الأدوات والأساليب النقدية في تأويل وفهم الحكايات... كيف نحلل الحكاية؟

الاثنين 16 مارس 202004:15 م


في كتابه "كيف نحلل الحكاية؟ التراث والتأويل في النقد العربي الحديث"، يغوص المؤلف عبد الستار جبر، في أعمال الناقد والباحث المغربي عبد الفتاح كيليطو، صاحب: "الأدب والغرابة"، "العين والإبرة"، "دراسة في ألف ليلة وليلة"،" الحكاية والتأويل"، " الغائب، دراسة في مقامات الحريري" و"الكتابة والتناسخ"، بغاية استكشاف الأساليب والمناهج النقدية التي اتبعها في الوصول إلى رؤية واضحة لتحليل النصوص الأدبية، وخصوصاً الحكايات الكلاسيكية التي اهتم بها كيليطو، ليقدم هذا الكتاب خريطة واضحة وممنهجة لأية قارئ أو ناقد راغب في تعميق أدواته النقدية وقدراته التحليلية للنصوص الأدبية.

تحديد النوع الأدبي للنص أو الحكاية

الخطوة الأولى لتعامل القارئ أو الناقد مع أي نص مكتوب هي إيلاء العناية بالنوع الأدبي للنص الموجود أمامه، فالنوع بمعنى "شعر، مسرح، رواية، قصة، مقامة وغيرها"، يفرض على القارئ والناقد محددات واضحة في طريقة التلقي وأسلوب القراءة والتحليل. ينبغي إذن، إيلاء دراسة الأنواع الأدبية أهمية خاصة، ولاسيما خصائصها أو بناها الأسلوبية، ذلك لأن كل نوع تقريباً، يختص بأسلوب معين في الكتابة، فالنوع هو مجموعة السمات التي تتشاركها مؤلفات عدة، أي أن النوع يتشكل من نصوص تشترك بخصائص أسلوبية متقاربة.

إن تعريف النوع الأدبي يقترب من تعريف العلامة اللغوية لدى دي سوسير، فالنوع يتحدد، قبل كل شيء، بما ليس وارداً في الأنواع الأخرى، وهذه ملاحظة منهجية جديرة بالانتباه لكل دارس أو باحث أدبي. في كتابه "الأدب والغرابة" يرى كيليطو أن النوع يتكون "عندما تشترك مجموعة من النصوص في إبراز نفس العناصر"، بمعنى أن تكون لها عناصر مشتركة.

وانطلاقاً من أهمية تصنيف النصوص الأدبية، أولى كيليطو عناية كبرى لتصنيف النصوص الكلاسيكية العربية، فعمل على إيجاد الخصائص المميزة لنوع "التراجم أو السيرة الذاتية"، ومن بعدها اهتم بنشأة نوع "المقامة" وطبيعتها وسماتها الشكلية والمضمونية، وفحص النصوص التي تنتمي إليها أو تجاورها أو تقاطعها، أو تلك التي تشترك معها في الخصائص الأدبية، ويعتمد في ذلك على الخصيصة البنيوية للنوع.

يرى كيليطو أن سوء الفهم أو سوء القراءة الذي يقع فيه الباحثون المعاصرون هي اعتمادهم نسقاً حديثاً في القراءة أو إطلاق أحكام على نصوص قديمة، ترتكز على نسق مخالف، لذا يحذر من مغبة الحكم على نصوص كلاسيكية بمعايير عصرية، بل يجب دراستها لذاتها

وفي اهتمامه بتصنيف الأنواع لما تتيحه من مفاتيح لقراءة النصوص وفهمها، ولاسيما الكلاسيكية منها، رأى كيليطو ضرورة إعادة تصنيف الأنواع من جديد، كضرورة منهجية تقتضيها متطلبات البحث الأدبي في مجال النصوص الكلاسيكية العربية، وهذا ما دفعه لاقتراح تصنيف خاص، يستند لتحليل علاقة المتكلم بالخطاب، أي بمسألة إسناد الخطاب، وما يترتب عليه من أنماط خطابية. وقد حددها في أربعة أنماط هي:

- المتكلم يتحدث باسمه: الرسائل، الخطب، العديد من الأنواع الشعرية التقليدية.

- المتكلم يروي لغيره: الحديث، كتب الأخبار.

- المتكلم ينسب لنفسه خطاباً لغيره.

- المتكلم ينسب لغيره خطاباً يكون هو منشئه.

اختيار الرؤية والمنهج النقدي

الخطوة الثانية في عملية تحليل الحكاية، وبعد الخطوة الأولى التي هي العناية بالنوع الأدبي للنص الموجود أمام الناقد، لابد من تحديد المنهج النقدي الذي يرغبه الناقد أو القارئ الدارس، لكن هنا يجب الانتباه لئلا يكون المنهج النقدي مفروضاً على النص، أي ألا يطبق منهج هيكلي قسرياً على النص، بل وكما كتب محمد عابد الجابري: "إن طبيعة الموضوع هي التي تحدد نوعية المنهج".

فمثلاً، وعلى الرغم من أن كيليطو استثمر معطيات غربية عديدة في معالجته للنص التراثي العربي، فقد اقتصرت استعارته على ما يمكن أن يساعده في الاقتراب من النص، معاينته عن كثب واكتشاف خصوصيته، وقد صهر ما استعاره، فضلاً عما استخرجه من معايير نقدية قديمة، في بوتقة واحدة، حولها أداة فاعلة لتحليل النص التراثي.

يجب  ألا يطبق منهج هيكلي قسرياً على النص، بل وكما كتب محمد عابد الجابري: "إن طبيعة الموضوع هي التي تحدد نوعية المنهج". فمثلاً، وعلى الرغم من أن كيليطو استثمر معطيات غربية عديدة في معالجته للنص التراثي العربي، فقد اقتصرت استعارته على ما يمكن أن يساعده في الاقتراب من النص، معاينته عن كثب واكتشاف خصوصيته، وقد صهر ما استعاره

يؤكد البروفيسور العراقي عبد الله إبراهيم، أن أية قراءة نقدية تقوم على ركيزتين أساسيتين هما: "الرؤية التي يصدر عنها موقف الناقد، والمنهج الذي يتبعه لتحقيق الأهداف التي يتوخاها من قراءته، فالرؤية هي خلاصة الفهم الشامل للفعالية الإبداعية، أما المنهج فهو سلسلة العمليات المنظمة التي يهتم بها الناقد، وهو يباشر وصف النصوص الأدبية وتنشيطها واستنطاقها، شرط أن يكون المنهج مستخلصاً من آفاق تلك الرؤية".

يرى كيليطو أن الناقد المحلل للنصوص الأدبية، يشبه إلى حد كبير شخصاً متعدد الحِرَف، لذلك نرى: "المشتغل بالأدب يستعير أدواته ويلتقطها من اللسانيات وعلم الاجتماع وعلم النفس، إلخ. يأخذ من هذه العلوم، على الرغم من عدم تخصصه فيها في غالب الأحيان، ما يناسب النصوص التي يدرسها والغرض الذي يرمي إليه من خلال دراسته".

يرى كيليطو أن سوء الفهم أو سوء القراءة الذي يقع فيه الباحثون المعاصرون هي اعتمادهم نسقاً حديثاً في القراءة أو إطلاق أحكام على نصوص قديمة، ترتكز على نسق مخالف، لذا يحذر من مغبة الحكم على نصوص كلاسيكية بمعايير عصرية، بل يجب دراستها لذاتها، وبخلاف ذلك فإنها ستغدو مشوبة بالنقص والشذوذ. ويضع كيليطو ركنين منهجيين لأي قراءة تحليلية يقدمها الناقد، وهما:

1. أن تناسب النص المدروس.

2. أن تطابق الغرض الذي يرمي إليه من خلال الدراسة.

في ورقته النقدية "قواعد اللعبة السردية" التي قرأها في مؤتمر الرواية العربية العام 1981، يكشف لنا كيليطو أن السرد لعبة، يجب أن نبحث عن القواعد التي يخضع لها، ويحدد كيليطو قيود اللعبة السردية في الحكاية الكلاسيكية بثلاثة:

1. تعلق السابق باللاحق: إذ إن اختيار إمكانية سردية ما مشروط ومرتبط بالإمكانية التالية، وهكذا وصولاً إلى الإمكانية الأخيرة التي تشكل نهاية الحكاية، والنهاية تتحكم في كل ما يسبقها، وكأن منطق الحكاية منطق عكسي يبدأ من النهاية.

2. ارتباط تسلسل الأحداث بنوع الحكاية: فمع اختلاف أنواع الحكايات يختلف المنطق الذي يحكم تسلسل أدائها.

3. العرف والعادة: حيث إن تسلسل الأفعال السردية رهين باعتقادات القارئ حول مجرى الأمور.

كيف نحلل الحكاية؟

في الإجابة على هذا السؤال الذي يمثل إشكالية جوهرية أمام أي ناقد يتصدى لتحليل نص سردي، يستخلص عبد الستار جبر عدداً من الخطوات المنهجية، التي استخلصها من متابعته لمعالجة عبد كيليطو لحكاية "الصياد والعفريت" من ألف ليلة وليلة، وهي كالآتي:

1. الانتباه إلى قضية الارتباط: إذ يجب التأكد من علاقات الصلة بين الحكاية وحكايات أخرى إن وجدت.

2. اللجوء إلى التقطيع مع الحكايات المرتبطة بالحكاية المركزية، وتجنب التلخيص لأنه يشتت ذهن القارئ. ويعتبر كيليطو أن القراءة المغرضة أو التأويل المغرض، هي التي تقوم باقتطاع أجزاء من الحكاية ودمجها مع أجزاء أخرى، لكي تبدو منسجمة مع التأويل الذي يقترحه الناقد أو القارئ ويفرضه على الحكاية.

3. تجنب التذكير بمحتوى الحكاية المعروفة أو المشهورة.

4. الشروع بالتحليل الذي يرتكز على تفاصيل وجزئيات دقيقة: ويقتضي ذلك نقل بعض الفقرات وتلخيص أخرى، على الرغم من التحفظ والشعور بمساوئ التلخيص.

5. افتراض قصدية المؤلف: وذلك من خلال البحث عن الثيمة المركزية للحكاية التي تجسد وتعكس قصد المؤلف، واختبار عدد من الافتراضات في هذا الاتجاه، ثم مقارنتها من خلال أنموذج لحكاية أخرى سابقة.

6. فك الإبهام والغموض: عن طريق طرح أسئلة، تسعى إلى البحث عن تفسير للمبهم والغامض في الحكاية، ولاسيما عندما تكون هنالك عناصر فيها شبيهة بالألغاز، ولا يوجد في النص ما يساعد على فكها، ولكنها تدفع القارئ وتستفزه على مساءلة غموضها.

7. تفحص صورة البطل ومقارنتها مع عدد من الحكايات الأخرى.

8. استعمال التحليل المعجمي في إيجاد حقل دلالي لحكاية نموذج- حكاية نمطية- يختارها لتقارن معها الحكاية الحالية.

9. مساءلة المنطق السببي للحكاية.

هذه الخطوات تبدو مزيجاً من الإجراءات والملاحظات التي يمكن للقارئ أو الناقد أخذها بعين الاعتبار حين الاهتمام بتحليل الحكاية، فيظهر التأويل باعتباره الآلية الحتمية التي يلجأ إليها القارئ أو الناقد في التعامل مع نص الحكاية ككل، فحتى القارئ الساذج الذي يطلع على الحكاية لغرض التسلية فقط، سيتحول بالضرورة إلى مؤول، مما دفع كيليطو إلى الكتابة بأن: "التأويل حتمية قرائية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard