"هنيئاً لكم بالحرّية... أمّا أنا فقد أحضرت مستبدي معي"

الاثنين 9 مارس 202001:43 م

"هنيئاً لكم بالحرية، أما أنا فقد أحضرت مستبدي معي": يقول لسان حال سوريات أجبرن على مغادرة البلاد برفقة عوائلهن، هرباً من بطش الطاغية وأملاً بالحرية، ووصلن إلى معقل الحرية أوروبا، ويقول لسان حال بعضهن: أنا لم أحضره معي وحسب وإنما تحملت تكاليف سفره أيضاً!

ولكن هل النظام وحده هو من منع الحرية عن السوريين، وهل رحيله المأمول يعني تمتع الشعب بجميع أطيافه بالحرية؟ أم أن بعض الثوار كانوا ينادون بالحرية للذكر البالغ العربي المسلم، وربما ليس جميع طوائف المسلمين؟!

ولنبق في موضوعنا أقول، لربما كان بعضهم يطالب بالحرية له وليس لزوجته أو أخته أو ابنته! والحديث هنا للأسف يشمل شريحة لا بأس بها من الثوار، لكن بالتأكيد ليس جميعهم، وأتصور أن هذه الأنانية التي تتعارض مع الأخلاق الثورية والوطنية والإنسانية، كانت إحدى أهم الأسباب التي أدت إلى سَبي ثورة الشعب كما سُبِيَت بعض نسائه لاحقاً!

وقد عانت النساء جميع أنواع العذاب التي عاناها الرجال، وتحملت كثيرات منهن مسؤولية العائلة فجأة بعد تغييب الرجل، رغم أن كثيرات منهن غير متعلمات وغير مؤهلات، وبعضهن كن بالأساس ممنوعات من مغادرة المنزل، بل وتميزن بتعرّضهن للسبي في القرن الواحد والعشرين، وبيعت القاصرات في مخيمات اللجوء باسم الزواج!

لربما كان بعضهم يطالب بالحرية له وليس لزوجته أو أخته أو ابنته! والحديث هنا للأسف يشمل شريحة لا بأس بها من الثوار، لكن بالتأكيد ليس جميعهم، وأتصور أن هذه الأنانية التي تتعارض مع الأخلاق الثورية والوطنية والإنسانية، كانت إحدى أهم الأسباب التي أدت إلى سَبي ثورة الشعب كما سُبِيَت بعض نسائه لاحقاً!

وفي سبيل الحرية والحياة الكريمة في أوروبا، قطع السوريون طريقاً أقرب ما يكون إلى الجحيم، اضطروا فيه أن يعبروا البحر، إلا أن للبحر حكاية أخرى مع حُورياته اللواتي حرم معظمهن من تعلم السباحة، بحكم جنسهن فقط وليس بحكم مكان إقامتهن، إذ تتميز بلادي بأنه حتى ساكنات سواحلها وضفاف أنهارها لا يجدن السباحة، في حين أن جميع سكان هذه المناطق من الذكور يجيدون السباحة وبإتقان. ولاحقاً في البحر، حالف الحظ بعضهن بأن غرقن بجلابيبهن السوداء وثيابهن الثقيلة، قبل أن يرين أطفالهن يغرقون أمام أعينهن!

على أي حال، من وصل من السوريين إلى أوروبا، تنفس لأول مرة هواء الحرية الذي حرمهم النظام منه لعقود، أما النساء، فما هو حالهن في بلاد الحرية؟

بعد أن كانت المرأة في بلادنا إن تعرضت للضرب، تحظى بفرصة الصراخ ألماً وطلباً للنجدة، ورغم أن الشرطة لدينا لا تأخذ هذه الأمور على محمل الجد، إلا أن الجيران قد يتدخلون وينقذونها.

باعت أم عمر كل ما تملك من ذهب من أجل المساهمة في تحمل نفقات سفرها وزوجها وأولادها الستة (أكبرهم عمره ثماني عشرة سنة وأصغرهم سنتين)، وبعد وصولهم إلى أوروبا، مكثوا في مخيم اللجوء مدة لا تصل إلى شهر، تعرضت خلالها للضرب من قبل زوجها مرتين حتى ازرقّ بدنها وأمام أعين أطفالها، وبدون أن تستغيث، حرصاً على زوجها من الشرطة التي كانت ستتخذ فوراً الإجراءات اللازمة لحماية المرأة والأولاد منه. والسبب، كما روت لي أم عمر عندما كانت تريني آثار الضرب على جسمها، هو إصرار زوجها، الحريص على ارتداء بناته القاصرات الحجاب، على التواصل عبر الواتس أب مع صديقة رغم اعتراض زوجته، التي عندما عبرت عن رفضها كان نصيبها الضرب المبرّح المذل. والسؤال الذي أجد أنه يستوجب الطرح، عن تأثير خنوع الأم على أولادها بشكل عام وبناتها بشكل خاص، ولا سيما وأنهم يعشن في أوروبا ويرون وضع الأمهات الأخريات فيها.

ورغم حرص الحكومات الأوروبية على دمج النساء المهاجرات في المجتمع المضيف من خلال توفير الفرص لهن لدراسة اللغة، متابعة الدراسة والعمل، إلا أن الكثير من الرجال المهاجرين عرفوا الطرق القانونية لتحقيق غاياتهم في سَجْنِ المرأة ومنعها من ممارسة دور فعّال في المجتمع.

رقية ذات التسعة عشر عاماً، حصلت على مقعد لدراسة الهندسة في سورية، لكن والدها المتزمت جداً، والذي لم يسمح لها طوال حياتها بمغادرة القرية، قرر تزويجها لشاب يكبرها باثنتي عشرة سنة، مقيم في أوروبا منذ عدة سنين، وحاصل على شهادة معهد متوسط في سورية، وحين وصولها عن طريق لم الشمل، لم يكن قد تمكن بعد من تحقيق المستوى المطلوب في اللغة لممارسة مهنته، بينما هي أظهرت قدرة رهيبة على تعلم اللغة الأجنبية الصعبة بالأساس، وقبل حصولها على مقعد لدراسة اللغة الملزمة بها، كانت قد تمكنت عبر اليوتيوب من تعلمها والتحدث بها بشكل يقترب من الطلاقة.

من وصل من السوريين إلى أوروبا، تنفس لأول مرة هواء الحرية الذي حرمهم النظام منه لعقود، أما النساء، فما هو حالهن في بلاد الحرية؟

وحملت الصبية إلا أن قلب الجنين لم ينبض بعد شهرين من الحمل، وهي حالة طبيعية جداً في أول حمل كما أبلغتها الطبيبة، وأكدت لها أنها لا تعاني من أي مشكلة، فلم يكن من زوجها إلا أن طار بها كامرأة خمسينية من طبيبة نسائية إلى أخرى كي تحمل، لأن إشغالها بإنجاب طفل وتربيته رغم حداثة سنها هو السبيل القانوني الوحيد لسجنها، ولما حان وقت الامتحان أجبرها على أن تُرَسّب نفسها، وفعلت ما أٌمِرَت به. وبعد فترة من الزيارات المكثفة للطبيبات حملت، فكان له ما أراد من استخدام الطفل لحبس أمه. وإنجاب طفل كل ثلاث سنوات كفيل باستمرار تنفيذ مخططه بدقة بدون أدنى تدخّل من السلطات. رقيّة شعلة الذكاء، قليلة الخبرة الاجتماعية أو عديمتها، ربما لا داعي لشرح الطريقة التي يَنهرها بها زوجها أمام الآخرين ويهزأ بها. على أي حال، سُبيت رقية، وانتقلت من سجن والدها المتزمت المتقدّم في العمر في القرية المحافظة جداً في سورية، إلى سجن زوجها المتعلم الشاب في أوروبا!

ونعلم أن جميع النساء تقريباً في بلادنا يتحملن وحدهن كل المسؤوليات المتعلقة بالعناية بالبيت وتربية الأطفال، حتى وإن كانت المرأة عاملة خارج المنزل، وتلقى هذه الأعباء على عاتق الفتاة منذ الصغر. إلا أن نمط الحياة الاجتماعي لدينا، بما فيه من تعاون بين النساء، والذي يختلف تماماً عن النمط في أوروبا، كان يخفف عن المرأة بعض الأعباء حين الحاجة، إذ غالباً ما تتلقى المرأة المساعدة من جاراتها وصديقاتها في حال كان لديها مناسبة ما، وكثيراً من المساعدة والعناية بالأطفال من أمها وأخواتها، أو النساء من أهل زوجها عند الحمل والإنجاب.

رشا، حاصلة على شهادة جامعية في الاقتصاد، ولديها خبرة عمل عدة سنوات في مجال دراستها في سورية، مقيمة حالياً مع زوجها وطفلتيها الصغيرتين، كبراهما لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات، في مدينة في أوروبا ولا أقارب لها فيها.

تجد المرأة نفسها في أوروبا مضطرة إلى الاختيار بين مشاهدة النساء حولها يحصلن على معظم حقوقهن، ويتمتّعن تقريباً بالحرية ذاتها التي دفعت هي ثمنها غالياً هناك، والحسرة على حالها وحال أولادها بصمت، أو اتخاذ قرار بوقف معاناتها وتحمل ما قد يترتب على هذا القرار من مقاطعة الأهل والمعارف لها في الغربة

شهادة الاقتصاد قابلة للتعديل في بلد إقامتها، إلا أنها تحلم بأن يكون لها مشروعها الخاص في مجال الطبخ. الطبخ الذي تتقنه الغالبية الساحقة من نساء بلادي إن لم أقل جميعهن، وحتى الأميّات منهن مبدعات فيه، ورشا فنانة في الطبخ، عدا عن تميزها في دراسة اللغة وكونها أماً مثالية، إلا أن أعباء المنزل والعناية بالأطفال الصغار جداً الملقاة على عاتقها وحدها تقف عثرة في طريق تحقيق أحلامها، فزوجها الحاصل على شهادة ماجستير في سورية، لا يقدم لها أدنى نوع من المساعدة داخل المنزل، حتى أنه لا يرضى أن يجالس بناته في غيابها ولا حتى لحظة واحدة! لذا تراها تلهث من مكان إلى آخر، في سعيٍ دؤوب، محاوِلة إيجاد فرصتها، مصطحبة معها طفلتيها الصغيرتين مهما كان البرد قارساً وتقريباً مهما كان المكان، بمانطو طويل حتى الأرض، لباس شتوي، إمساك يدي البنتين وحمل أغراضهما الضرورية، حتى صعود الدرج يتحول إلى أعمال شاقة! وتجدها تسأل هنا وهناك لدى الجهات المعنية، للحصول على مبلغ صغير تدفعه لجليسة الأطفال، ولا تتمكن إطلاقاً من حضور ورشات العمل، أو حتى مجرد زيارة المنظمات التي ربما تجد فيها فرصة واعدة، إن لم توفر هذه الجهات هذه الخدمة.

تجد المرأة نفسها في أوروبا مضطرة إلى الاختيار بين مشاهدة النساء حولها يحصلن على معظم حقوقهن، ويتمتّعن تقريباً بالحرية ذاتها التي دفعت هي ثمنها غالياً هناك، والحسرة على حالها وحال أولادها بصمت، أو اتخاذ قرار بوقف معاناتها وتحمل ما قد يترتب على هذا القرار من مقاطعة الأهل والمعارف لها في الغربة، والإساءة إلى سمعتها من قبل السوريين أنفسهم وليس من الأوروبيين إطلاقاً. تُحارَب فقط لأنها حرة، ولأنها ظلت وفية لأسمى أهداف الثورة بالحرية للجميع، وظلت تناضل لتحقيقها لها ولأولادها في كل مكان وزمان، بينما نسي أو تناسى ذلك بعض الثوار الأحرار!

لا أشقى ممن جاءت بصحبة مستبدها إلا من وصلت وحدها، ثم اتخذت لنفسها مستبداً في بلاد الحرية!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard