بوتين في سوريا إما ردعاً لأردوغان أو طعناً للأسد… هل هناك خيار ثالث؟

الاثنين 2 مارس 202008:18 م


فيما تواصل تركيا هجومها ضد النظام السوري شمال سوريا، تتجه الأنظار صوب موسكو لمعرفة موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لا سيما بعد الخسائر الكبيرة التي يتعرض لها حليفه بشار الأسد عسكرياً.

وفي محاولة لصد الهجوم التركي، أعلنت دمشق منطقة حظر طيران فوق شمال سوريا، وهو إجراء لن تتمكن من فرضه من دون روسيا، راعيها الرئيسي وداعمها العسكري.

وعليه، إذا ما قررت روسيا مساندة دمشق فقد تضطر إلى مواجهة عسكرية مع تركيا التي تصر على مواصلة هجومها "حتى تحقيق الأهداف".

الحرب خيار مطروح في موسكو؟

وهاجمت قبل عدة أيام مقاتلات حربية رتلاً تركياً في إدلب السورية، وهذا ما أسفر عن مقتل نحو 35 جندياً تركياً.

وأشار عدد من التقارير الصحافية وخبراء عسكريون روس إلى أن موسكو شاركت في قصف الرتل التركي أو سمحت به، لأن أنقرة تخطت خط أحمر بالنسبة إلى روسيا عندما زوّدت المسلحين السوريين المعارضين صواريخ دفاع جوي، استهدفوا بها طائرات روسية أثناء تحليقها في إدلب.

ولفتوا إلى أن هذه الحادثة  قد تكون رسالة تدل على استعداد روسيا لخوض صدام مع تركيا في سوريا.

ونقل الصحافي التركي متين جوركان في تقرير لموقع المونيتور الأمريكي، أن طائرتين روسيتين من طراز Sukhoi Su-34 وطائرتين سوريتين من طراز Su-22 شنّت هجمات مكثفة على القافلة التركية على نحو منسق.

هل تكون العلاقات الاقتصادية بين روسيا وتركيا حافزاً للدولتين على منع حدوث أي صدام عسكري في سوريا خارج عن السيطرة؟

وقال: "أولاً أجبرت ضربات خفيفة نسبياً من مقاتلة من طراز Su-22 القافلة على التوقف. بعد ذلك تكثف القصف، ثم أسقطت المقاتلات الروسية على الجنود قنابل من نوع KAB-1500L، وهي قنابل مغناطيسية متطورة موجهة بالليزر وقادرة على اختراق أرضي عمقه قد يبلغ الـ20 متراً".

ووفقاً للصحافي التركي، فإن الطائرات الروسية تعرضت في صباح يوم 27 شباط/فبراير لـ15 هجوماً مكثفاً من أنظمة الدفاع الجوي المحمولة، والمنتشرة في المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا.

وقال جوركان إن التقارير الروسية زعمت أن الطائرات تعرضت لأضرار أثناء المناورة هرباً من الاستهداف، مضيفاً أن تلك الهجمات كانت الدافع وراء مهاجمة القافلة التركية.

تقارير عن وقف موسكو عملياتها في سوريا من جانب واحد، وهذا ما سمح لتركيا باستهداف الجنود السوريين وحلفائهم على مدى يومين. ماذا جرى؟

في هذا السياق، كتب العقيد المتقاعد فيكتور موراكوفسكي، رئيس تحرير مجلة "أرسنال أوتيشستفا" العسكرية الروسية: "الهجوم على القوات التركية لم يكن حرباً على أنقرة، لكنه كان رداً على محاولة البعض اختبار الخطوط الحمراء".

وقال موراكوفسكي: "منذ فترة طويلة تم الاتفاق على قواعد اللعبة. لقد اتفقنا على عدة أمور، أولاً منع الاشتباكات بين الجيشين الروسي والتركي. ثانياً، حرية حركة الطائرات الروسية ضد الجماعات الإرهابية في إدلب. ثالثاً، منطقة حظر طيران للطائرات التركية في سوريا. رابعاً، تنسيق حركة ونشر الوحدات التركية في المناطق السورية. خامساً، تسيير دوريات مشتركة على الطرق المتفق عليها. سادساً، فرض حظر على نقل منظومات الدفاع الجوي المحمولة إلى التنظيمات".

وأشار الخبير العسكري الروسي إلى أن "البعض ظن أنه يمكن الإفلات من العقاب واستخدام صواريخ في محاولة لإسقاط طائرة روسية فوق إدلب".

مواجهة محتملة؟

وناقش بعض المحللين والخبراء في موسكو احتمال حدوث مواجهة عسكرية مع أنقرة على "خلفية الانتشار الكبير لتركيا في إدلب".

ففي 21 شباط/ فبراير الماضي، كتب العقيد المتقاعد ميخائيل خودارينوك في صحيفة Gazeta الروسية أن حدوث توغل عسكري للجيش التركي في سوريا قد يؤدي إلى خروج الأمور عن السيطرة، ويهدد بنشوب صراع عسكري إقليمي واسع.

وقال خودارينوك إن"القوة العسكرية التركية كافية لتجاوز الجيش السوري خلال أيام، لكن إذا اختارت موسكو عدم التدخل، فسيكون ذلك إخفاقاً سياسياً وعسكرياً في الشرق الأوسط".

وتابع: "ستضيّع موسكو أكثر من خمس سنوات من الجهود العسكرية في دعم النظام السوري، وهذا سيكون الثمن إذا لم تتدخل روسيا في إدلب".

إلا أن خودارينوك حذّر في الوقت عينه من خطورة المواجهة بين روسيا وتركيا في سوريا، مشيراً إلى أن "تركيا سيكون لها تفوق ساحق في الأفراد والأجهزة العسكرية، لأن روسيا بعيدة جداً عن مسرح العمليات ولن يكون لديها الوقت أو القدرات اللوجستية لجلب الأفراد أو المعدات اللازمة".

وأضاف: "من أجل كسب هذه الحرب، ستحتاج روسيا إلى نقل كمية هائلة من الطائرات والوقود والذخيرة، وكل ذلك يحتاج وقتاً وتكاليف عالية".

دلائل تستبعد الصدام العسكري 

على الرغم من الحديث عن الدور الروسي في الهجوم على القوات التركية، حرصت تركيا على إظهار عدم رغبتها في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، إذ لم تتهمها بالانخراط في الهجوم حتى ترفع الحرج عن نفسها بعدم الرد على موسكو. بل على العكس، أظهرت أنقرة أنها تريد جذب موسكو إلى محادثات والاتفاق من خلال وسائل سياسية.

العمليات العسكرية التركية مستمرة داخل سوريا ضد الجيش السوري وحلفائه. خبراء روس يحذّرون من السماح لأردوغان بإضاعة مكتسبات روسيا بعد دعمها نظام الأسد على مدى خمس سنوات. ما هي خيارات بوتين؟

وسيلتقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوتين في 5 آذار/مارس الجاري لبحث سبل خفض التصعيد في سوريا.

كذلك أظهرت روسيا عقب الهجوم على الرتل التركي صمتاً واضحاً حيال الهجمات التي نفذتها تركيا ضد قوات الجيش السوري، حتى إنها خفضت عملياتها الجوية خلال اليومين الماضيين.

وكتب الخبير العسكري إيليا جيه ماغنر أن روسيا لا تخطط لتصعيد عسكري مع تركيا، بدليل أن موسكو خفضت عملياتها العسكرية عقب استهداف الرتل العسكري التركي.

وقال ماغنر وهو مراسل عسكري مختص بالصراع السوري: "أمرت موسكو غرفة عملياتها العسكرية في سوريا بوقف الضغط العسكري والهجوم على ريف إدلب. الانخراط في حرب ضد تركيا ليس جزءاً من خطط بوتين في سوريا".

وأضاف: "شنت الطائرات المسلحة التركية من دون طيار هجوماً منظماً لم يسبق له مثيل طوال عدة ساعات، وهذا ما أدى إلى تدمير خط الدفاع السوري على الطرق الدولية M5 و M4 وقلل فعالية الجيش السوري".

"موسكو ارتكبت خطأً جسيماً"

وأكد ماغنر أن إيران أبلغت تركيا عن أماكن انتشار قواتها والميليشيات التابعة لها والتي تقاتل إلى جانب الأسد، وطلبت من أنقرة وقف الهجوم لتجنب وقوع إصابات.

وأضاف: "تجاهلت تركيا، التي لديها ألفا ضابط وجندي في 14 موقعاً محاصرون من قبل الجيش السوري، الطلب الإيراني وقصفت (مواقع قوات حليفة لطهران) بما في ذلك مستشفى ميداني عسكري، فقُتل 30 عنصراً (تسعة من حزب الله و21 من فصيل فاطميون) والعشرات من ضباط الجيش السوري".

وأشار ماغنر إلى أن: "تركيا الآن في معركة إدلب للدفاع عما يعتبره أردوغان أراضيَ تركية. وهذا هو مغزى الرسالة التركية من نشر الجيش التركي هناك".

ولفت إلى أن "دمشق وحلفاءها اعتبروا أن روسيا ارتكبت خطأً في عدم منع الطائرات التركية من المهاجمة في إدلب. علاوة على ذلك، ارتكبت روسيا خطأً جسيماً آخر في عدم تحذير حلفائها من أن القيادة السياسية في موسكو قد أعلنت وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد، وتركت شركاءها في ساحة المعركة من دون غطاء جوي".

وقال ماغنر: "هذه ليست المرة الأولى التي توقف فيها روسيا معركة في منتصف مسارها في سوريا، لقد حدث ذلك من قبل في الغوطة، وشرق حلب، والعيس، والبادية ودير الزور. وفي دمشق يشعرون أن سلوك روسيا شجع تركيا على القيام بمزيد من الهجمات".

ولعل هذا التراجع الروسي يفسر أسباب اقتراح الرئيس الإيراني حسن روحاني على أردوغان عقد قمة بين إيران وتركيا وسوريا من دون روسيا.

وقال روحاني إن التصعيد في المنطقة لن يكون لمصلحة أي دولة.

واليوم الإثنين، 2 آذار/مارس، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن الطيران الروسي ساعد قوات النظام في استعادة مدينة سراقب من قبضة مسلحي المعارضة، وهذا ما يشير إلى عودة النشاط الروسي.

علاقات اقتصادية تمنع الحرب 

في سياق متصل، رأى المحلل السياسي الروسي أندريه أونتيكوف أن "لقاء بوتين وأردوغان سيبحث وضع اتفاقات من أجل خفض التصعيد ووقف التوتر فوراً، وسيحدد الصورة المستقبلية للتقليل من احتمال حدوث مواجهة شاملة بين موسكو وأنقرة، وهذا على كل حال سيناريو كارثي".

وأضاف: "التوتر والمواجهة قريبان، وكل الاحتمالات واردة على الرغم من أننا نستبعد حدوثهما، لكن يمكن أن يحدثا".

ورأى أونتيكوف أن العلاقات الاقتصادية بين روسيا وتركيا ستكون الحافز الأكبر للدولتين على منع حدوث أي صدام عسكري في سوريا خارج عن السيطرة.

وقال لرصيف22: "بوتين يحتاج إلى أردوغان، والعكس صحيح أيضاً، على الرغم من عدم الراحة بينهما. علماً أن التبادل التجاري قد يمنع هذه الخلافات، إذ تستورد روسيا سلعاً غذائية من تركيا، أما إسطنبول، فتستقبل ملايين السياح الروس كل عام".

وتسعى روسيا إلى إنشاء محطة "أكويو" للطاقة النووية في تركيا بمليارات الدولارات. واشترت أنقرة منظومة أس 400 التي تحدّت بها واشنطن.

وعام 2018، استوردت أنقرة من روسيا 23.6 مليار متر مكعب من الغاز، و7.9 مليار متر مكعب من إيران و7.5 مليار متر مكعب من أذربيجان. وجاء 22.5 ٪ المتبقية في شكل غاز طبيعي من دول أخرى.

لذلك تعتمد تركيا على روسيا مورداً أساسياً للطاقة، ولا سيما لاقتصادها الصناعي، كما تعتمد موسكو على أنقرة كأكبر سوق تستورد مخزونها الكبير من الغاز في ظل تراجع الطلب العالمي على الغاز والعقوبات التي تفرضها واشنطن على الاقتصاد الروسي.

كذلك الأمر بالنسبة إلى إيران التي هي الدولة الثانية المورّدة غازاً إلى تركيا في ظل العقوبات والحصار الأمريكي عليها. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard