وسط أكبر تجمع للآثار الفرعونية في أوروبا... جولة في المتحف المصري في تورينو الإيطالية

السبت 21 مارس 202002:41 م

قبل أكثر من مائتي عام، مع قدوم نابليون بونابرت وحملته الفرنسية إلى مصر، كان هناك وسط رجال الحملة من تعلّق قلبه بعشق مصر؛ "كوستانزا"، ابن مدينة تورينو الإيطالية، والذي رافق القائد الفرنسي في حروبه، ثمّ عاد إلى مدينته في قلب إيطاليا عام 1824، بعد تعيينه قنصلاً لفرنسا في تورينو.

عشِقَ كوستانزا سحرَ مصر وتعلق قلبه بالحضارة المصرية القديمة ومقتنياتها، فظلّ ينفق المال في تجميع وشراء القطع الفرعونية النادرة طوال وجوده في مصر بغرض التجارة، وحاول بيعها على متحف اللوفر في باريس، لكن طلبه قوبل بالرّفض لارتفاع الأسعار التي طلبها، فقرّر تغيير خطته، وتمكّن من إقناع ملك "البيمونته"، ابن عائلة سافويا التي كانت تحكم جزءاً من فرنسا حينها بما فيها "نيس"، بتأسيس المتحف المصري في تورينو الإيطالية.

عاصمة إيطاليا القديمة

تورينو، المدينة الخفية الواقعة في شمال غرب إيطاليا، على حدود جبال الألب الثلجية، والمجاورة للحدود الفرنسية الشهيرة بقلاعها الصناعية، كانت العاصمة الأولى لإيطاليا الموحدة قبل ما يزيد عن 150 عاماً، حينما كان ساسة الوحدة الإيطالية من أمثال "كافور" يصولون ويجولون، ومنها انطلقت احتفالات الذكرى المائة والخمسين لإقامة الوحدة الإيطالية قبل أعوام قليلة.

من أبرز القطع الأثرية في متحف تورينو، "المخطوط الملكي" الذي يعتبر أهمّ المصادر في رصد تسلسل العائلات المالكة في مصر القديمة

لم تقتصر مقتنيات المتحف على ما أحضره كوستانزا في رحلته مع نابليون، بل ذهب مدير المتحف مرة أخرى إلى مصر بعد تأسيس المتحف بعقود، وذلك أثناء حكم العثمانيين لمصر، للتنقيب عن مزيد من الآثار الفرعونية، وذلك في ظلّ غفلة معبرة عن الإهمال الذي انتهجته الدولة العثمانية في التعامل مع الآثار المصرية.

أكبر تجمع للآثار الفرعونية في أوروبا

منذ تأسيسه عام 1824، مرّت عملية تحول المتحف المصري بتورينو لأكبر تجمع للآثار الفرعونية في أوروبا بعدّة مراحل، كانت نتيجتها مبهرة بعد عقود طويلة، فأصبح المتحف يضمّ حالياً ثاني أكبر مجموعة آثار فرعونية في العالم بعد مجموعة المتحف المصري في التحرير.

آخر عمليات التطوير وأكبرها حدثت خلال الأعوام العشرة الأخيرة، والتي تحوّل بعدها المتحف إلى تحفة فنية ومعمارية بارزة في أوروبا، بعد إعادة افتتاحه عام 2016. وتكلّف تحديثه مبلغ تجاوز الخمسين مليون يورو.

"Egizio Museo" أصبح يضمّ صالة عرض مبهرة لتحف الحضارة المصرية، وهي الوحيدة في أوروبا المخصّصة كلياً لحضارة مصر، ويحتوي المتحف على آلاف القطع الأثرية المتنوعة بين التوابيت والتمائم والمزهريات الفرعونية. وقد تمّ عرض بعض هذه القطع للمرّة الأولى في السنوات الأخيرة بعد إخراجها من المخازن  وبعد انتهاء التطوير.

عشِقَ كوستانزا سحرَ مصر وتعلق قلبه بالحضارة المصرية القديمة ومقتنياتها، فظلّ ينفق المال في تجميع وشراء القطع الفرعونية النادرة، وتمكّن من إقناع ملك "البيمونته"، بتأسيس المتحف المصري في تورينو الإيطالية

فالمتحف يضمّ نحو 12 آلف قطعة أثرية معروضة، وأكثر من 26 ألف قطعة أخرى في المخازن، مازالت تنتظر امتداداً جديداً داخل صالة العرض، وشملت أعمال الترميم إمكانية عرض تماثيل الآلهة والتوابيت والمجوهرات الخاصة بالملوك وأدوات الحياة اليومية بتقنية ثلاثية الأبعاد، كما تمّت مضاعفة مساحته لتصل إلى نحو 12 ألف متر مربع.

تحديث ديكور المتحف الواقع في "ساحة أكاديمية العلم ـ بياتزا ديلا شيانسا"، قد حوّله إلى كنز معماري ثمين لا يضاهى. وتمّ اختيار مديرة أمريكية من أصل يوناني له، ذات ثقافة واسعة واختصاص بالآثار الفرعونية القديمة، حولت صالةَ العرض الرئيسية بالمتحف إلى مقصد أساسيّ للسيّاح والدارسين في إيطاليا.

ويقدّم المتحف بأسلوب عرض عصري تماثيل رمسيس الثاني (1279 ـ 1213 قبل الميلاد)، وأمنحوتب الثاني، وتوت عنخ آمون، والإله آمون، بالإضافة لما يزيد عن 6500 قطعة عرض متنوعة. كما بقيت بعض التماثيل المعروضة في أماكنها السابقة، لكن تمّ تخفيض علوّ السقف، وإضافة إضاءة خافتة متناغمة مع اللون الأسود، فحوّلت أجواء المتحف من تقليديّ قديم إلى حديث معاصر يلفت الانتباه، ويسهل على المتجولين داخله تمييز وجوه التماثيل التي كانت تبدو متشابهة في السابق.

يدير المتحف حالياً مؤسسة مستقلة يترأسها الكاتب الإيطالي الشهير من أصل فرنسي "ألان الكان"، الذي كان صهراً لمالك سيارات فيات الإيطالية الشهيرة الملياردير الراحل "جاني أنيللي"، وصاحب الكتاب الشهير عن حياة الروائي الإيطالي "ألبرتو مورافيا".

المستوى الراقي الذي وصل إليه متحف تورينو، دفع إدارة المتحف المصري في التحرير، للاستعانة بخبرات القائمين عليه، وذلك بعد أن حصل متحف التحرير على منحة من الاتحاد الأوروبي لتطويره، لكي يصبح جاهزاً ويُسمح بوضعه على قائمة اليونسكو للتراث العالمي

وسبق أن قال "ألان" في تصريحاته لوسائل الإعلام العالمية خلال السنوات الأخيرة أن زوار المتحف زاد عددهم بعد افتتاحه الجديد ليتجاوز النصف مليون زائر سنوياً. وقام الرئيس الإيطالي، جورجيو نابوليتانو، بزيارة المتحف المصري بعد إعادة افتتاحه، وكانت تلك الزيارة هي أول أنشطته بعد تولّيه منصبه رسمياً، كما أصبحت إدارة المتحف تدار من قبل مؤسسة مستقلة غير تابعة للدولة.

بداية من عام 2016 أصبح هناك آلية تفاعلية عبر "الويب"، تتيح للأشخاص من المناطق البعيدة، الذين يعجزون عن زيارة المتحف، الوصولَ إلى المجموعة الأثرية الجديدة داخل المتحف ومشاهدتها عن طريق الإنترنت.

المستوى الراقي الذي وصل إليه متحف تورينو، دفع إدارة المتحف المصري في التحرير، وسط القاهرة، للاستعانة بخبرات القائمين عليه، وذلك بعد أن حصل متحف التحرير على منحة من الاتحاد الأوروبي لتطويره، لكي يصبح جاهزاً بالشّكل الذي يسمح بوضعه على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وتبلغ قيمة تلك المنحة 3.1 مليون يورو. ويشارك في عملية التطوير إلى جانب المتحف المصري بتورينو، كلٌّ من متحف اللوفر، والمتحف البريطاني، وبعض المنظمات والمتاحف الدولية الأخرى، ومن المقرر إنهاء عملية التطوير في مارس 2021.

مقتنيات ثمينة

من أبرز القطع الأثرية التي يضمّها متحف تورينو هو "المخطوط الملكي" الذي يعتبر أهمّ المصادر في رصد تسلسل العائلات المالكة في مصر القديمة، وتمثال الإله إيزيس، وتمثال آخر لرمسيس الثاني، ومعبد أليسا الذي قدّمته الحكومة المصرية هدية إلى المتحف مقابل التعاون في إنقاذ آثار النوبة من الغرق، ومجموعة ثماثيل ملوك الدولة الحديثة، ومعبد تحتمس الثالث، وأكفان ومومياوات مجموعة دروفيتى، ومقبرتي خا وميريت اللتان اكتشفهما شيباريلى، بالإضافة لثلاث نسخ من كتاب الموتى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard