الناس في البداية مرضاً عابراً، عطّل الآلة الصناعية العالمية، وأوقف حركة الملاحة الجوية والسفر على الطرق، وهذا ما وضع دول الخليج التي تعتمد على النفط في أزمة خانقة، إذ انخفضت أسعار النفط، الاثنين 9 آذار/مارس إلى 30 دولاراً. ومن المتوقع أن تتهاوى إلى 20 دولاراً في الأيام المقبلة.

وفقاً لخبراء كثر، فإن دول الخليج ستتعرض لعجز كبير في موازنتها، لكن ستحقق الدول المستوردة مثل مصر ولبنان والسودان وتركيا أرباحاً تنعكس إيجاباً على الخدمات المقدمة للمواطنين.  

بداية أزمة هبوط أسعار النفط

هبطت أسعار النفط في ظل تراجع الاستهلاك، فطلبت السعودية - ثالث أكبر منتج لهذا النوع من الطاقة - من روسيا التي تعدّ ثاني أكبر منتج، خفض الإنتاج حتى يحدث نقص في السوق، فترتفع الأسعار مرة أخرى.

لكن روسيا رفضت خفض إنتاجها البالغ نحو 11 مليون برميل يومياً، فردت السعودية بالإعلان عن زيادة إنتاجها حتى بلغ قرابة 10 ملايين برميل.

لذا بدأت، بحسب خبراء الاقتصاد، "حرب الحصص"، أي زيادة الدول المنتجة حصتها في السوق، وخفض الأسعار من أجل جذب المستهلكين لشراء الحصص المعروضة.

دبلوماسي أمريكي عن حرب النفط الحالية: "هناك عواقب مدمرة ومزعزعة لاستقرار دول مثل فنزويلا وإيران". ماذا عن الكويت وعمان والإمارات؟

وأعلنت السعودية تخفيضات للمستهلكين في آسيا، التي تعد سوقاً رئيسية، بمقدار ستة دولارات للبرميل. كما وخفضت أسعار النفط للولايات المتحدة بمقدار 3.75 دولار للبرميل، ولشمال غربي أوروبا بمقدار 10.25 دولار للبرميل.

عليه، سيشتري المستهلكون النفط بهذه الأسعار ويخزنونه حتى يعود النشاط الاقتصادي إلى طبيعته.

لماذا رفضت روسيا طلب السعودية؟

عام 2014 اتفقت روسيا ومنظمة أوبك، وهي المنظمة التي تمثل الدول المنتجة للنفط، على خفض الإنتاج حين يكون هناك تراجع في الأسعار.هذا الاتفاق لم يشمل الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت أكبر منتج للنفط (13 مليون برميل يومياً).

ترى روسيا أنها حين تخفض الإنتاج إلى أقل من 11 مليون برميل ترتفع الأسعار. لكن المستفيد الأكبر هو أمريكا التي تبيع نحو 13 مليون برميل، ومن الممكن أن تزيد الكمية، وتستغل تراجع إنتاج موسكو حتى تستحوذ على أسواق وعقود جديدة.

ووفقاً لوكالة بلومبيرغ ، فإن موسكو تريد أن تتراجع أسعار النفط من أجل الضغط على الأمريكيين الذين زادوا إنتاج النفط الصخري، بينما أبقت الشركات الروسية نفطها في الآبار امتثالاً لاتفاق خفض الإنتاج مع أوبك.

في سياق متصل، قال رئيس معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو ألكسندر دينكين: "قرر الكرملين التضحية بالاتفاق مع أوبك لوقف ازدياد إنتاج الصخر الزيتي في الولايات المتحدة".

وأضاف في تصريح لوكالة بلومبيرغ: "هذا القرار ردّ من موسكو على واشنطن التي وقفت أمام مشروع "نورد ستريم" لنقل الغاز الروسي نحو ألمانيا".

وقال دينكين: "قد يكون هناك اضطراب مع السعودية، وهو أمر محفوف بالمخاطر، لكن هذه هي إستراتيجية روسيا الحالية". 

 من الرابح في معركة النفط؟

من الصعب معرفة من سيكون الرابح في هذه الحرب الثلاثية (السعودية وروسيا وأمريكا)، فلدى كل طرف حسابات مختلفة، كلها تستهدف الإضرار بالمنافس، وتالياً فالذي يستطيع الصمود وتحمّل أضرار أقل ينتصر.

تعتمد إستراتيجية السعودية على أن تكلفة إنتاج النفط لديها أقل من روسيا وأمريكا، لذلك حين تبيع سلعتها بسعر منخفض تقلل خسائرها وتستحوذ على السوق.

قال الدكتور عبد الله الشايجي: "في حرب نفطية وعض أصابع، ردت السعودية الصاع صاعين بخفض أسعار نفطها 20% لآسيا وزيادة الإنتاج حتى تجاوز 10 ملايين برميل يومياً في نيسان/أبريل، وهذا ما أرهق روسيا التي كانت تراهن على خفض الأسعار لإفلاس النفط الصخري الأمريكي".

وبعد قرار خفض الأسعار، بدأ مغردون سعوديون نشر أغانٍ  ساخرة، يقول مطلع إحداها "يا روسيا أنتِ ما قد السعودية".

إلا أن الخبراء يرون أن هذه السياسة أيضاً تستهلك الكثير من نفط السعودية، ولن تحقق أرباحاً كبيرةً، بل تزيد عجز الموازنة البالغ 50 مليار دولار.

وسيمثل ارتفاع عجز الموازنة انتكاسة كبيرة لرؤية 2030 التي أعلنها ولي العهد محمد بن سلمان، ولا سيما بعدما علقت الرياض توافد الحجاج إلى مكة.

أما لدى روسيا، فإن تكلفة الإنتاج أعلى من تكلفة الانتاج لدى السعودية. عدا أن موازنتها تعتمد كثيراً على النفط في ظل العقوبات الأمريكية والأوربية على خلفية الأزمة الأوكرانية. لكنها قررت التضحية لأنها ترى أن قبول الاتفاق مع أوبك منح الأفضلية لواشنطن التي تضيّق الخناق على شركاتها.

وأعلنت وكالة فيتش أن انخفاض أسعار النفط قد يؤدي إلى عجز موازنة روسيا وهبوط قيمة العملة.

صراع بين السعودية وروسيا وأمريكا يخفض أسعار النفط إلى 30 دولاراً، ويضع دول الخليج أمام نكبة اقتصادية. من أعلن حرب النفط؟ ولماذا؟

في أمريكا، يبدو أن الرابح هو الرئيس دونالد ترامب الذي وعد الناخبين بخفض أسعار النفط ، لذلك هو الأكثر سعادةً بهذه الحرب في ظل صراع الانتخابات الرئاسية.

لكن على المدى البعيد، ستكون الولايات المتحدة الأكثر تضرراً لأن انتاج النفط الصخري فيها مرتفع التكلفة. لذلك تتوقع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن تتوقف الشركات عن ضخ استثمارات جديدة في مشروعات إضافية لأن التكلفة ستكون أعلى من العائدات.

نكبة لدول الخليج؟

يبدو أن هذه الحرب أزمة حقيقية للدول المنتجة في الخليج مثل الكويت وسلطنة عمان والإمارات، بالإضافة إلى إيران والعراق، إذ ستتعرض لخسائر كبيرة في موازنتها، ويواجه بعضها أزمة اقتصادية ويستمر بعضها الآخر في التصدي لمزيد من الأزمات.

في الإطار نفسه، تراجعت بورصة الكويت، الاثنين 9 آذار/مارس، بنسبة 9.5 %، وهذا ما اضطر السلطات المالية إلى وقف التعاملات فيها، بينما سجل مؤشر سوق دبي انخفاضاً بنسبة 9 %، وتراجع مؤشر سوق أبوظبي بنسبة 7.1 %.

وانخفض مؤشر سوق عمان بنسبة 2.8 %، وسوق قطر بنسبة 6 %.

وفي وقت سابق من الشهر الماضي، حذّر صندوق النقد الدولي  دول الخليج، التي تعتمد على إيراداتها النفطية، من أن ثرواتها ستتلاشى خلال 15 عاماً، مع تراجع الطلب العالمي على النفط وانخفاض الأسعار.

وقال الصندوق في دراسة عن "مستقبل النفط والاستدامة المالية" في المنطقة: "في الموقع المالي الحالي، قد تُستنزف ثروة المنطقة المادية بحلول 2034"، إذ لا تملك دول الخليج، التي لطالما اعتمدت على النفط، الذي كان له الفضل في إثرائها طوال بضعة عقود، أي خيار سوى تسريع الإصلاحات الاقتصادية وتوسعتها، تجنباً لأن تصبح مقترضة.

ووصلت ديون حكومات دول مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 501 مليار دولار، عام 2019 مقابل نحو 100 مليار دولار عام 2014.

وفي الكويت، نقل خبراء اقتصاديون أن البنك المركزي قرر تأجيل الأقساط الشهرية والدفعات الائتمانية للأفراد والشركات الصغيرة والمتوسطة والعقارية والتي لها أثر مباشر في النشاط الإقتصادي، شهرين على الأقل.

وقال الخبير الاقتصادي فواز الحصينان إن قرار البنك المركزي أولى الخطوات الحكومية لدعم الاقتصاد المحلي، مشيراً إلى أن الكساد سيكون له أثر إجتماعي خطير وقاسٍ.

وأشار الدبلوماسي الأمريكي السابق ألبيرتو ميغيل فرنانديز إلى أن استمرار هذا الأمر سيسفر عن ارتدادات صعبة على السعودية وروسيا والولايات المتحدة".

وأضاف: "لكن من المحتمل أن تكون العواقب مدمرة لاستقرار مجموعة من الأنظمة الدكتاتورية من فنزويلا إلى إيران".

هل هناك مكاسب؟

 على مقلب آخر، رأى خبراء أن بعض الدول (منها مصر وتركيا ولبنان) التي تستورد النفط ستحقق مكاسب كبيرة، وتخفض من العجز في موازنتها وتقلل سعر بيع البنزين للمواطنين.

وأكد الخبير الاقتصادي المصري خالد الشافعي أن لجنة تسعير الوقود في مصر خفضت الأسعار على الاقل 5% بسبب هبوط الأسعار العالمية للنفط.

وقال لرصيف22: "مصر على سبيل المثال وضعت سعر برميل النفط في الموازنة العامة بـ 68 دولاراً، والآن تشتري نفطها بسعر يراوح بين 25 و45 دولاراً".

وأضاف: "المواطن العربي في الدولة المستهلكة سيكون مستفيداً من تحقيق وفرة في الموازنة العامة للدولة. والعكس صحيح، إذ سيكون مواطنو الدول المنتجة أمام انخفاض في الموازنة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard