"إحنا خطفونا وما اعتقلونا"... ظروف مالك المشابقة تسلط الضوء على معتقلي الرأي الأردنيين

الأربعاء 4 مارس 202003:10 م

غالباً، لم يتوقع الشاب الأردني مالك المشاقبة (30 عاماً)، عندما أعاد نشر فيديوهين لمعارضين أردنيين في الخارج، على حسابه الفيسبوكي، أن تؤدي به الـ"شير" إلى السجن بتهمة "تقويض نظام الحكم"، وبحكم سنة سجن.

من "الطبيعي" أنه لم يكن يتوقع ذلك، فاليوم أغلب الشباب الأردنيين والشابات الأردنيات "يعدون حتى العشرة" قبل نشر أي شيء على مواقع التواصل الاجتماعي، قد "يدغدغ" مشاعر الحكومة الحالية صاحبة الأرقام "الخيالية" في اعتقالات الرأي، وصاحبة قانون الجرائم الإلكترونية الذي يصفه حقوقيون أردنيون، بالسيف المسلط على رقاب النشطاء والحراكيين.

يبدو أن مالك "لم يعد للعشرة" قبل إعادة نشر منشورات أزعجت حكومة تصف نفسها بحكومة "النهضة"، وها هو اليوم معتقل منذ السادس والعشرين من شهر كانون الأول/يناير 2020، في سجن "الجويدة" داخل عزل انفرادي، يصارع مع أمعائه الخاوية، إضراباً مفتوحاً عن الطعام منذ 19 يوماً، ويغرد لأجله الأردنيون: #انقذوا_مالك

" اعتقالنا بيشبه طريقة الاحتلال في اعتقال الفلسطينيين"

ومن منطلق "اسأل خبير"، تواصلت مع المعتقل السابق، عبد الرحمن المشاقبة، وكنا في رصيف22 قد نشرنا تقريراً عنه عندما كان معتقلاً ومضرباً عن الطعام، وبحكم تجربته حاول أن يوصل للقارئ الحالة التي يمر بها مالك اليوم، خصوصاً وأن الأخير دخل منذ أيام في غيبوبة مؤقتة، وفي أثناء زيارة لأهله له يوم الثلاثاء، 3 آذار/مارس 2020، أغمي عليه بسبب "غيبوبة السكر".

"أنا اللي بعرف شو يعني غيبوبة السكر"، يقول عبد الرحمن، حيث أصابته عندما كان مضرباً عن الطعام قبل الإفراج عنه، بعدما هبط السكر عنده إلى 29 ووصل التراكمي إلى 2.6، حيث شعر بالغيبوبة أثناء وجوده في عزله الانفرادي عندما سقط على رأسه من الخلف.

من "الطبيعي" أن المشاقبة لم يتوقع اعتقاله، فاليوم أغلب الشباب الأردنيين "يعدون حتى العشرة" قبل نشر أي شيء على مواقع التواصل الاجتماعي، قد "يدغدغ" مشاعر الحكومة الحالية صاحبة الأرقام "الخيالية" في اعتقالات الرأي

"شو بدي أحكيلك عن مالك؟ مالك لو أمه وأبوه يحكوله وقف الإضراب ما رح يوقف... مالك كثير كثير عنيد"، بحسب ما قاله عبد الرحمن، وبحكم معرفته الشخصية بمالك المشاقبة، كصديق ورفيق زنزانة ومصارع لمعركة الأمعاء الخاوية، هو من سجن "باب الهوى" ومالك من "سجن الجويدة".

ويقول: "بعد اليوم التسعين من اعتقالي اتفقت أنا والشباب من معتقلي الرأي أن نبدأ إضراباً مفتوحاً عن الطعام، وتحديداً إضراب عنوانه: إما الإفراج وإما الموت، وكانت مطالبنا مثل ما هي مطالب مالك اليوم، بالإفراج عن جميع معتقلي الرأي، كما وقف الملاحقة الأمنية للنشطاء، لأن هناك موجة جديدة من الاعتقالات وهناك ملاحقات لبعض الحراكيين، والمطلب الثالث التحقيق في آلية اعتقالنا".

ويتوقف عبد الرحمن هنا عند نقطة آلية اعتقال الحراكيين: "إحنا خطفونا ما اعتقلونا"، مثل ما حدث له عندما تم "خطفه" أثناء خروجه من مقابلة عمل، ووضعه في سيارة من قبل رجال أمن بزي مدني، ومثل ما حدث مع حراكيين عندما تم اعتقالهم بنفس الطريقة، أو ذلك الذي تم سحبه من داخل نافذة سيارته، حتى مالك المشاقبة تم اعتقاله أثناء زيارة له لأصدقائه المعتقلين في السجن، دون أن يتم إبلاغه مسبقاً بأنه مطلوب.

"ما ببالغ إذا وصفت طريقة اعتقالنا بتشبه طريقة الاحتلال في اعتقال المناضلين الفلسطينيين"، يقول عبد الرحمن، ويؤشر في حديثه إلى آلية التعامل مع معتقلي الرأي داخل السجن، حيث أثناء تنقلاته إلى عيادة السجن عندما كان مضرباً عن الطعام، كانوا يقومون بتقييد يديه وقدميه ويده اليسرى مربوطة بحزام جلدي على الخصر، ويتابع: "اللي ما بكون ماله شي بصير ماله، من ورا التخبيط يمين وشمال على الحيطان وإحنا مربطين لما نكون رايحين على العيادة".

حتى العزل الانفرادي، حيث ووفق القانون يتم نقل كل معتقل مضرب عن الطعام إلى عزل انفرادي، كأسلوب ضغط عليه لفك الإضراب، ويتحدث عبد الرحمن عن غرفته بأنها كانت تفتقر للتدفئة، وقام بنفسه بشراء ثلاث بطانيات: "كنت أصحى ألاقيهم كلهم مي من ورا المي اللي بتنقط من السقف"، يقول عبد الرحمن.

ويتابع: "هذا بعض من الظروف التي يعيشها مالك اليوم"، يقول عبد الرحمن، ويجزم بأن شخصية مالك العنيدة كفيلة بإصراره في الاستمرار في الإضراب عن الطعام، ويضيف: "الزلمة فايت على موت وبيقول بعد الظلم ما ظل شي!".

""قضية أخوي مالك رح تعمل تحوّل كبير في وضع الحريات"

وهذا ما يؤكده صلاح المشاقبة، شقيق مالك في حديثه لرصيف22: "أخوي وبعرفه، وحكالي إنه مستمر في الإضراب لحتى يحصل على محاكمة عادلة، وقالي إضراب رسالة للشعب الأردني بأنه ممنوع شخص ينظلم"!

ويبين صلاح أن شقيقه مؤخراً يتم نقله إلى المستشفى يومياً، بسبب تردي حالته الصحية من جراء إضرابه عن الطعام، وفي اليوم السادس عشر من إضرابه دخل في غيبوبة سرعان ما تم تداركها، ويوم أمس، الثلاثاء، وأثناء زيارته هو ووالده له دخل في غيبوبة سكر وأغمى عليه.

"قضية أخوي مالك رح تعمل تحوّل كبير في وضع الحريات في الأردن"، يقول صلاح المشاقبة، وتبدو توقعاته الظاهرة في نبرة صوته غير مبشرة لتطورات حالة شقيقه الصحية.

"ما ببالغ إذا وصفت طريقة اعتقالنا بتشبه طريقة الاحتلال في اعتقال المناضلين الفلسطينيين"، يقول عبد الرحمن،  معتقل سابق، متحدثاً عن آلية التعامل مع معتقلي الرأي داخل السجن، حيث أثناء تنقلاته إلى عيادة السجن عندما كان مضرباً عن الطعام، كانوا يقومون بتقييد يديه وقدميه ويده اليسرى مربوطة بحزام جلدي على الخصر

جرائم فضفاضة

فيما اعتبرت المحامية والمتابعة لقضايا معتقلي الرأي في الأردن، هالة عاهد، في تصريح لها لرصيف22: "يحاكم النشطاء عادة بموجب قانون العقوبات وقانون الجرائم الإلكترونية، وكلها جرائم فضفاضة، وبعضها بات بموجب قانون منع الإرهاب يخضع لاختصاص محكمة أمن الدولة، التي تفتقد لضمانات المحاكمة العادلة".

وأضافت: "إن جرائم، كتقويض نظام الحكم، قدح مقامات عليا أو تعكير صفو العلاقات مع دولة صديقة، كلها جرائم تعبير، وتجريمها وملاحقة النشطاء بسببها، إخلال وانتهاك لحق التعبير المصان دستورياً والمحمي بموجب المواثيق الدولية. إن وجود هكذا تشريعات مخالفة لحقوق الإنسان تجعل مهمة الدفاع عن المحكومين بها معضلة، خاصة أنه قد صدر بحق بعضهم، كما مالك، أحكاماً قضائية، وهو ما يجعل انتقاد هذه الأحكام جريمة أخرى".

واعتبرت المحامية عاهد، أنه من الملاحظ أن التضييقات على الحريات في عهد هذه الحكومة يمارس بشكل سافر، وبات المناخ العام معادياً للحريات، وختمت: "عموماً، سواء بتقييد عمل الجمعيات والنقابات، وعدم السماح بالمسيرات والاجتماعات، وبملاحقة النشطاء أمنياً وتوقيفهم دون مبرر أثناء المحاكمات، والتوقيف الإداري بشكل يخل بالحريات والفصل بين السلطات".

المطالبة بالإفراج الفوري

إلى ذلك، دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في بيان صادر عنه في الثاني من آذار/ مارس الحالي، السلطات الأردنية، إلى الإفراج الفوري عن المعتقل المضرب عن الطعام "مالك مشاقبة"، معبراً عن قلقه البالغ من سلوك المنظومة القضائية في التعامل مع القضية.

وبين المرصد أن المادة 15 الفقرة الأولى أكدت على "تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل أردني أن يعبر بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط أن لا يتجاوز حدود القانون".

وبيّن أنّ سلوك القضاء في قضية المعتقل مشاقبة، تخالف صريح نصوص القانون الدولي، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعديد من الاتفاقيات التي كفلت حرية الرأي والتعبير، وتجريم أي اعتقال على خلفية ممارسة النشاط السياسي والمجتمعي.

وطالب المرصد الأورومتوسطي السلطات الأردنية بضرورة الإفراج عن المعتقل مشاقبة في ظل تردي وضعه الصحي، محملاً إياها المسؤولية الكاملة عن سلامته، كما دعا السلطات إلى إطلاق الحريات ورفع القيود عن حرية الرأي والتعبير، والكف عن انتهاك القانون المحلي والتزاماتها الدولية ذات العلاقة، وعدم تسييس المنظومة القضائية واستخدامها أداة لترهيب وتغييب المعارضين للسياسات الرسمية.

إن أكثر من 52 معتقل رأي في عهد حكومة طرحت نفسها منذ بدايتها بأنها حكومة "دولة مدنية"، داعمة للحريات وحاضنة لحقوق الإنسان، وذلك وفقاً للجنة متابعة معتقلي الرأي والمظلومين. قرأت مرة تعليقاً من ناشطة على تصريح لرئيس الحكومة الأردنية، عمر الرزاز، وهو يتحدث عن حالة الحريات في الأردن أذكر أنها علقت بـ: "أسمع كلامك أصدقك أشوف أفعالك أستعجب!"، وأنا يحضرني المثل الشعبي الأردني الجميل، وبعد قصة مالك المشاقبة، الذي يقول: "حلو اللسان وقليل إحسان".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard