"البؤساء"... بين كتاب (1862) وفيلم (2019)، ليس في كل قصة بطل صرف وشرير صرف

الخميس 19 مارس 202006:46 م

لفتني في أوّل يوم لي في فرنسا، في شباط/ فبراير الماضي، إعلانات طرقية عمّت باريس عن فيلم يدعى البؤساء. شعرت فوراً بالحماس، فرغم أني أفضّل الكتب على الأفلام المبنية عليها، إلا أنه لطالما أسعدني تذكر الناس لأهمية كتابي المفضل.

"لا علاقة لهذا الفيلم برواية فيكتور هوغو، إن كان هذا ما تقصده"، قال أحد أصدقائي وهو يقود السيارة بنا في أرجاء العاصمة الفرنسية، "الرابط الوحيد هو أنّهما يتحدثان عن البؤس الاجتماعي في فرنسا".

رغم ذلك، نويت أن يكون الفيلم، الذي يبدو أنه من إخراج شخص يشاركني حب عمل هوغو الخالد، أول فيلم أشاهده في فرنسا، لسبب رئيسي: محبتي للكتاب التي تعطيني شعوراً بالوصاية على صون رفعة اسمه: أردت أن أتأكد أن صنّاع هذا الفيلم يعرفون ماذا يفعلون إذ يعنونون فيلمهم بالبؤساء.

مونتفيرميل

"أها، هوذا الرابط الأول"، قلت في نفسي، "مونتفرميل هي المدينة التي التقى فيها جان فالجان بكوزيت للمرة الأولى".

ينزل طفل أسمر البشرة بعجالة درج بناء مهترئ، ليلتقي مجموعة من أصدقائه، ينسدل على ظهره علم فرنسا، كما ينسدل رداء الأبطال الخارقين وراءهم في مجلات القصص المصورة، وتزيّن ألوان العلم ذاته وجنتيه.

بعد تبادل تحية يملؤها الحماس، يهرع الفتيان بأسمالهم المتواضعة إلى محطة القطار في حي من أحياء مونتفرميل، تبدو عليه ملامح الفقر والإهمال. يقفز الأصدقاء من فوق بوابة المحطة التي لا تفتح بدون إدخال التذاكر، ويصعدون على متن القطار المتوجه إلى باريس.

نعود لنرى الفتيان الذين جاؤوا من مونتفرميل، 15 كيلو متراً غرب العاصمة الفرنسية، وهم بجوار آلاف الناس في شارع الشانزيليزيه، ومحيط قوس النصر. تعلو هتافات الجميع، إذ يتبيّن للمشاهدين أن الناس قد اجتمعوا لمشاهدة المباراة النهائية في كأس العالم 2018، بين فرنسا وكرواتيا.

فازت فرنسا، وعلت أصوات الجماهير في الشوارع والمقاهي والحانات. الطفل الذي رأيناه في اللقطة الأولى، عيسى، يشترك مع محيطه بغناء النشيد الوطني الفرنسي، ثم ينتهي المشهد.

فيلم "البؤساء" الفرنسي (2019)، حصد خمس جوائز في مهرجان كان السينمائي، وسجّل موقفاً ضد ثنائية الخير والشر، ونقداً للتعصب والتمييز في فرنسا

أولى ملامح البؤس الاجتماعي

راقبت الابتسامة على وجوه الناس الذين ملؤوا الصالة، إذ كان العرض بعد حيازة الفيلم لأربع جوائز سيزار بأيام. تأمل الحضور فرحة عيسى وهو يغنّي نشيد "لامارسييز" متسائلاً، ما إذا كانوا ليبتسموا بالطريقة ذاتها لو رأوا جانباً واحداً من القصة على أرض الواقع: مجموعة من الأطفال داكني البشرة يقتحمون محطة القطار دون أن يدفعوا ثمن التذاكر.. بدأت أرى الرابط الثاني بين الفيلم والرواية.

لا يشابه باقي الفيلم، من إخراج وسيناريو لادج لي، مشهده الأول أبداً: نعود إلى مونتفرميل، المدينة التي بدأ فيها الفيلم، لنرى ثلاثة رجال يتبيّن لاحقاً أنهم عناصر مكافحة الجريمة، في حيّ أغلبية سكانه من المسلمين الأفارقة. إنه اليوم الأول في الخدمة لواحد منهم، رويز، بعد نقله من مدينة أخرى.

يصطحب العضوان القديمان في الدورية الوافد الجديد، رويز، في جولة حول المدينة وأحيائها، يلقي فيها رئيس الفرقة، كريس، بعض التعليقات التي لا تخلو من العنصرية والإسلاموفوبيا، عند الحديث عن أحياء غالبية سكانها من المسلمين الأفارقة، في حين نرى في وجه غوادا، ابن الحيّ الذي يجلس بجانب كريس، شيئاً من عدم الاكتراث.

رغم أن قصة رويز، الشرطي الجديد، ليست المحور الرئيسي للفيلم، يسخّره المخرج لادج لي، الذي وُلد في مالي وشبّ في مونتفيرميل نفسها، ليكون أعيننا إذ تتعرف على المدينة، وأذهاننا إذ تشكّل الانطباعات الأولى عنها.

"البؤساء" (2019)... فيلم يطلب منّا التريث قبل الحكم على الناس، ويثبت للكثيرين أنه ليس في كل قصة بطل صرف وشرير صرف، إنما تحرك الناس بيئتهم والظروف التي يمرّون بها بين جانبي المقياس

سيرة لادج لي في مسار فيلمه

بدأت بتكوين صلات شخصية مع الفيلم، لعلّي كنت أكثر حظاً ولم أنشأ في حيّ يعاني من تلك المشاكل ذاتها، أو في مجتمع مهمّش بسبب انتمائه العرقي أو الديني، لكنني مهاجر حديث العهد، أسمر البشرة، قادم من بلد هو أحد أكبر مصدّري اللاجئين في العالم، ولم يكن قد مضى شهر على وصولي إلى فرنسا يوم ذهبت لأشاهد الفيلم.

نتعرف أكثر على الطفل عيسى: نراه مع أبيه في قسم الشرطة بعد القبض عليه بتهمة سرقة دجاج من مزرعة أحد السكان. يتابع عناصر الشرطة الثلاثة قيادة سيارتهم في أرجاء الحي، فيما يحكي كريس للوافد الجديد، عن الحي وشخصياته: هنالك "العمدة" الذي لم ينتخبه أحد ولا يحتل منصباً رسمياً، وهنالك مجموعة من الغجر ينظمون سيركاً في المدينة، وطفل اسمه "باز"، يحاول أبوه إقناعه بدخول دروس دين ينظمها من يبدو أنهم "الإخوان المسلمون"، لكنه يفضل تصوير فتيات الحي باستخدام طائرة الدرون التي بحوزته.

يقترب كريس من إحدى الفتيات التي تقف عند محطة الحافلة، يتّهمها ببيع المخدرات، ويعنفها ثم يتحرّش بجسدها بحجة تفتيشها. رويز يتعرف أكثر فأكثر على قائد فرقته الذي يحمل، بشارته الرسمية، صلاحية مطلقة يتسلط على الناس، وفي داخله نزعة فوقية نابعة عن شعور بالتفوق.

يقول لادج لي، إن شخصيات فيلمه مستوحاة من الواقع، في سياق "البؤس الاجتماعي" الذي يحكي عنه فيكتور هوغو في كتابه الخالد "البؤساء"، الذي لم تلتق حبكته بشكل مباشر مع الفيلم، إلا من خلال تنويه كريس في أحد المشاهد إلى أن بعض أحداث رواية هيغو تدور في مونتفيرميل.

الشاب الذي نشأ في كنف أسرة مسلمة، مهاجرة، محدودة الإمكانيات، في حي عانى من التهميش الممنهج والعنصري وعنف رجال الشرطة، لم يحظ بوصول سهل إلى عالم السينما، والبؤساء، الذي حصد خمس جوائز في مهرجان كان السينمائي، وترشح لجائزة أوسكار وجائزة غولدن غلوب قبل حيازة جوائز سيزار، هو أول فيلم روائي لـ"لي".

وحيازة تلك الجوائز اليوم يتعدى كونه إنجازاً فنياً أو تقنياً فحسب، لينسكب ضمن الظروف التي يمرّ بها العالم، خاصة معاداة "الآخر" وشعور البعض بأنهم أحق ببلادهم من حاملين آخرين لجنسيتها. وجهت سيزار رسالة مهمّة بتتويج البؤساء كأفضل فيلم لعام 2019، لكنها عادت لتفطر قلوب الكثيرين بتتويج رومان بولانسكي، المتهم بالاعتداء الجنسي على فتيات قاصرات، كأفضل مخرج للعام ذاته.

اعتاد مخرج فيلم "البؤساء" الفرنسي، لادج لي ، حمل الكاميرا على كتفه لتوثيق عنف رجال الشرطة ضد الناس، في مونتفرميل وغيرها، إذ لا تخلو فرنسا، كما غيرها من البلدان، من التمييز الممنهج أو العشوائي ضد المهاجرين ذوي البشرة السمراء أو السوداء، المسلمين أو غيرهم

بالعودة للادج لي، فقد اعتاد أيضاً حمل الكاميرا على كتفه لتوثيق عنف رجال الشرطة ضد الناس، في مونتفرميل وغيرها، إذ لا تخلو فرنسا، كما غيرها من البلدان، من التمييز الممنهج أو العشوائي ضد المهاجرين ذوي البشرة السمراء أو السوداء، المسلمين أو غيرهم. وعقب سلسلة الهجمات الإرهابية في باريس في كانون الثاني وتشرين الثاني من العام 2015، اشتدّت حدة الممارسات ذات الطابع الإسلاموفوبي.

ثنائية الخير والشر

يبدو أن "لي"، لا يرى أن الخير والشر سمات متأصلة لدى البشر، ما يجعله بطبيعة الحال عدواً للامساواة وللتمييز على أساس العرق أو الدين، ويتضح ذلك في فيلمه.

وهنا يجب أن أنوّه بأن لا جديد في حبكة الفيلم، ليس البؤساء أول فيلم يبحر في مياه الرماد بين ضفاف الأبيض والأسود، ولا أول عمل فني يحاكي ظلم المجتمعات المهمشة. لم يكن بؤساء فيكتور هوغو ذاته، الذي سبق صدوره فيلم لادج لي بأكثر من 150 عاماً، ريادياً في ذلك، لكن بداية الرحلة ونهايتها ليسا كل شيء، الرحلة بحدّ ذاتها هي التي تترك الأثر أو لا تتركه على متلقي الرسالة. والعالم اليوم لا يزال، رغم كثير من الكتب والأفلام والمسلسلات والموسيقى، يؤمن باختصار المعارك بالخير والشر، لذلك لا نزال بحاجة إلى أثر الفن، اليوم كما في أي وقت مضى، مع تحدياتنا المستجدة.

يهاجم منظمو السيرك الغجر مقر "العمدة" وأعوانه، السبب: اختفاء شبل أسد من خيمتهم. بعد تدخل الشرطة وتقصيهم، والبحث على مواقع التواصل الاجتماعي، تبيّن أن عيسى هو من سرق الشبل. توجه رجال الشرطة فوراً إلى منزل عيسى فلم يجدوه؛ سمحت والدته لغوادا، الشرطي الأسود الذي نشأ في الحيّ فقط بأن يدخل المنزل ليفتشه، فيما صرخت في وجه كريس، كما يفعل الكثير من أبناء الحي دون خوف مراراً أثناء الفيلم.

يعثر الشرطة على عيسى، الذي يبدو أنه من عائلة هاجرت إلى فرنسا حديثاً، ويحاولون اعتقاله بصعوبة شديدة نظراً لمحاولته الفرار وإعاقة رفاقه له. ينتهي الأمر بإطلاق غوادا النار من سلاحه غير المميت بالخطأ، مصيباً عيسى، مفقداً إياه الوعي، ومحدثاً تشوهات في وجهه.

طائرة الدرون الخاصة بـ "باز" سجّلت كل شيء.

خلاصة قرابة 2600 صفحة من بؤساء هيغو (طبعة تيستار، 1890)، وساعتين إلا ربع من بؤساء لي، تشتركان في أثر أحداث كهذه على حياة الأفراد الذين يشكّلون المجتمع، وبالتالي على المجتمع ككل، بصغرى نطاقاته وكبراها.

في البؤساء، يقترب السيد مادلين، عمدة مونتروي- سور- مير، الوقور والمحبوب، من بعض رجال القرية الذين يقتلعون نبات قرّاص ميتاً، "رغم موتها، لا تزال هذه النباتات جيدة إذا عرفتم كيف تستخدموها"، قال مادلين. "مع قليل من الرعاية، يغدو نبات القرّاص مفيداً، ولكن إذا ما تمّ إهماله، يغدو مؤذياً وينبغي قتله. يا للشبه بين القرّاص وبين الرجال!"

اسم مادلين الحقيقي هو جان فالجان، رجل قضى 19 عاماً في السجن مع الأشغال الشاقة، ثم كسر إطلاق سراحه الشرطي، واختبر المظلومية والإجرام معاً قبل أن يختبر "الخلاص" (في السياق المسيحي للكتاب) ويظهر بهوية جديدة. وهو نفسه الذي ذهب إلى مونتفيرميل لاحقاً لينقذ كوزيت اليتيمة، من جور عائلة استغلتها واستغلت أمها قبل أن تفارق الحياة.

حصاد القرّاص

الظهور الأخير لعيسى في الفيلم مختلف تماماً عن الظهور الأول له. لا أثر لعلم فرنسا الذي كان مرسوماً على وجنتيه، بل تشوّه ناتج عن سلاح غوادا بعد حادثة اليوم السابق. ليس عيسى ورفاقه في وسط العاصمة الفرنسية هذه المرة، بل في بناء مهجور في الحي، استدرجوا إليه رجال الشرطة الثلاثة. يهاجم الرفاق عدداً من الرجال بالضرب والمفرقعات، ويحرقون سيّاراتهم.

أما عيسى، ففي يده قنبلة مولوتوف يدوية الصنع، يلوح برميها على عناصر الدورية. لحظات من الصمت، يتأمل فيها عيسى خطوته القادمة، في حين يرجوه رويز بحرقة وخوف ألا يرميهم بالقنبلة.

ما الذي حوّل عيسى، الطفل الذي أحب بلده (الجديد)، حمل رايتها، غنى نشيدها ولم يبتغ أكثر من اللعب مع رفاقه في ملعب الحي، إلى مخطط ومنفذ لهجوم كهذا ربما ينتج عنه مقتل رجال شرطة ومدنيّين؟

بعد لحظة من الصمت، لعله راح فيه يستحضر أياماً كان فيها لصاً وكاذباً وهارباً من العدالة، ويقارنها مع ما صار إليه اليوم، يوضّح العمدة مادلين قصده من تشبيه القرّاص بالرجال، لمن كان يتحدّث إليهم من الأهالي.

"أصدقائي، تذكروا هذا: لا يوجد عشب سيء ولا رجال سيئون؛ يوجد فقط مزارعون سيئون"، بالعبارة ذاتها، يسدل الستار على فيلم لادج لي، دون أن نعرف النهاية.

فيكتور هوغو ولادج لي طلبا من جمهورهما التريث قبل الحكم على الناس، وعملا جاهدين على برهنة أنه ليس في كل قصة بطل صرف وشرير صرف، إنما تحرك الناس بيئتهم والظروف التي يمرّون بها، بين جانبي المقياس باستمرار.

لمست التأثر الواضح على وجوه الكثير من الحضور، كما لمسته في نفسي خلال الفيلم وبعده. نعم، يستحق لادج لي كل الاستحقاق أن يسمّي عمله الفني باسم كتابي المفضل، فقد لمس المعنى الحقيقي له وأعاد إنتاجه بإتقان، أثق أن هذه الجهود قادرة على التغيير، مهما ضاق نطاق ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard