تذوقت "البهائية" في معبد اللوتس الهندي

الاثنين 9 مارس 202003:45 م

تكتظ نيودلهي بالعديد من المعالم الأثرية ذات التصميمات المعمارية المذهلة، وسط تلك المعالم الأثرية، يوجد نصب كبير على شكل زهرة لوتس عملاقة اسمه "معبد اللوتس"، وهو واحد من أهم مشارق الأذكار البهائية التسعة الموجودة في العالم، "في مدينة ويلميت قرب مدينة شيكاغو في أمريكا، في مدينة سيدني في أستراليا، في جزيرة سموا الغربية، وفي مدينة كمبالا في يوغندا ، في مدينة بنما في دولة بنما، في مدينة لانغنهاين قرب مدينة فرانكفورت في ألمانيا، كمبوديا وتشيلي".

وكان لدي خلفية مسبقة عن البهائية، وعن محافلهم الروحانية من أصدقائي البهائيين الموجودين في مصر، والذين اقترحوا عليّ أن أزور "معبد اللوتس"، عندما أكون في الهند، ولذلك وضعتها على قائمة الأماكن التي ارغب بزيارتها.

على الرغم من وجود مركز روحاني بهائي في مصر، ويطلق عليه "حظيرة القدس"، ولكنه مغلق منذ عام 1960، وممنوع أي نشاط فيه منذ عقود، بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر. 

يقع معبد زهرة اللوتس بالقرب من محطة مترو Kalkaji Mandir وNehru Place، وتوجد العديد من وسائل النقل الخاصة والعامة من مختلف أنحاء المدينة تقلكم إلى المعبد، نظراً لكونه نقطة جذب مهمة للسياح في دلهي.

لا توجد أية رسوم لدخول المعبد، مررت عبر بوابة إلكترونية يتم فحص الحقائب من خلالها، ثم سرت عبر حديقة جميلة ذات مناظر طبيعية خلابة، وبعد بضعة كيلومترات، صادفتُ غرفة مبنية بالطوب، وفيها أناس يطلبون خلع الأحذية، وتسليمها لهم بعد أن أعطوني حقيبة مصنوعة من القماش لوضع الحذاء فيها، ثم أعطوني رقماً لأخذ الحذاء لاحقاً، بعد انتهاء الجولة.

لم أستغرب كثيراً فخلع الحذاء في الهند أمر تعتادون عليه بمجرد وصولكم، وشيئاً فشيئا لن تستغربوا إذا طُلب منكم خلع الحذاء لدخول أحد المحلات.

خلع الحذاء في الهند أمر تعتادون عليه بمجرد وصولكم، وشيئاً فشيئا لن تستغربوا إذا طُلب منكم خلع الحذاء لدخول أحد المحلات، فما بالكم بمحفل ديني بهائي كمعبد اللوتس

المكان يبدو جميلاً للغاية، ظللت أمشي عبر تلك الحدائق حتى وصلت إلى سلم يقود للمعبد، وإذا بإحدى المتطوعات تستوقفني: "صباح الخير، اسمي بارفين حاتم، متطوعة من إيران، ما هي جنسيتك؟"

"مصرية".

مدت يدها في الحقيبة التي تحملها، وأعطتني منشوراً باللغة العربية، يحوي معلومات عن المعبد، والديانة البهائية، ثم أشارت إلى مركز خدمة الزوار، وقالت: "بعد زيارتك للمكان إذا كان لديك أي استفسار فتفضلي هنا".

سر الرقم 9

صعدت السلم لأرى أمامي زهرة لوتس عملاقة، نصف مفتوحة، مؤلفة من 27 بتلة، منفتحة على تسع جهات، يغطيها الرخام الأبيض، وتسع برك، (ليست فقط من أجل الشكل الجمالي للمكان، وإنما لها دور مهم في نظام التبريد الطبيعي لقاعة الصلاة)، إضافة إلى تسعة أبواب.

وعرفتُ أن الرقم تسعة يدل على المسارات الروحية الموحدة للعقيدة البهائية، وهو أيضاً يرمز للشمولية والوحدة.

أمام الأبواب يقف أيضاً المتطوعون من أنحاء العالم لتنظيم دخول الزوار، دخلت من أحد الأبواب المؤدية الى القاعة الرئيسية "قاعة الصلاة"، كانت القاعة كبيرة، وعرفت لاحقاً أنها تستوعب 2500 شخص، لم تكن قاعة الصلاة مثل أي قاعة صلاة رأيتها من قبل، فهي تخلو من الصور والأيقونات والتماثيل، تحتوي فقط على بعض المقاعد التي يسمح بالجلوس عليها من أجل الاسترخاء والتأمل، أو الصلاة وقراءة النصوص أو الكتب الدينية لأي دين دون عوائق.

وقد أخبرني أصدقائي البهائيون أنهم يعتبرون الصلاة "محادثة مع الله"، وينظرون للتأمل على أنه مفتاح أبواب الألغاز، وفي هذه القاعة يسحب الإنسان نفسه من العالم الخارجي والأشياء المادية، ويغمر نفسه في محيط الروحانية.

وبعد أن غادرت القاعة الرئيسية، توجهت مباشرة إلى مركز خدمة الزوار للحصول على معلومات أكثر حول البناء، كان المركز عبارة عن مكتبة كبيرة، يوجد بها بوسترات للمكان، صور موضوعة على الطاولات، وكتب وCD وكلها عن الإيمان البهائي.

قابلتني إحدى المتطوعات بابتسامة كبيرة وسألتني أيضاً عن جنسيتي، قالت لي إذا كان لدي أية استفسارات عن الديانة البهائية، فمن الأفضل أن توصلني بأحد المتحدثين باللغة العربية ليتحدث معي بلغتي الأم.

أخبرتها بأنه لا داعي، فأنا أعرف عن البهائية من أصدقائي الموجودين في مصر، ولكن أرغب في الحصول على بعض المعلومات حول المكان، وسألتها عن سبب بناء المكان على هيئة زهرة اللوتس؟ قالت: إن زهرة اللوتس هي رمز للطهارة والحب والخلود، وهي أيضاً رمز مهم في الثقافة الهندية، وهذا هو السبب في أن تصميم المكان مستوحى من زهرة اللوتس المقدسة.

ينظر البهائيون إلى التأمل على أنه مفتاح أبواب الألغاز، وعندما تأملت في "قاعة الصلاة"، عرفت معنى الانسحاب من العالم الخارجي، والمادية، والاستغراق في الروحانية

وهذا البناء صممه المهندس المعماري الإيراني "فاريبورز صاحب" عام 1986 على مساحة 26 فداناً.

وسألتها عن اهتمامهم بالحدائق والزهور، فقالت: إذا تأملنا حديقة مليئة بالزهور فسنجد كل الأزهار تخرج من أرض واحدة وتظللها سماء واحدة، ورغم ذلك كل زهرة لها سحر مختلف، وحجم ولون مختلف، كما هو الحال مع الإنسانية.

ورددت المتطوعة بخشوع: "كُلكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد"، مضيفة: "كما أخبرنا حضرة بهاء الله عن اتحاد الجنس البشري".

وأخبرتني المتطوعة أن المعابد البهائية المعروفة باسم "مشارق الأذكار"، والمنتشرة في قارات العالم، لها دور تنموي في كل بلد تتواجد فيه، فالمعبد البهائي في دلهي له دور هام، تثمنه الحكومة الهندية، في تمكين المرأة وتعليمها وتثقيفها، وله عيادات طبية أيضاً لعلاج المرضى والفقراء، وبرامج تعليمية للأطفال والشباب يشارك فيها الجميع بدون تمييز ديني أو عقائدي، ويؤمن البهائيون بوحدة العالم الإنساني، ويعملون على تحقيق ذلك.

ظلت السيدة تتحدث معي حوالي ساعة، وابتسامتها لا تفارقها، ثم عرضت عليّ جولة وسط الحدائق، قضيت خلالها ساعة أخرى وسط الزهور ذات الألوان المتعددة، هالة الصمت العميقة التي تحيط بالمكان تحض على الخشوع، فجمال المكان وحالة السكون والهدوء، يجعلان المرء يشعر بالعظمة والسلام والجمال الذي يلامس قلوب الزوار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard