المشعبذون والمشعبذات... أعداء رجال السلطة والأنبياء

الثلاثاء 17 مارس 202002:14 م

نقرأ في حاشية إحدى صفحات كتاب "وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق"، للباحث السوري تيسير خلف، عن "مالديس" المذكور في "قاموس الصناعات الشامية"، مالديس هذا كان أكروباتياً أو "مزعبراتي"، أو لاعب خفّة يقدم عروضاً شعبية في عهد مدحت باشا، في القرن التاسع عشر، ويقال إنه مهاجر من بلاد الإفرنج، وافتتح مقهى يرفّه فيه عن المشاهدين بحيله ومهارته التي تأسر الأبصار، وخدعه التي تترك الجمهور مدهوشاً.

إن عدنا إلى تاريخ أقدم، نكتشف طبقة اجتماعية تمارس ألعاب الخفة والسحر واستعراض المهارة و"الشعبذة"، تتألف من غرباء، هاربين، لاجئين ومهمّشين، هم أصحاب الحيل و"الحذق، وجودة النظر... والوسيلة البارعة التي تحيل ظاهر الشيء ابتغاء الوصول إلى المقصود".

نقرأ عنهم أكثر في كتاب المؤرخ المصري، عمرو عبد العزيز منير، " أهل الحيل والألعاب السحريّة في مصر والشام-عصريّ الأيوبيين والمماليك". ويشير منير إلى أن أحد أسباب ازدهار صنعتهم هو التقلبات السياسية والحروب، كحالة ابن دانيال الموصلي، صاحب كتاب "طيف الخيال"، والذي انتقل إلى مصر بعد أن اكتسح المغول العراق ودمّروا مدنه، فعمل في مجال خيال الظل، وأشار إلى هذه الطبقة المتحايلة في مسرحياته الهزلية، إذ يصف أحد "المشعبذين" في "باب عجيب وغريب"، وكيف يعرض على الناس معاجين يدعي أنها تشفي من الأمراض.

ما يهمنا في هذه الظاهرة هو علاقة لاعبي الخفة والسحرة والمخادعين مع رجالات السلطة، سواء عبر تحديهم أو التعاون معهم، خصوصاً أن منير يقدم نظرة وافية عن طبقة لاعبي الخفة و"المشعبذين"، والموقف السياسي منهم، واختلاف درجات التحريم المتعلقة بممارساتهم و"علومهم".

إن عدنا إلى تاريخ أقدم، نكتشف طبقة اجتماعية تمارس ألعاب الخفة والسحر واستعراض المهارة و"الشعبذة"، تتألف من غرباء، هاربين، لاجئين ومهمّشين، أصحاب الحيل و"الحذق، وجودة النظر... والوسيلة البارعة التي تحيل ظاهر الشيء ابتغاء الوصول إلى المقصود"

الغرباء والهاربون و"سحرهم"

أبرز الحكايات المرتبطة بخديعة الحواس والسلطة تظهر في قصة موسى وسحرة فرعون، إذ كان التحدّي بين "النبي" الذي يخرق الناموس الطبيعي ويغير جوهر العناصر، أو بصورة أخرى، من يقوم بـ"معجزة"، وبين من يتلاعب بالإدراك ويهدد الوعي بالعالم، أي سحرة فرعون، الذين يقال إن ما ألقوه ليس إلا خراطيم تحوي زئبق، ما يعطي الانطباع بأنها أفاع، في حين موسى "ألْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ"، وكانت المعجزة.

المثير للاهتمام أن فرعون دعا موسى إلى تحد علني في يوم احتفالي، ولم يتخلص منه بمجرد أن شعر بالخطر، وفي بعض شروحات القصة يظهر "رعب" فرعون مما رآه، حتى أن إسهالاً عظيماً أصابه لمدة أربعين يوم، وهنا يظهر الأثر السحري لتحول الأشياء عن ظواهرها، فهي تهدد بنية السلطة وادعاءاتها، بل حتى رأس السلطة يتداعى، خصوصاً أمام العجز عن تفسير المعجزة/ الخدعة واكتشاف سرّها من قبل العارفين بـ"علوم الحيل"، فأول من صدق موسى هم السحرة، كونهم أدركوا أنها ليست من "علومهم"، خصوصاً أن موسى الذي كان هارباً حينها، جاء بعصاه و"معجزاته" من مساحة لا تنتمي لليومي والتقليدي، بل من "معلّم" غريب الأطوار نوعاً ما، موسى نفسه لم يأخذه على محمل الجد بداية.

من قصة موسى وسحرة فرعون إلى مسيلمة الكذاب... علاقة السحرة ولاعبي الخفة برجالات السلطة 

لاعب الخفّة ضد النبيّ

تتلاشى قيمة الإتقان والمهارة والإعجاب بالخفة، حين يكتشف السبب الذي جعل الخدعة تظهر بالشكل التي هي عليه، ولا ينظر إليها كمحاكاة للمعجزة وتعليق على المهارة التي أدت لظهورها، بل تنفى كلياً، تتهم بالسذاجة وتهدد حياة صحابها، كحالة مسيلمة الكذّاب مدّعي النبوة ولاعب الخفّة، فإن كانت "معجزة" محمد الأزلية هي القرآن، فكل ما نطقه مسيلمة لم يدفع إلا القليلين إلى مسائلة المهارة وراء النص القرآني، وينسحب الأمر على المعجزات الأخرى، فمسيلمة كان عارفاً بألعاب الخفة ومهارات المخادعة.

فنقرأ أنه قبل ادعائه النبوة كان مسيلمة "يطوف في الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب، يلتقون فيها للتسوق والبياعات، كنحو سوق الأبلة وسوق لقة وسوق الأنبار وسوق الحيرة... وكان يتلمس تعلم الحيل والنيرنجات، واختيارات النجوم والمتنبئين، وقد أحكم حيل السدنة والحواء وأصحاب الزجر والخط والكاهن والعياف والساحر وصاحب الجن الذي يزعم أن معه تابعه"، ويقال أنه كان يبصق في البئر فيفيض ماؤه.

أحيانا تنتهي ألعاب الخفة والخداع بصورة تراجيدية، فالتحلّي بـ"المهارات" قد يودي بحياة صاحب الحيلة وقومه، ليتحولوا إلى عبرة بسبب الاستخفاف بـ"الخدعة" دون النظر إلى نتائجها، وهذا ما يتضح في قصة زرقاء اليمامة، إذ كانت مهارتها قائمة على البصر أو البصيرة، واستشرافها للمستقبل حمل صيغة النبوءة، لكن التشكيك بكلامها انتهى بشكل تراجيدي.

إذ يُذكر أن "الأعداء" الذين أرادو غزو قبيلة اليمامة خافوا من شدّة بصرها، أي لم يستخفوا بـ"مهارتها"، فقطعوا الأشجار واختفوا وراءها، وتقدموا نحو قبيلة اليمامة، لكن ما حصل هو استخفاف أهلها بها، بسبب الصيغة التي نقلت فيها ما سيحدث، إذ قالت: أرى شجراً يسير! فقالوا: كذبت أو كذبتك عينك، هنا تظهر ملامح الحلقة التراجيدية، لم يصدق أحد "نبوءة" اليمامة، كذبوا لفظها ولم يفهموا خفاياه، فانتهى بها الأمر عمياء، بعد أن فقأ الأعداء عينيها وقتلوا من قومها الكثير، هي تنطق بالحقيقة كتريسياس، عرّاف أوديب، لكن أحداً لم يستمع، زرقاء نطقت ذات نبوءة عرافات ماكبث، الذي أيضاً لم يستمع ولم يفهم المعنى، وكأن "مهارة" تركيب النبوءة لفظياً، عصية على فهم السلطة ورجالها، وكأنهم "عميان" لا يرون أبعد من كلامهم.

قبل ادعائه النبوة كان مسيلمة "يطوف في الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب، يلتقون فيها للتسوق والبياعات، كنحو سوق الأبلة وسوق لقة وسوق الأنبار وسوق الحيرة... وكان يتلمس تعلم الحيل والنيرنجات، واختيارات النجوم والمتنبئين"

هذه الخدع بقيت منتشرة لاحقاً، ونقرأ عنها في الكتب التي تكشف أسرار المحتالين، إذ نقرأ مخطوطة "كتاب النارنجيات- الباهر في عجائب الحيل"، التي حققها منير في كتابه السابق، عن خدعة "استخراج الماء من الأرض بالحيلة"، عبر وضع قطعة صوف مبتلة في الأرض ودفنها، ثم عصرها لاحقاً، بغض النظر عن طبيعة الخدعة وإتقانها، لكنها كانت متداولة كثقافة شعبية، وحاضرة بين الناس، ولاحقاً تحولت إلى تهديد للسلطة الدينية، واعتبر البعض كشف هذه الخدع فرض كفاية: "لجواز ظهور من يدعي النبوة، فيكون في الأمة من يكشفه و يقطعه".

خوف السلطة من لاعبي الخفّة والمخادعين يختلط دوماً بعدم ثقة بالعامة والشعب الذي يمكن أن يصدق كل ما يبهره، لكن المثير للاهتمام أن المعجزة لا تنطبق عليها خصائص الخدعة، لا تفقد قدرتها على الإقناع بمرور الزمن حتى بعد اكتشاف سرها، بل تبقى ضمن مكونات "الحقيقة الدينية"، وحسب منير، قدم رواة السيرة الشعبية والتفاسير المتداولة تفسيراً لكيفية نجاة النبي إبراهيم من النار، إذ وضع على جسده دهن السمندل، الذي يمكن استخدامه لتفادي احتراق الجسد بالنار، كما أن الجوبري في كتابه "المختار"، ذكر هذه الخدعة ضمن عمله لكشف أسرار أصحاب الحيل.

الخوف من العدو

خطورة أصحاب الخفّة على رجال السلطة تكمن في إتقانهم للخدع التي تغير هويتهم، وقدرة بعضهم على تبديل أشكالهم أو تكوينهم الجسدي، ليكونوا أفضل الجواسيس والمتخفين، إذ يشير منير إلى حكاية مقتبسة من كتاب ابن وصيف شاه "جواهر البحور ووقائع الأمور وعجائب الدهور"، عن مهارة أحد المشعبذين زمن صلاح الدين الأيوبي، الذي توجه إلى أهل الشام، و أحضروا له أعجمياً من أرباب الملاعيب، "فوقف بين يديه، وأخرج من رأسه كبة خيط ونصب خيمة، ورمى الخيط في الهواء ثم تعلق فيه وصعد حتى غاب عن الأبصار"، ثم بدأت أعضاؤه تتساقط من أعلى وتزحف إلى الأرض وتدخل الخيمة، بعد ذلك خرج الرجل من داخل الخيمة "صحيحاً"، ثم دخلها مرة أخرى واختفى داخلها، فأخذ الناس الخيمة، ونصبوها في مكان آخر، فخرج منها بعد أن اختفى، وكانت النهاية اتهامه بأنه جاسوس للفرنج، وضرب عنقه، وطرد صديقه/معاونه من دمشق.

من قصص أحد المشعبذين زمن صلاح الدين الأيوبي، رجل أخرج من رأسه كبة خيط و"نصب خيمة، ورمى الخيط في الهواء ثم تعلق فيه وصعد حتى غاب عن الأبصار"... ثم بدأت أعضاؤه تتساقط من أعلى وتزحف إلى الأرض وتدخل الخيمة، بعد ذلك خرج الرجل من داخل الخيمة "صحيحاً"... عن علاقة لاعبي الخفة مع رجالات السلطة

التحايل والسلطة

الغرابة أن الأمر في الكثير من الأحيان لا يتعلق بمهارة تنفيذ الحيلة، بل بالتسليم المطلق بها، وتعليق الحكم المشابه لما يحصل مع الجمهور في بعض المسرحيات، وفي هذه الحالات دوماً تتم الإشارة إلى أن التخلف وجهل العوام هو ما دفعهم للتصديق، ذات الأمر ينسحب على حالات السحر والشعوذة المنتشرة حالياً في العالم.

لا يتضح بدقّة الخط الفاصل بين من يؤمنون بأن القمر انشق، ومن يؤمنون بأن رجلاً يضيء بالليل، ويتعلق الأمر دوماً بألعاب سياسية وخفايا ومؤسسات مختلفة تحمي شخصاً أو فئة ما، ثم تقتل، أو تهمّش ساحراً أو لاعب خفّة، على حساب آخر، لكن لحظة الإيمان أو التصديق هي ما تجعل الخدعة راسخة، ولو كشفت بعد شهر أو ألف عام، تبقى بذات السطوة بالنسبة للبعض، أشبه بعرض أداء لا يمكن أن يختبره إلا من شهده، وكل ما يليه مجرد شروحات وتعليقات سياسية وجمالية تختلف في شدّتها وأثرها، لشرح عمق الخدعة وأسلوب إنجازها، دون التشكيك العميق بذلك، بل ومنع تقليدها أو مقاربتها في بعض الأحيان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard