ماذا يقصد شيخ الأزهر بمصطلح "أهل السنّة والجماعة"؟

السبت 7 مارس 202003:54 م

حتى وقت قريب، ظننت أن أي حديث نبوي يحمل صكَّ "متفق عليه"، يعني أن جميع أئمة الحديث أجمعوا على صحته، لكني اكتشفت أنه يعني اتفاق الإمامين "البخاري ومسلم" فقط، وتكرر ذلك حين اعتقدت أن مصطلح "بإجماع أهل السنة"، يعني بالفعل موافقتهم جميعاً، قبل أن أدرك أن هذا المصطلح يعني أهل السنة الذين ترتضيهم كل فرقة، لذلك بتُّ دائم القلق تجاه أي مصطلح، فالخداع مرتين عار عليّ، فما بالك بالثالثة!

ولذلك حين أكد شيخ الأزهر، أحمد الطيب، في مؤتمر "الإمام أبو منصور المتاريدي والتعاليم الماتردية"، بأوزباكستان مؤخراً، أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الحل الوحيد لإيقاف حمام الدم والتكفير، كان قوله تجسيداً لقول الشاعر: "ألقاه في اليم مكتوف اليدين وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء"... لماذا أقول ذلك؟

وضع شيخ الأزهر الحل في مذهب أهل السنّة والجماعة، لكن ماذا يقصد بهذا المصطلح الذي لم يكن له وجود في زمن النبي، يقول "ابن سيرين" إنهم أئمة علماء الدين وحملة الشريعة، ثم عدّله كثيرون، حتى بات التوصيف الأقرب "هم أصحاب الطريقة المسلوكة في الدين، التي كان عليها الخلفاء الراشدون والأئمة من الصحابة ثم من تبعهم بعد ذلك".

وبكل أريحية يمكنني قول إنه ليس هناك مصطلح فضفاض مثل "أهل السنّة والجماعة"، لدرجة تجعله يحمل تناقضات أحياناً، ذلك لأن كل الفرق الإسلامية، باختلاف آرائها وفتاويها، تؤكد في منهجها أنها تتبع النبي والخلفاء الراشدين والأئمة من الصحابة، بداية من المحدثين، ووصولاً للصوفية والأشاعرة والشيعة الذين يؤكدون أنهم يتبعون تعاليم النبي ويعملون بوصاياه، ورغم محاولات وضع كل فرقة تعريف مقتصر لـ"أهل السنة" لينتسبوا إليه ويقصوا غيرهم، ظل غير محدد المعالم، وهل يعقل أن فرقة تريد أن تضم لها أتباعاً، فتقول لهم إنها لن تسير على منهاج النبي؟!

بسبب عدم وجود مفهوم محدد، تحت لواء أهل السنّة والجماعة، نجد السلفيين بتنوعاتهم وفتاويهم، بداية من غزو العالم لأخذهم سبايا، وفرض النقاب وإلزام المرأة في البيت، كما نرى المذاهب الفقهية الأربعة بتنوعاتها، التي قضي بعضها بقتل المرتد وقضى آخرون بحرية المرأة في الزواج

وبسبب عدم وجود مفهوم محدد، تحت لواء أهل السنة والجماعة، نجد السلفيين بتنوعاتهم وفتاويهم، بداية من غزو العالم لأخذهم سبايا، وفرض النقاب وإلزام المرأة في البيت، كما نرى المذاهب الفقهية الأربعة بتنوعاتها، التي قضي بعضها بقتل المرتد وقضى آخرون بحرية المرأة في الزواج، كما يشمل نفس المذهب فرقاً أخرى مثل الأشاعرة، الماتردية والصوفية التي يشن السلفيون هجوماً عليها، ويتهمونها دوماً بالخروج عن الملة.

فأي مذهب بالتحديد يقصده شيخ الأزهر، وأي خليفة راشد يريدنا الاقتداء به؟ هل نتبع نهج أبي بكر في قتال "المرتدين"، أم نهج عمر بن الخطاب في عدم قتالهم، بل وقبول بعضهم في جيش المسلمين بعد ذلك، وهل نأخذ برأي عثمان بن عفان في نفي من يعارضه، أم برؤية علي بن أبي طالب في قبول ما هو غير مقتنع به خشية الدماء.

كل ما سبق، لا ينتقص من قدر أي رجل منهم، بالعكس فهم عظماء وما فعلوه زادهم عظمة، لأنهم اجتهدوا بحكم موقعهم ومسؤوليتهم واختلافهم، ليس أكثر من تعددية صواب يؤكد لنا أن الحل لن يكون في أخذ "كتالوج" جاهز، بل على الجميع أن يتصرف وفق آلياته وزمنه، والأهم أنه ليس هناك مذهب ثابت لكن هناك غايات ثابتة.

"الطيب" ربما أدرك ذلك فحدد مذهب "أهل الحديث"، ومذهب الأشاعرة الذي ينتمي له شيخ الأزهر، والماتريدية القريب جداً من الأشاعرة، كممثلين وحيدين لمذهب أهل السنة والجماعة، معللاً الاختيار بأن تلك الفرق الثلاث كُتب لها الخلود، لأنها تمسكت بنهج أصحاب النبي وأقامت عليها الحجج والبراهين، ولم يكفروا أحد بسبب أي ذنب.

ويمكنني قول إن تلك الرؤية بها نوع من التعصّب الراسخ في كل فرقة أو مذهب، وكما يؤكد دوماً قادة الطوائف الدينية، سواء في الإسلام أو غيره، أنهم الأفضل والأسلم والخالدون المتوجون بالنصر.

 ما نحتاجه ليس مذاهب بل منح الحرية للمواطنين، حفظ حقوقهم، تطبيق القوانين على كل من يحرض على الكراهية، توفير حياة كريمة لهم وإنشاء وعي يقبل التعددية، وهي عملية تراكمية مسؤولة عنها الدولة على كل المستويات

لكن لو ابتعدنا قليلاً سنرى أن كثيراً من المذاهب كُتب لها الخلود، فالشيعة مثلاً لم يندثروا بل ويحكمون دولاً حتى الآن، الأمر ذاته يتكرر مع الخوارج الذي ينتمي له مذهب "الأباضية" الحاكم في سلطنة عمان، وكما يرى "الطيب" أن المذاهب الثلاثة لم يكفروا أي فرد، في حين يرى آخرون أن مذاهبهم لا تكفر، بل بعض مفكري السنة أنفسهم، مثل محمود حسن إسماعيل، يرى أن الخوارج أكثر الفرق الإسلامية التي رفضت التكفير، وفي رأيه أن أحاديث قادة المذاهب يحركها التعصب أكثر من أي شيء آخر.

وإذا كان شيخ الأزهر يرى أن تلك الفرق الثلاث لم تكفر مسلماً، فالسؤال وماذا عن غير المسلمين، لأن هناك شيوخاً معدودة في مذهب أهل السنة والجماعة أعمدة ولهم فتاوى تكفيرية، مثل "ابن تيمية"، وكتب أحاديث، مثل البخاري، مليئة بأحاديث منسوبة للنبي تحض مباشرة على قتال غير المسلمين.

حصر شيخ الأزهر مشكلة الإرهاب والتكفير في الفهم الخاطئ للعقيدة، وبالتالي يجب دلهم على الطريق الصحيح، والحقيقة أن مشكلة الإرهاب متشعبة ولها أسباب كثيرة، صحيح من بينها الفهم الخاطئ للدين، لكن أيضاً هناك المصالح السياسية، المطامع الاقتصادية، دور الأجهزة الأمنية في الدول، وعلى رأس الأسباب، ديكتاتورية الحكّام، قمع الشعوب، الفقر والفساد.

والدليل أنه حين وقعت الفتنة الكبرى بين الصحابة وقُتل الآلاف، لم يكن هناك سواهم وهم حملة السنة الأوائل، ولكن كان للسياسة كلمتها، وفي العصر الحديث، لو فكر صدام حسين أو معمر القذافي في صنع جيش وطني بدلاً من تبديد الأموال على التجسس، لكان هناك حائط صد أمام داعش.

وبالتالي ما نحتاجه ليس مذاهب بل منح الحرية للمواطنين، حفظ حقوقهم، تطبيق القوانين على كل من يحرض على الكراهية، توفير حياة كريمة لهم وإنشاء وعي يقبل التعددية، وهي عملية تراكمية مسؤولة عنها الدولة على كل المستويات، عند تنفيذ كل ذلك ستبقى فئة متطرفة بلا شك، لكنهم سيكونون بلا تأثير وأمام شعب هو حائط الصد الأول.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard