في سبيل إنقاذ الحلم الديموقراطي... البيت والمدرسة أولاً

الاثنين 9 مارس 202005:14 م

نهاية التاريخ باتت قريبة، حتى لو لم تبدُ مكلّلة بالديموقراطية، كما نصّت من قبل، نصف نبوءة فوكوياما، فخطر الاحتباس الحراري يحيق باستمرارية الحياة، وعجلة الاقتصاد العالمي على موعد مع سلسلة زلّات وتباطؤات، فيما صعود الهوياتية السياسية يسعّر خطاباً يستغلّ الخوف، يحضّ على الانعزالية، يقوّض ثمرات العولمة، يعمّق الصدوع ضمن المجتمعات ويؤجج النزاعات بين البلدان المجاورة والبعيدة.

بالنسبة لجيل عريض امتد من ستينيات القرن الماضي إلى تسعينياته، ظلّت الديموقراطية بمثابة الحلم بالحرية والوعد بالتنمية، نظر إليها على أنها المفتاح لإحقاق العدل بين الناس، والمنهاج لتمثيل المواطنين على اختلافهم في صناعة القرار السياسي، والمرصاد الذي يسلّط القانون وأقلام الصحافة على أجهزة الدولة الرسمية، ويكفل محاسبة مؤسساتها الدستورية والتنفيذية.

الديموقراطية إذن هي الحل، حتى أنه وفق رصد إحصائي، فإن عدد الديموقراطيات حول العالم ارتفع من اثنتي عشرة، منتصف القرن العشرين، ليزيد عن خمس وثمانين نهاية الألفية المنصرمة، أما بالنسبة لجيل العبور بين القرنين، الذي نشأ وكبر في دول اعتنقتها وسارت على نهجها، تأسست الديموقراطية كثقافة مجتمعية، وتجذّرت بممارسة يومية، سواء في المدارس والجامعات، في المنظمات والنقابات، وعلى أبواب مراكز الاقتراع عند حلول مواسم الانتخابات.

في المنطقة العربية، وعلى مدى العقود الثلاثة الأخيرة، بعدما مُنيت ديكتاتورياتها بشرور الهزائم، وحال فسادها واستبدادها دون ازدهار شعوبها، أخذ التقدميون من المثقفين وقطاعات واسعة من الشباب يرنون إلى الديموقراطية سبيلاً نحو النهضة، وشعاراً في مواجهة الطغيان على جبهة، والمصالح الامبريالية والاحتلالات الاسرائيلية على جبهة أخرى موازية، حال من الغليان دفع أخيراً بغطاء القِدْر، ليعبر وينتشر من بلد إلى بلد، يطيح بزعيم ويقارع آخر.

بيد أن الريح تبدو اليوم كما لو أنها تهبّ في اتجاه مغاير، حاملة معها سحباً كالحة باتت تحجب الشمس التي أضاءت الآمال، وإذا بالحلم يمسي بعيد المنال، والطوباوية التي تطلّعت نحوها الأجيال تتبدد سراباً على سطوح الرمال، تحركها التحولات العميقة داخل الديموقراطيات الراشدة والوليدة، والتبدّلات في ملامح الاقتصاد المعولم، إضافة إلى التحوّلات على صعيد المشهد العالمي الجديد.

تبدو الريح اليوم كما لو أنها تهبّ في اتجاه مغاير، حاملة معها سحباً كالحة باتت تحجب الشمس التي أضاءت الآمال، وإذا بالحلم يمسي بعيد المنال، والطوباوية التي تطلّعت نحوها الأجيال تتبدد سراباً على سطوح الرمال

تعد الطبقة الوسطى الرافع الاجتماعي للنظام الديموقراطي، القائم بالأساس ليس على الاتفاق وإنما على التوافق، وليس على منع الخلاف وإنما إدارته؛ بتشكيل مجال ما بين - شخصي تشغله الوسطية السياسية، وتصونه آليات تداول السلطة، تحميه المؤسسات الدستورية والقضائية، فيما تشرف عليه وتدعو له نخب مجتمعية حقوقية وصحفية وفكرية، حزبية وعابرة للحزبية، تؤثر بالفضاء العام في إطار التعددية.

الطبقة الوسطى التي كبرت وتوسّعت في الغرب بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم في عموم الأرض بعد انقضاء الحقبة الاستعمارية، طالتها أزمات وألمت بها محن متعاقبة، بدءاً بمساعي لبرلة الاقتصاديات الكبرى منتصف السبعينيات واعتماد القطاع المالي والمصرفي العابر لسيادة الدول، مروراً بهجرة رأس المال الصناعي نحو اليد العاملة الرخيصة، وصولاً إلى الأزمة المالية نهاية العشرية الأولى من القرن الحالي.

بالنتيجة، استُقطبت الطبقة الوسطى بين قاع الفقر والفاقة وقمة الغنى والثراء. وإن كانت الغالبية إلى القاع أقرب، وفي الانحدار أهرع وأسرع. من بقي لجأ إلى الهجرة الداخلية والخارجية من الجنوب نحو الشمال ومن الشرق إلى الغرب، من الهوامش إلى المتون، ومن الدواخل إلى السواحل، من الأوابد الصناعية إلى المراكز التجارية، ومن الأرياف المحلية إلى الحواضر الكوزموبوليتية.

أخلّ الاستقطاب بعامل التوافق، وأخضع الوسطية السياسية إلى شد وجذب، مقابل استشراء القبلية الحزبية وبزوغ التيارات الشعبوية التي معاشها النقمة على المؤسسة التقليدية، وقوت يومها اللامبالاة والكلبية إزاء آليات تداول السلطة. اتجه اليمين يميناً وانحرف اليسار يساراً، ليس في أوروبا وأميركا الشمالية وحسب، وإنما أيضاً في آسيا وأميركا الجنوبية، حتى صار التطرّف السمة العامة والتعصّب العارم الصفة الغالبة الجامعة.

في شرق أوروبا، عقب الحرب الباردة، لم تصل الثقافة الديموقراطية العمق الذي بلغته في غربها، علاوةً على نزيف الطبقة الوسطى والنخب صوب الغرب، مرّ الانتقال من الشمولية الاشتراكية الرثة إلى الليبرالية الرأسمالية الغضة عبر قناة الزبائنية، التي نمت في تربة الفساد وعلى تراتبية السلطة، لتؤول الدولة مسخاً كالقنطور: رأس يتحرك بالاقتراع والدعاية الانتخابية، فيما حافظ الجذع والقوائم على قوامه الأوليغارشي في القبض على السلطة والمال.

كلٌّ من اللبّ الزبائني والقشرة التعددية أنتجا شعبوية رجعية تنشد زعيماً يعيد العزّة إلى الشعب بعد طول مذلّة أمام الغرب، لا تمانع في استبداده واستبقائه، ولا ترى في النهج الديموقراطي سوى نظير عقائدي وظهير للهيمنة الأميركية. لذا وقفت روسيا سداً منيعاً في وجه مخرجات الربيع العربي والحراك في أوكرانيا، بينما تعمل حكومة يمينية في هنغاريا منهجياً، على الإمساك بالصحافة، تعطيل عمل الآليات الحقوقية وكسر شوكة منظمات المجتمع المدني.

من شرق الغرب إلى شرق العالم، وكمن يعرض البديل الناجع لديموقراطية لطالما رآها قادتها دخيلة وعاثرة، تبرز الصين بإحيائها للدولة الحديثة كما نظّر لها ماكس فيبر، والقائمة على البيروقراطية، العقلانية واللاشخصية، جاعلة سيادة الدولة فوق سيادة القانون، وحرية التجارة بديلاً عن الحريات العامة. إنها إذن، كسائر الدول النافرة على الخارطة الإقليمية والدولية، من الفلبين إلى البرازيل مروراً بتركيا، تبحث لها عن هوية سياسية محلية، بحاكم واحد، حزب واحد أو دينٍ واحد، المنتج واحد: دولة رأسمالية منزوعة الحرية.

لن يُصلِح أي نظام سياسي بين الناس إن لم ترتق الناس، لذا، التربية الديموقراطية في البيت والمدرسة، قبل الممارسة الديموقراطية في المجلس والبرلمان، هي ما يمد الحلم بالحياة، والحياة بالحلم، دَنَت نهاية التاريخ، أم تأخرت

فضلاً عن ذلك، وللمفارقة التطورية، فإن ديموقراطية الإنترنت أخذت تشلّ ديموقراطيات الدول، بإطلاقها العنان لعشوائيات إعلام بديل عن مؤسسات الرأي التي مكّنت سبل التوجيه الديموقراطي طوال خمسة عقود، فإذا بالنخب تغيب عن عامة الشعب. من جهة أخرى، تساهم التكنولوجيا في تأسيس أجهزة دعاية فاعلة ومنظومة رقابة طائلة، تعتمد جمع البيانات وتسليح اللوغاريتمات، ما يتيح للشموليات الرأسمالية الصاعدة صناعة الولاء وإحكام القبضة على الأفراد.

الديموقراطية إذن، في أفضل الأحوال، أمام أزمة. قَرْنُها بالرأسمالية، ثم التبشير بها عقيدة تحت شعار العالمية تارة، وتارة إملاؤها على الشعوب بالغلبة العسكرية، جعل من صورتها لدى الكثيرين مجرد صادرة كولونيالية، فيما العالم يعيد تشكيل نفسه خارج زمن القطبية الغربية، معين إلهام فوكوياما. فالعالمية اليوم قد أمست عالميات، بحسب تعبير المفكّر بيتر كاتسنشتاين، وحرية مرور التجارة وتدفق المعلومات بات يملأ قلوب البشر بالخوف من الحرية.

شكّك أفلاطون وتلميذه أرسطو، منذ البدايات، في القدرة على إدارة الخلافات ضمن نظام يكفل للجميع الحرية والعدالة والأمان؛ الديموقراطية الحديثة لعلها الأقرب إلى بلوغ تلك الضالّة، هذا لا يعني أن تظل معصومة، وإنما أن تبقى معروضة على الخطأ والصواب، ومفتوحة على النقد والاجتهاد. في المقابل، لن يُصلِح أي نظام سياسي بين الناس إن لم ترتق الناس، لذا، التربية الديموقراطية في البيت والمدرسة، قبل الممارسة الديموقراطية في المجلس والبرلمان، هي ما يمد الحلم بالحياة، والحياة بالحلم، دَنَت نهاية التاريخ، أم تأخرت.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard