المتعة ممنوعة على الفقراء... "سرقة" شاطئ مدينة صور

الثلاثاء 3 مارس 202005:11 م

يبدو أن الأوليغارشيا تخشى الفقراء لدرجة أنّها تلاحقهم في آخر ما تبقّى من مساحاتهم وأماكن استجمامهم. أوقات الراحة والسعادة والمتعة ممنوعة على الطبقة العاملة والفئات المهمّشة في لبنان.

بينما يتغيّر مدخل صور الذي رمى بأراضيه الزراعية تحت قواعد المحلات والمجمّعات الاستهلاكية، وبينما تبدّل شكل مدخل السوق الشرقي (البوابة) لتزداد أسعار إيجارات المحال ويصعب على أهلها البقاء فيها، ها هي البلدية تهشّم الخشبات القليلة على الجهة الجنوبية الغربية للمدينة معلنة نهاية منطقة "الجمل"، وبداية عصر الأكشاك المرتّبة.

وتغيير شكل المنطقة مهم هنا، لأنه تغيير في المستفيدين منها وفي مستخدميها.

ملاحقة سعادة الفقراء

المنطقة التي يرتادها أهل صور طوال العام، وأهل باقي المناطق اللبنانية في الصيف، ظهرت اليوم كهدف آخر لأوليغارشيا الجنوب التي يبدو أنها لا تستطيع أن يغمض لها جفن وهناك فقير سعيد.

عجّت صفحات التواصل الاجتماعي الأسبوع الفائت بمعلومات وفيديوهات تصوّر أعضاء من بلدية مدينة صور وهم يشرفون على إزالة "التعدّيات" في منطقة الجمل، بهدف تنفيذ مشروع "تطويرها".

المشروع الذي يشرف عليه مجلس الإنماء والإعمار تتحجّج السلطة لتنفيذه بنقطتين أساسيتين: التعدي على الأملاك العامة، والأثر البيئي السلبي للمنشآت القائمة حالياً على منطقة تُعتبر أساسية في تكاثر الأسماك وكمكان عيش أنواع محددة من الطحالب والحيوانات البحرية وتواجد بعض أنواع الصخور.

سنة 2003، أطلق مشروع التراث الثقافي والتطوير العمراني في لبنان،Cultural Heritage and Urban Development (CHUD)، والذي يندرج مشروع تطوير منطقة الجمل تحته، بتمويل مشترك بين البنك الدولي ووكالة التنمية الفرنسية (AFD)، والحكومات الفرنسية والإيطالية واللبنانية. وهو يُعنى بخمس مدن لبنانية: بعلبك، طرابلس، جبيل، صيدا وصور. لكن المشروع الذي بدأ تنفيذه مؤخراً يطرح مشاكل عديدة.

في آب/ أغسطس 2019، أصدر البنك الدولي تقريراً تقييمياً للمشروع الواسع. وفي الجزء المتعلّق بـ"ما لم ينجح"، نجد مواضيع تُعتبر تدميرية في ما يتعلّق بالتخطيط المديني. تظهر فيه النتائج السلبية العديدة والطويلة الأمد لما جرى تنفيذه، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وأيضاً على المستوى العمراني والثقافي-التراثي للمدن الخمس.

من المواضيع التي طُرحت في هذا الجزء، يعتبر التقرير أن توسيع الأرصفة مثلاً كان له تأثير سلبي جداً على الأعمال الصغيرة والمحال التقليدية (بعلبك مثالاً) لأن زبائنها معتادون على استخدام سياراتهم وركنها في مكان قريب منها.

في مثال ثانٍ، يقدّم التقرير تقييماً سلبياً لمشروع ترميم سوق الخضار في صور، وهو في الحقيقة ما كان يقوله أغلب التجار قبيل تنفيذ الأعمال، خاصة بسبب فرض البلدية مبلغاً عليهم لبيع بضاعتهم في السوق، مما يضطرّهم إلى طرح أسعار أعلى من غيرهم خارج السوق.

والمشكلتان واضحتان لأي مخطّط\ة مديني يعرف أن التخطيط ليس مادة تتعلّق بالمنشآت فقط. لكن البنك الدولي يعتمد في مشاريعه التطويرية في التخطيط المديني على مدرسة حداثوية تقنية أكثر منها أنثروبولوجية، لا تعطي أهمية لاستخدام المكان من قبل الناس وتعتبر أن التغييرات المكانية قادرة على خلق تغييرات ممارساتية.

كذلك، يغفل في مقاربته هذه عن الضرورة الاقتصادية-الاجتماعية التي يطرحها على نفسه في تقريره هذا: "من الضروري للمشاريع أن تحدّد لمَن ستؤول الأرباح الاقتصادية وإنجارات تحسين المستوى المعيشي" (ص. 14) ، لأن المشاريع التطويرية تساهم بالأساس في فتح فرص اقتصادية، لا يتوانى الأكثر غنى وسلطة عن اقتناصها.

أولوية السيّاح على أهل البلد

بالنسبة إلى مشروع "تطوير" الجمل، فالإطار النظري الذي يعتمد عليه مبني على استخدام الترميم والتخطيط المديني كأداة لتشجيع السياحة بهدف تحريك العجلة الاقتصادية، بمعنى أن المشروع ينطلق من كون الموروث الثقافي مكوّناً اقتصادياً، بدلاً من كونه مكوّناً اجتماعياً ثقافياً للجماعة.

يطرح ذلك أزمة بسبب تعاطي الدولة والبنك الدولي مع وسط المدينة التاريخي على أنّه مادة سياحية، فيصبح التوجّه من خلال هذا التعاطي مهتمّاً بكيفية "تطوير" المنشآت والمباني والساحات للسيّاح، الذين يصبحون الأولوية دوناً عن أهل البلد من مستخدمين وأصحاب محلات وسكّان.

"يبدو أن الأوليغارشيا تخشى الفقراء لدرجة أنّها تلاحقهم في آخر ما تبقّى من مساحاتهم وأماكن استجمامهم. أوقات الراحة والسعادة والمتعة ممنوعة على الطبقة العاملة والفئات المهمّشة في لبنان"... قراءة نقدية في مشروع "تطوير" منطقة الجمل في صور

وذكر التقرير التقييمي أن "التجار في بعلبك اعتبروا أن المشروع يعطي أفضلية لـ"اهتمامات" السيّاح على اهتمامات أصحاب المحال الصغيرة (ص. 14-13) في الوقت الذي تعبّر فيه ملفات CHUD في صور وطرابلس، وبوضوح، عن أن المشروع يهدف "إلى ترميم الجاذبية الاقتصادية للوسط التاريخي، الإضاءة على قيمة مكوّناتها التجارية والسياحية"، وذلك في نظرة اقتصادوية اختزالية للمواقع التاريخية والتراثية، رفضتها الدراسات التقدمية للآثار والتخطيط المديني منذ سبعينيات القرن الماضي، معتبرةً أن التوجه السياحي لمشروع يتعلق بالمناطق الأثرية وتلك التي تحوي نسيجاً معمارياً تراثياً يجعل التاريخ سلعة ولا يساهم بتحسين الوضع الاقتصادي للمنطقة.

ويأتي التأثير الثاني لهكذا مشروع، من حيث إحداث تغيير في أسعار العقارات والإيجارات في المنطقة وما حولها، وهو أمر يذكره تقرير البنك الدولي التقييمي حول الموضوع، في محاولة لتصحيح ما أخطأ فيه المشروع في المدن الخمس لأنه لم يعر هذا المكوّن اعتباراً، بمعنى أن أي "تحسين" يحصل على مستوى منشآت منطقة ما، يترجم مباشرة بزيادة أسعار العقارات والإيجارات، وهذه الزيادة تخلق موجة تهجيرية لأصحاب المحال والمستأجرين ومرتادي المنطقة، تُعرف بالإحلال الطبقي العمراني.

هذا بالإضافة إلى أن المشروع منذ بدايته يرمي بالعمّال الموجودين حالياً في المقاهي والأكشاك الموجودة في الشارع دون عمل، معتبراً أنهم "يحتلّون" المكان، بينما ما يحصل هو تهجير الفقراء الذين يعملون هناك اليوم، من أجل فتح مجال في المستقبل وعند نهاية المشروع، أمام أغنياء يستطيعون حينها دفع مبلغ استثمار الأكشاك التي سيتمّ بناؤها.

المكوّن الاجتماعي غير موجود

ومن خلال ملف تصميم المشروع الذي تمّ توزيعه، يبدو جلياً اعتماد المصمّمين في هذا المشروع على دراسة سريعة جداً تعتمد وبشكل أساسي على المنشآت والمواد الموجودة في منطقة الجمل، متغاضية بشكل كامل عن سبر آراء الناس من عاملين ومستخدمين، لفهم ماهية الممارسات الاجتماعية-المكانية وقيمة هذا المكان من منطلق أنثروبولوجي.

في كل مشروع "تطوير"، نسأل: "مَن المستفيد، ومَن المتضرّر؟". وفي حالة منطقة الجمل، من الواضح أن المتضررين هم أصحاب الأكشاك ومرتادوها من الطبقة الفقيرة

كما تتغاضى الدراسة عن قراءة التأثير الاقتصادي للمشروع، وهو أصلاً ما كان التقرير التقييمي لمشروع البنك الدولي قد نصح به من قبل. ويظهر جلياً من الدراسة السريعة التي أجراها المكتب الذي تمّ التعاقد معه، ومن النتائج التي خلص إليها، أن القيمة الإبداعية لأصحاب المكان تمّ إهمالها بالكامل، وأن المكوّن الاجتماعي غير موجود أصلاً، وهو ما يظهر في نتائج الدراسة التي يطرحها والتي تقترح أن "عدم توحيد شكل المنشآت" في منطقة الجمل هو أمر سيئ وسلبي، انطلاقاً من نظرة فوقية لما يسمّى "التصميم الشعبي" Vernacular واعتبار أنه "لاتصميم".

وبالنسبة إلى الحجة البيئية، ومحاولة المشروع القول إنه سيكون ذا تأثير بيئي محدود على المنطقة، فنحن لا نثق، من الناحية البيئية والتقنية، بالمعايير التي ستضعها شركة الهندسة التي وضعت الدراسة، ولا بالتنفيذ، وكلّها مهمّات تقع تحت إشراف مجلس الإنماء والإعمار الذي له باع طويل في تنفيذ مشاريع تحت مستوى المعايير المطلوبة، وبمناقصات تؤول إلى بلاط الأوليغارشيا.

أخيراً، ينقص هذا المشروع كل أشكال التخطيط التشاركي. فبينما يغيّر المشروع في منطقة مهمة وذات قيمة اجتماعية عند كل أهل المدينة والمنطقة عموماً، أين التخطيط التشاركي، أي أين الناس ممّا يحصل؟

لماذا لا تدعو البلدية أهل صور وجوارها لعرض هذا المشروع وتفاصيله عليهم ونقاشه وتغييره أو إلغائه بحسب حاجاتهم؟ ولا نعني بذلك مسؤولي أحزاب السلطة في المدينة ولا وجهاءها ولا أغنياءها، بل العاملين في الجمل وأهل صور (أهل الحارة وحارة الجورة تحديداً، مَن تأنف البلدية الكلام عنهم كمواطنات ومواطنين أصلاً) وأهل المناطق ممّن يزورون الجمل.

على الرغم من التقييم السلبي لمشروع CHUD وتأثيره المدمّر على الأحياء التاريخية في مدننا، يبدو أن البنك الدولي لا يريد أن يتعلّم من أخطائه ولا يريد اتّباع الدروس التي نصح نفسه بها.

في كل مشروع "تطوير"، نسأل: "مَن المستفيد، ومَن المتضرّر؟". وفي حالة منطقة الجمل، من الواضح أن المتضررين هم أصحاب الأكشاك ومرتادوها من الطبقة الفقيرة ومن المنطقة التي احتلت مكاناً لنا كلنا في ذاكرتنا وزادت من حبّنا للمدينة.

كان من الأجدى على الخائفين على تراث صور وبحرها وبيئتها أن يشرّعوا وجود الأكشاك الحالية، ويدعموا أصحابها باقتراحات وتمويل لجعل الأثر البيئي للمنشآت أقل ضرراً على المنطقة، بشكل يسمح باستمرار المنطقة بما هي عليه بشكلها الحالي، لأن خشبات الدرج الصغير الزرق المؤدّي إلى التراس من هنا، أو الخيمة القش المطلّة على الصخور والسلاحف من هناك، أثبتت أنّها بشكلها وتصميمها وموادها البسيطة أكثر إبداعاً ومتعة للعين من أي تصميم هندسي لأي مهني كان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard