"صلِّحْ" صحني لطفاً... ماذا جرى لمطاعم الفول الدمشقيّة بعد الحرب؟

السبت 7 مارس 202003:44 م

المرة الأولى التي سمعت فيها بفكرة "صلّح" كانت منذ حوالي خمسة عشر عاماً على ما أظن. كنا نستمتع، أنا ومجموعة من الأصدقاء، بتناول وجبة من الفول باللّبن، والفول بالزيت، لدى واحد من أشهر وأقدم محالّ الفول في حي "ركن الدين"، شمال دمشق، ليطلب أحد أصدقائي من صاحب المحلّ أن "يصلّح" له صحنه، أي أن يأخذ الصحن الفارغ ويملؤه من جديد.

"بس نحنا ما منصلّح"؛ أجاب أحد العمال، ليأتي آخر ويسكب كمية قليلة في صحنِ صديقي، موضحاً بأن "التصليح" هو تقليد يقوم به عدد قليل من محالّ دمشق، وأشهرها محل "عبد المجيد الفوّال" في شارع "الثورة" وسط المدينة، والذي عُرف لسنوات طويلة باسم محل "صلّح" فقط، دون أن يحظى اسم صاحبه بالشهرة ذاتها.

وكان عليّ حينها أن أعرف بأن هذا التقليد يعني بأن أي زبون قادر على إعادة ملء صحنه من جديد، ولعدد غير محدود من المرّات، حسب رغبته، على أن يدفع في نهاية المطاف ثمنَ صحن واحد فقط. استغربتُ قليلاً، لكن مع كون هذا الطبق يمثل واحداً من أكثر الأطباق شعبية في سوريا وأيضاً أقلّها تكلفة، بدا الأمر طبيعياً إلى حدّ ما، خاصة وأنّ ثقافة السوريين تَعتبر بأن تقديم كميات وافرة من الطعام، والتي تصل أحياناً حدّ الإسراف، هو دليل الاحتفاء.

في سوريا، يُصنع هذا الطبق بعد سلق نبات الفول وإضافة الزيت والطماطم والبقدونس والبصل والثوم، أو اللبن مع مكونات أخرى منها أيضاً الطماطم والزيت والبقدونس، ويقدّم مع أرغفة من الخبز الطازج وقطع من البصل والبصل الأخضر وأنواع مختلفة من المخلّلات.

أسلوب غير مألوف للدعاية

يعود تاريخ محل "صلّح" إلى أكثر من مئة وعشرة أعوام. ورث صاحبُه الأخير المحلّ عن أبيه الذي أخذ المهنة بدوره عن الجدّ، وهو تقليد تعرفه معظمُ العائلات الدمشقية التي تعمل في مجال الحِرف والمهن اليدوية والتقليدية.

ويعود اسم "صلّح" إلى الجد الذي اهتمّ بمساعدة الفقراء وذوي الحاجة، فابتكر طريقته الخاصة بأن يعرض عليهم إمكانية تناول الكميات التي يرغبون بها من الفول مقابل سعر صحن واحد فقط.

يعود اسم "صلّح" إلى الجد الذي اهتمّ بمساعدة الفقراء وذوي الحاجة، فابتكر طريقته الخاصة بأن يعرض عليهم إمكانية تناول الكميات التي يرغبون بها من الفول مقابل سعر صحن واحد فقط

ومع أن طريقة الجدّ الخاصة هذه كانت تنمّ دون شك عن الكرم وحسن الضيافة، وهما صفتان اشتهرت بهما معظم محالّ دمشق في تلك الفترة، إلا أن العديد من زبائن "صّلح" كانوا يتندرون حول ذكاء صاحبه. فطبق الفول معروف بثقله على المعدة، وعادة يستحيل أن يتناول الشخص أكثر من طبقين أو ثلاثة على أبعد تقدير. وبالتالي، شكّلت فكرة "تصليح" الطبق، أو تجديده، دعاية غير مكلفة، بل وقادرة على جذب الزبائن من جميع أنحاء المدينة، على الأقلّ بدافع الفضول والتعرّف عن قرب على هذه الفكرة النادرة، وربما لتجربة تناول أكثر من صحن بسعر صحنٍ واحد.

ورغم أن معظم محالّ الفول في دمشق، بكثرتها، لم تتبع خطى "صلّح" في طريقة تعامله مع الزبائن، إلا أن البعض قلّدها بشكل مختلف، فتوجّه لإضافة كمية محدودة من حبات الفول للصّحون التي تفرغ بسرعة، أو حتى تقديم طبق إضافي مجاني للطّاولات التي يجلس عليها عدد كبير من الزبائن، لتكون هذه الأساليب "ضيافة" من قبل المحلّ، وطريقة ناجحة في الدعاية له.

محل "صلّح" لم يعد موجوداً

لم أقصد محل "صلّح" منذ زمن طويل، وكنت أسمع بين الحين والآخر بأنه انتقل إلى منطقة أخرى، أو قرر الإغلاق بشكل نهائي. كان لابدّ من رحلة صغيرة للبحث عنه.

يتذكّر جميع من في المنطقة محلَّ الفول الشهير بكل مودّة. "من منا لا يعرفه؟"؛ يجيبون عندما أسألهم عنه. وتمتزج الإجابات بالحنين لسنوات ماضية؛ "لا يشبه ما نعيشه اليوم"، كما يقولون. فملامح الحيّ تبدلت كثيراً بعد إزالة الكثير من محالّه وإغلاق محالّ أخرى وسفر أصحابها، خاصة أن الحياة برمّتها قد تغيّرت خلال سنوات الحرب الأخيرة.

يحدّثني أبو هيثم، وهو صاحب أحد محالّ بيع الحيوانات الأليفة في شارع الثورة، عن انتقال الفوال الشهير الذي كان مجاوراً له منذ حوالي أربعة أعوام إلى سوق الهال القريب، ومن ثم إغلاقه بشكل نهائيّ منذ حوالي عام ونصف. لا يعرف أبو هيثم ولا أيُّ شخص آخر في المنطقة أين انتهى المطاف بـعبد المجيد الفوّال".

"ليس المحل هو فقط من أغلق، لكن التقليد برمّته بات من ذكريات الماضي، فهو كان في طور الاندثار منذ حوالي عشر سنوات، وجاءت الحرب لتعلن زواله بشكل نهائي"؛ يقول الرجل الستينيّ، مبرراً الأمر بارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، وعدم قدرة أصحاب محالّ الفول على الاستمرار بتقديم كمّيات مجانية سيقع عبء تحمّل تكاليفها على عواتقهم بشكل ثقيل.

يقول أحد الزبائن ممازحاً: "صلّحلي". ينظر إليه صاحب المحلّ ضاحكاً ويقول: "سقى الله تلك الأيام!". يعرف الرجل الأربعينيّ فكرةَ "صلِّح"، ويقول بأن هذه الطريقة لم تتبع يوماً في محلّه، لكنهم كانوا يحرصون على الدّوام على تقديم كميات كافية لكلّ زبون بأقلّ سعر ممكن

ولا يخفي أبو هيثم حزنه على هذا التحوّل الذي قد يكون بسيطاً، لكنه ذو أثر كبير على الرّجل وكثيرين غيره، ممن كانوا زبائن مواظبين على ارتياد محلّ الفول الأشهر في المدينة.

اندثارُ الفكرة يعني بالنسبة لنا تَغيُّرَ شكلِ الحياة

الساعة الثانية عشرة ظهراً. يمتلئ محلّ أبو حمزة للفول والحمّص والفتّات الشامية، والذي يقع في واحد من أحياء دمشق القديمة بالزبائن. ترتفع أصوات قرقعة الصحون ممزوجة بالعبارات التي يتبادلها الروّاد والعاملون في المحلّ، ويمكن بكلّ سهولة تمييز روائح الفول والحمّص المسلوقيْن والخبز الطازج.

يقول أحد الزبائن ممازحاً: "صلّحلي". ينظر إليه صاحب المحلّ ضاحكاً ويقول: "سقى الله تلك الأيام!". يعرف الرجل الأربعينيّ، دون شكٍّ، فكرةَ "صلّح"، ويقول بأن هذه الطريقة لم تتبع يوماً في محلّه الذي يزيد عمره عن الخمسين عاماً، والذي ورث العمل فيه عن أبيه. لكنهم كانوا يحرصون على الدّوام على تقديم كميات كافية لكلّ زبون بأقلّ سعر ممكن.

"للأسف، اليوم لم يعد ذلك بالأمر السّهل. كنّا نبيع صحنَ الفول قبل الحرب بأربعين ليرة سورية (أقلّ من دولار أمريكي بقليلٍ حينها)، واليوم نبيع الصحن بخمسمئة ليرة (نصف دولار)، وبالكادّ نحقّق ربحاً كافياً مع ارتفاع أسعار كلّ المواد الأولية بشكل جنوني. يستحيل أن نضع تسعيرة أعلى من ذلك، فزبائننا هم من العمّال والموظّفين الذين بالكادّ يكفيهم دخلهم الشهري، وبالتالي لا يمكننا سوى تقديم الكمية المحدّدة ضمن كل صحن"، يشرح لي الرجل.

وكي لا يردّ الزبون المطالب بالتصليح خائباً، يضيف أحد الشباب العاملين في المحلّ بضع حبات من الفول إلى صحنه. "نحاول أن نكسب المزيد من الروّاد كلّ يوم عن طريق السُّمعة الحسنة. هو أمر مشابه لما كان يقوم به فوال (صلّح) في ما مضى، فلكلّ زمنٍ ظروفه وطريقته"؛ يقول أبو حمزة بابتسامة عريضة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard