حتى لا نتورط في التصفيق للظلم ومساندة الطغاة... هل يمكن أن نعيش دون "ولاء"؟

السبت 7 مارس 202003:05 م

بالولاء رُفِعَت شخصيات فوق الرؤوس، وبسببه دهست رؤوس تحت الأحذية، ولننظر إلى معاركنا وسجالاتنا على السوشيال ميديا، حول تخوين أو تمجيد حسني مبارك، معمر القذافي، بشار الأسد، زين العابدين بن علي أو قيادات سياسية عربية أخرى، كأمثلة على تجسد هذا الاستقطاب الجماهيري، المبني على ثنائية الموالاة والخيانة، أو الـ"نحن" والـ"هم".

هذه الثنائية هي أحد مواد القانون الأخلاقي، وإذا كان القانون الأخلاقي يتعرض للانتهاك على مر العصور من قبل العصاة والمجرمين، فكذلك يتعرض لهجوم من قبل المصلحين، أنصار المصلحة العامة والمبشرين بالوحدة الروحية، للمطالبة بتغييرات كبيرة في المعايير الأخلاقية التي تحكم حياتنا، حسبما يقول الفيلسوف الأمريكي جوزايا رويس، في كتابه "فلسفة الولاء".

من هذا المنطلق دعونا نعيد النقاش حول فلسفة "الولاء والخيانة"، لنتساءل: لماذا يتسم أغلب الموالين لفكرة ما بالتطرف؟ هل الولاء مطلق أم أنه مقيد بالزمان والمكان والظروف المحيطة؟ هناك مجتمعات وأشخاص يعيشون بولاءات متضاربة تجاه نفس الشيء، وفي ظل هذ التناقض وهذا التطرف: هل الأكثر منطقية أن يعيش الإنسان بلا ولاء، أو بمعنى آخر بولاء لنفسه وأفكاره هو فقط، كي لا يقع في فخ التطرف أو التناقض؟ أم أن الإنسان لا يستطيع العيش دون ولاء لقضية يشاركه فيها آخرون؟

أبطال وخونة في الوقت نفسه

قبل أن نجيب على الأسئلة التي طرحناها لابد من توضيح الأزمة نفسها أولاً، والتدليل عليها بشكل أوضح، وقد تكون الأمثلة التاريخية أكثر وضوحاً من الأمثلة التي ذكرناها في البداية، باعتبار أن الحكم على التاريخ عادة يتم بهدوء أكثر، وبعد اتضاح الصورة واكتمالها، ولذلك دعونا نسوق هذين المثالين لنعرف أن الحكم على شخص أو جماعة بالخيانة أو البطولة أمر معقد:

ضمن الجيش الإيطالي الاستعماري، كانت هناك فرقة عسكرية إفريقية إريترية تسمى "Eritrean Ascari" أو "عسكري إريتري"، وكانت مخلصة لإيطاليا لدرجة أنها عام 1941، حين غزت بريطانيا إثيوبيا وإريتريا، أصر أفرادها على ولائهم لإيطاليا، ولم يعلنوا استسلامهم إلا بعد أربعة أشهر، حين أعلن الجنود الإيطاليون أنفسهم الاستسلام، وكانوا يستطيعون الاستسلام بمجرد دخول البريطانيين أراضيهم، ما يدلل على ولائهم لإيطاليا، حسبما ذكر أستاذ التاريخ Tekeste Negash في كتابه Italian colonialism in Eritrea 1882-1941.

هذا الولاء الشديد لم يكن وليد عام 1941؛ ففي عام 1896، حين غزت إيطاليا إثيوبيا، وقع 800 فرد من الفرقة في الأسر الإثيوبي، خلال معركة العدوة "Battle of Adwa"، وعقاباً لهم على ما اعتبره الإثيوبيون خيانة لهم، قرروا تشويه أعضائهم ببتر أياديهم اليمنى وأقدامهم اليسرى، وفي المقابل تعامل الإيطاليون مع هؤلاء الأسرى المشوهين على أنهم أبطال وطنيين، وكتب فيهم الشاعر الإيطالي Giovanni Pascoli ديواناً شعرياً بعنوان "من أجل العساكر المشوهين"، يمتدحهم ويمجد بطولاتهم.

في القصة التي سردناها تبنى معسكران متقاتلان رأيين متناقضين تجاه شيء واحد، ولكن الأكثر تعقيداً، أن تجد نفس المعسكر الواحد يتبنى رأيين مختلفين تجاه نفس الشيء، كما في هذه القصة:

الحاج مصطفى البشتيلي، مفجّر ثورة القاهرة الثانية ضد الحملة الفرنسية، وهو أحد تجار منطقة بولاق أبوالعلا بالقاهرة، استغل ومعه أهالي بولاق، انشغال الجيش الفرنسي في حربه مع العثمانيين بمنطقة عين شمس، وقاد هجوماً على قلعة "كامان" التي أقامها الفرنسيون عند قنطرة الليمون، " كوبري الليمون الآن"، وأخذوا ما بها من أسلحة، وبعد عودة الجيش الفرنسي من عين شمس، كان الثوار بقيادة البشتيلي قد أقاموا الحصون والمتاريس لمنع الفرنسيين من دخول حيّهم، فقرّر كليبر، قائد الحملة آنذاك، القضاء عليهم، وأخذ يدكّ المنطقة بالمدفعية، حتى تحوّل هذا الحي التجاري إلى كتلة من النار فوق رؤوس أهله، حسبما يخبرنا الجبرتي في تاريخه.

وبعد ثمانية أيام من القصف، دخل الفرنسيون بولاق واعتقلوا البشتيلي وسجنوه بقلعة صلاح الدين، ونكلوا بأهل الحي بوسائل شتى، وأثناء ذلك قال الفرنسيون للأهالي، إن ما حل بهم من دمار وخراب سببه البشتيلي، وأقنعوهم بالعفو عنهم إذا ما قتلوا البشتيلي بأيديهم، فوافق الأهالي، وتحول الرجل الذي كان محرراً وثائراً من أجلهم بالأمس، إلى خائن يستحق القتل، فتسلموه من الفرنسيين وأخذوا يضربونه بالنبابيت حتى قتلوه.

أيام بسيطة كانت فاصلاً بين الولاء والخيانة، فرغم أن الرجل حين ثار على الفرنسيين وكان بطلاً، تحول إلى خائن في عيون نفس الناس الذين رأوه بالأمس بطلاً.

الولاء العاطفي المدمر

الولاء لا يمكن أن يكون مسألة شخصية كلية، فهو ولاء شخصي لقضية تهم آخرين، لا تهم الشخص وحده، ولذا فمن طبيعته أنه اجتماعي، حسبما يوضح جوزايا رويس، وبما أن الولاء اجتماعي، فيمكن تفسير نواتجه من تطرف واستقطاب حاد، بل وتضارب الولاءات وارتباطها بتقلبات الظروف المحيطة كما ذكرنا في المثالين السابقين، وفقاً لنظرية غوستاف لوبون حول سيكولوجية الجماهير.

وتوصل المفكر والطبيب الفرنسي إلى أن سلوك الجماهير يتسم بسرعة تقلبه، خضوعه للتحريض العاطفي والصور المثارة في ذهنه، وعلى القوة لا على الحقائق المنطقية، فالمؤثر بها هو النخاع الشوكي وجذع المخ المسؤولان عن التفكير العاطفي، لا القشرة المخية المسؤولة عن التفكير العقلاني المنطقي، مشيراً إلى أن الإنسان حين يكون وحده ويفكر بشكل فردي يعتمد أكثر على العقل، لأنه يمتلك الأهلية والكفاءة للسيطرة على ردود فعله، وعلى العكس حين يكون جزءاً من مجموعة، حيث يتأثر بالتحريض العاطفي للمجموعة، التي تتأثر هي الأخرى بتحريضات من قوى لها نفوذ عاطفي أو سلطوي عليها.

هذه المحرضات التي تحدد سلوك الجمهور تتسم بالحيوية والحركة، فيمكن لهذا الجمهور أن ينتقل بسرعة وسهولة من كونه جلاداً إلى أن يكون ضحية وشهيداً، وبالعكس، بحسب لوبون. وما سبق قد يفسر بوضوح فكرة التطرف في الموالاة أو التخوين، كما في حالة الجنود الإريتريين، وكذلك تقلبها العنيف في حالة مصطفى البشتيلي.

تغييب عقل الجماهير ربما يقع تحت ما يسميه الفيلسوف الفرنسي جوليان بندا، بـ"تنظيم العواطف الجماعية"، حسبما أوضح في كتابه "خيانة المثقفين"، والذي يقوم به بعض المؤثرين في الرأي العام، من المثقفين وغيرهم، لصالح الديكتاتورية الحاكمة، وهو الاتجاه الذي تبناه في القرن التاسع عشر، بعض الفلاسفة، ومنهم الإنجليزي ماثيو أرنولد، والذي يقول في كتابه "الثقافة والفوضى"، إن الدولة هي الذات الفضلى للأمة، وإن الثقافة القومية هي التعبير عن "الأمثل" بين كل ما قيل وما جرى التفكير فيه.

استحواذ الأنظمة الديكتاتورية على عقول الجماهير الموالية لها، يجعل الشر في عقول هذه الجماهير أمراً تافهاً وبلا قيمة أخلاقية، فهو عمل روتيني كأي عمل يؤدَّى بلا مشاعر، حيث تنفذ هذه الجماهير أبشع الجرائم بمنتهى الأريحية، بعد أن تحولت إلى آلة لتنفيذ قرارات الديكتاتور، حسبما ترى الفيلسوفة الألمانية حنا آرنت، في كتابها "أيخمان في القدس"، في إطار تفسيرها لجرائم النازيين ضد ضحاياهم.

بالطبع ما سبق يؤدي أيضاً إلى جماعات معارضة أكثر تطرفاً في ولائها وتخوينها، تتبنى هذا التفكير الأحادي، وتنمو داخلها النزعات الانتقامية، كما ترصد آرنت بالنسبة لما ووجهت به النازية، خاصة من اليهود.

نحو تفكير خارج سلوك الأكثرية

هذا الاتجاه ووجه برؤية مضادة من فلاسفة مثل جوليان بندا، الذي طالب بالتوقف عن التفكير وفقاً للعواطف الجماعية، والتركيز بدلاً من ذلك على القيم المتسامية، القابلة للتطبيق على كل الأمم والشعوب.

ويدعم ذلك ما قال به المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد، في كتابه "صور المثقف"، الذي اعتبر أن تكرار الصيغ الجماعية هو تكاسل شديد، يؤدي إلى الإلزام بالأحكام الجاهزة، ويسوق إلى العبارات المبتذلة والاستعارات الشائعة التي تجعل الجميع منحصراً بين "نحن" و"هم"، وقد تنساق إليها وسائل صناعة المعرفة كوسائل الإعلام، ما يُبقِي الذعر الجماعي مستعراً، خيفة وقوع خطر ما بالنسبة للجماعة أو الدولة، وبالتالي يصبح الالتفاف حول النظم الحاكمة لهذه الجماعة أمراً بديهياً.

وهذه النظم ليست بالضرورة تسعى للخير، وإنما ميزتها عن غيرها أنها انتصرت في صراع ما، وبناءً عليه استطاعت السيطرة على هذه المجموعة من البشر، وفي النزاع التاريخي، كل من خرج منتصراً يخطو على أجساد من سقط في الميدان، كما يقول الفيلسوف الألماني والتر بنيامين.

لما سبق يرى عالم الاجتماع الأمريكي إدوارد شيلز، أن كل مجتمع لابد أن يشمل أشخاصاً يمتلكون حساسية غير معتادة تجاه المقدسات، وتبصراً غير مألوف في طبيعة عالمهم وفي القواعد التي تسوس مجتمعهم، يتصلون بإشارات بعيدة عن مجال زمانهم ومكانهم، ليتغلغلوا فيما وراء ستار التجربة المادية المباشرة. وبهذه الروح، يحدث التحول من الإجماع والروح الجماعية، إلى الارتياب من المقدسات وتفنيدها، حسبما ينقل سعيد.

عن هشاشة الولاء وخطورته... أيام بسيطة كانت فاصلاً بين الولاء والخيانة في قصة البشتيلي، فتحول من بطل يقاتل الفرنسيين إلى خائن في عيون أتباعه أنفسهم 

ما هذا القلق النفسي؟

البعض قد يعتبر ما ذكرناه دعوة للانسلاخ عن الهوية القومية، الدينية أو العرقية، وهو أمر يراه إدوارد سعيد صعباً، فما من أحد يستطيع التجرد بشكل كامل من انتمائه العرقي، الديني أو القومي، فحتى لو كان هو نفسه مصراً على ذلك، يظل في عقله وروحه رواسب من بيئته.

كما يرى جوزايا روس، أن الدعوة للانسلاخ عن قيمة الولاء، بدعوى أنها سبب الكوارث الإنسانية واستغلال الطغاة لها للسيطرة على شعوبهم، هي دعوة نظرية، لأن الضمير الفردي هو في حقيقته ابن الأخلاق والأفكار والمشاعر المكتسبة، من الموروثات التي تربى الفرد عليها داخل في هذا المجتمع، وبالتالي فإن اللجوء إليه لمعرفة الصواب والخطأ هو أمر لا يمثل الفرد، بل يمثل، في باطنه، القيم والأفكار التي اكتسبها هذا الفرد من محيطه.

وشدد رويس على أن الإنسان يصعب أن يعيش دون ولاء، لأن في الولاء اطمئناناً؛ فمهما كانت قضيتك، فوجودها يعني أن تحيا متحرراً من القلق وعدم الرضا النفسي، ولذلك غالباً ما يقضي الولاء على التردد، ويؤدي إلى استقرار الحياة.

الولاء لا يأتي بالإكراه أو التحريض العاطفي، وإنما يأتي طواعية وبإرادة ذاتية، وأن الولاء الحقيقي لن يتحقق إلا إذا كان الفرد مستقلاً وحراً

ولكن، كيف نعيش بالولاء دون الانسياق مع الأكثرية؟

يرى رويس أن الولاء ليس انصهاراً وذوباناً في قضية معينة، وإنما اتحاد الفرد مستقلاً بهذه القضية المتوافقة مع خلقه، ومن ثم الاتحاد مع قضايا أكبر منها؛ فالفرد يعيش واقعه باعتباره جزءاً من هذا الواقع بولاءاته وقضاياه، ومن خلال مجتمعه الضيق يصبح جزءاً من مجتمع أكبر، حتى يعتبر نفسه جزءاً من المجتمع الإنساني، وحينها تتحقق الوحدة الأكبر مع العالم الإنساني، الذي ينبغي أن يبذل الفرد جهده لفهمه والتعايش معه، باعتباره جزءاً منه، وباعتبار أن هذا العالم هو جزء من الكون الكبير الذي لا ندركه كله.

فالولاء عند رويس حسبما يعرفه، هو: التفاني "الإرادي" والعملي والدائم، من قبل فرد ما تجاه قضية معينة، فيتصف الفرد بالولاء، أولاً، إذا كان لديه القضية التي يتجه بولائه لها، وثانياً، عندما يهب نفسه لخدمتها "طواعية"، وثالثاً، عندما يعبر عن هذا الإخلاص والتفاني للقضية، بطريقة عملية مقبولة، وبخدمة القضية بصورة فعالة ودائمة.

ومن تعريف رويس نفهم أن الولاء لا يأتي بالإكراه أو التحريض العاطفي، وإنما يأتي طواعية وبإرادة ذاتية، وأن الولاء الحقيقي لن يتحقق إلا إذا كان الفرد مستقلاً وحراً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard