دندلـ "ـه" استعراضاً لجاهه... عن علنيّة القضيب كأداة سياسيّة

الاثنين 9 مارس 202005:22 م

خرج مؤخراً مرشح بلدية باريس بينجامين غريفو، من الانتخابات، بسبب تسريب جنسي له، نراه فيه يداعب قضيبه أمام الكاميرا كي يرسل الفيديو إلى عشيقته، المسؤول عن التسريب فنان الأداء الروسي واللاجئ في فرنسا، بيوتر بافلنسكي، الذي يضع نصب عينيه السلطة كعدو، ويحارب مكونتاها المادية وجهازها البشري، وهذا التسريب جزء من حياته الممزوجة بالأداء الراديكالي، ويبرر بافلنسكي أداءه/ فعلته بأن غريفو هو المرشح الوحيد الذي استخدم أخلاق الأسرة ضمن حملته الانتخابية، لكننا نراه يداعب زبره ويخون زوجته في نفي لكل القيم التي يمثلها، ليأتي التسريب كمحاولة لكشف نفاقه ونفاق الطبقة السياسية بأكملها.

لن نناقش مدى أخلاقية ما قام به بافلينسكي، وانتهاكه الحاد لخصوصية غريفو وعشيقته، لكن لابد من الإشارة إلى أن الطبقة السياسية الفرنسية وجدت في ذلك "أمركة" للسياسة الفرنسية، وتحويلها إلى نسخة مما يحصل في الولايات المتحدة التي تلاحق الفضائح الجنسية الفاحشة رجال سياستها، منذ جون كينيدي، مروراً بقضية مونيكا لوينسكي وبيل كلينتون، وانتهاء بدونالد ترامب "ماسك الأكساس".

سنشير إلى علاقة علنية القضيب بالرجولة والمكانة السياسية، عبر اقتباس غير حرفي من تدوينة لـMarie Piccoli-Wentzo، بعنوان "استعراض القضيب كحركة سياسية"، والذي تفترض فيها وينتزو أن ظهور القضيب في بعض التمثيلات الفنية يخفي وراءه موقفاً سياسياً واجتماعياً، يشار له عبر ترسيخ أو نفي رجولة أحدهم التي ترتبط حرفياً بقضيبه.

لا نتحدث هنا عن الحجم، الوظيفة أو شدة الرهز، بل عن القضيب الذكري والإشارات العلنية التامة أو الجزئية إليه، باعتبار هذه الإشارات انعكاساً لموقف يرتبط بالسطوة أو الهزيمة، إذ نقرأ في تدوينة وينتزو عن لوحة للرسام الفلورنسيّ برونزينو، الذي أمره أندريا دوريا، الأميرال البحري لمدينة جنوا الإيطالية، بعد انتصاره على أسطول العثمانيين، بأن يخلده في بورتريه يدمج بينه وبين إله البحر "نيبتون".

انصاع برونزيون لأوامر الأميرال، ورسم لوحة تصور الأخير بجسد نيبتون، وهو يحمل رمحه الثلاثي بجانب سارية سفينة، اتبع برونيزنو تقليد العري المرتبط بتصوير الآلهة القديمة، فالأميرال لا يغطي جسده الفائق سوى قطعة قماش تستر قسمه السفلي، وما يثير الاهتمام أن القماشة لا تغطّي كل شيء حرفياً، بل يمكن لنا رصد منبت قضيب الأميرال، هو مرئي إثر انزياح القماشة وبقعة الضوء التي تشير إلى قيمته وأهمية ظهوره.

تقول وينتزو إن ظهور "القضيب" هنا إشارة إلى السطوة السياسية للأميرال ودوره العسكري، هي علامة على رجولته، وتخليداً لقدرته على درء الأعداء والانتصار عليهم.

مرئية العضو الذكري تنسحب على نظام الأزياء، إذ نقرأ أيضاً عن الـbraghetta، التي انتشرت في منتصف القرن الخامس عشر، وهي أشبه بإضافة للثياب الضيقة التي كان يرتديها الرجال، و التي تحمي القضيب نظرياً، لكنها أيضاً تحتويه وتجعله مرئياً، هي ذات أشكال متنوعة، دائرية، على شكل صدفة أو على شكل القضيب نفسه، وأحياناً كانت تحوي جيوباً، توضع فيها الرسائل، المناديل وأحياناً الفاكهة، الأهم أنها تختلف بألوانها وتصميمها عن باقي الثياب، هي مزينة لتلفت الانتباه إلى العضو الذكري، وكأننا حين نشير إلى قضيب الرجل ونجعله مرئياً نركز على رجولته ومكانته السياسية، الاجتماعية والعسكرية.


هناك أيضاً مثال مناقض، فالإشارة إلى القضيب تهدف أحياناً إلى السخرية من رجولة صاحبه، وكأنه يمتلك قضيباً وهمياً أو فارغاً يتعرض إثره للتقريع، وأشهر هذه الأمثلة هو يوسف، زوج مريم العذراء التي بقيت بتولاً بالرغم من زواجهما، ما جعل يوسف محط السخرية في فنون العصور الوسطى، إذ يقال إن أقرانه، الذين أرادوا الزواج من مريم ولم يستطيعوا، كانوا يشيرون بفحش إليه، موظفين ما يُسمّى بـ"إشارة الفطر"، حيث تضم أصابع اليد بقبضة ويترك رأس الإبهام بين الأصابع كعلامة على ضعف الذكورة، كون القبضة تشابه أعضاء الأنثى التي يتهم بأنه يمتلكها.

ذات الأمر نراه في لوحة "معلمو ممفيس"، إذ نرى يوسف بجانب العذراء وأمامهما يسوع الرضيع، والمثير للاهتمام وجود صبي بجانب يوسف بيده عصا يشير إلى قضيب يوسف الهرم، ضعيف الانتصاب، وكأنها علامة على أنه لا يمتلك حتى باهاً، في إشارة إلى هزالة قضيبه ونقص رجولته، وتلميحاً نوعاً ما إلى عدم وفاء زوجته التي لم يستطع فض بكارتها.

خارج التدوينة

الإشارة العلنية للقضيب، وبرغم من اختلاف أسلوب ظهورها ما زالت قائمة حتى اليوم، دونالد ترامب يشير بوضوح إلى حجم قضيبه حين يتحدث عن "حجم يديه"، ويقارنه بحجم يدي خصومه، موظفاً واحدة من الأساطير الشعبية الذكورية المرتبطة بحجم الذكر.

تتجاوز الإشارات و"دندلة" القضيب علناً مفهوم الفحش، وتبدأ في بعض الأحيان منذ الصغر، مع لعبة" فرجي فرفورتك لعمو" والتي يستعرض فيها قضيب طفل صغير أمام أشخاص للدلالة على رجولته وقدرته المستقبلية على رفع اسم الأسرة

تتجاوز الإشارات و"دندلة" القضيب علناً مفهوم الفحش، وتتحول إلى وسيلة لفرض السطوة أو التمايز، وتبدأ في بعض الأحيان منذ الصغر، مع اللعبة التي يمارسها بعض الأهل مع أطفالهم والتي تتلخص بعبارة " فرجي فرفورتك لعمو"، والتي يستعرض فيها قضيب طفل صغير أمام أشخاص للدلالة على رجولته وقدرته المستقبلية على رفع اسم الأسرة.

ويظهر الأمر لاحقاً في مفهوم الـman spreading والحملات التي أُثيرت ضده، وبغض النظر إن كانت العلامة مقصودة أو غير مقصودة وعلاقتها مع مساحة الجلوس في وسائل النقل العامة، لكنها تحيل إلى تاريخ طويل من استعراض الرجولة عبر القضيب وجعله مرئياً.

يمكن الإشارة أيضاً إلى سلسلة فيديوهات المخرج والبرلماني المصري خالد يوسف، والتي تحولت إثرها مجموعة من المغامرات الجنسية الشخصية إلى فضيحة على مستوى عربي، نشاهد فيها من وجهة نظره، ونتبنى عين الشهوة الذكورية، كيفية تحديق الكاميرا بالقضيب ومغامراته المختلفة، علنية القضيب هنا ضمن الصيغة السابقة حولت الحميمي والشخصي إلى سياسي، وحيكت التفسيرات المختلفة حول سبب ظهور هذه الفيديوهات في التوقيت الذي ظهرت فيه، وربطتها برفض يوسف تعديلات الدستور، ومعارضته لتمديد مدة حكم السيسي، وكأن اختفاء القضيب أو ظهوره أداة سلطوية، قد ترسّخ سطوة أحدهم أو تهددها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard