70 سنة احتلال... وما زال فلسطينيو الداخل منقسمون حول المشاركة في انتخابات الكنيست

الاثنين 2 مارس 202002:49 م

في الداخل الفلسطيني، يحمل حوالي مليون عربي حقّ المشاركة والتصويت في انتخابات الكنيست الإسرائيلي الـ23، والتي تقام اليوم الإثنين، الثاني من آذار/ مارس 2020، للمرة الثالثة في فترة قصيرة بسبب فشل محاولتين سابقتين في إنتاج حكومة.

تشارك الأحزاب العربية من خلال "القائمة المشتركة" التي تواصل جهودها لرفع نسبة التصويت في البلدات العربية، بهدف زيادة كتلتها البرلمانية.

تشكّلت هذه القائمة في كانون الثاني/ يناير 2015، بسبب رفع نسبة الحسم، أي الحد الأدنى من نسبة الأصوات التي تضمن نجاح أي حزب بالدخول إلى الكنيست، تضم كل الأحزاب العربية التي تمثّل الفلسطينيين في الداخل، أي هي عبارة عن تحالف سياسي يجمع أربعة أحزاب عربية هي: الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة، التجمع الوطني الديمقراطي، القائمة العربية الموحدة والحركة العربية للتغيير.

التحريض على النائبة هبة يزبك

تأتي انتخابات الكنيست هذه المرة وسط تحريض سياسي على النائبة عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، هبة يزبك.

وكانت لجنة الانتخابات المركزية للكنيست قد أقرّت بإبطال ترشّحها على خلفية اتهامها بدعم "الإرهاب" و"تأييدها لسمير القنطار"، بناءً على منشورين لها عبر السوشال ميديا من العامين 2013 و2015. ولكن محكمة العدل العليا أقرّت في التاسع من شباط/ فبراير الماضي بإلغاء قرار الشطب وذلك "لعدم وجود أدلة رسمية ومقنعة تبرر إبطال ترشّحها"، وجاء هذا القرار بأغلبية قاض واحد، إذ صوت خمسة أعضاء ضد إبطال ترشحها.

في حوار أجراه معه موقع "عرب 48"، قال مدير "عدالة - المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية في إسرائيل"، د.حسن جبارين، تعليقاً على قرار محكمة العدل العليا: "حصل تغيير جذري في موقف المحكمة العليا في قضية من هذا النوع، فقد توقعنا أن تقبل العليا بإجماع تركيبتها، المكونة من تسعة قضاة، استئناف النائبة يزبك على قرار شطبها من قبل لجنة الانتخابات، لأنه من الناحية القانونية لو تعاطينا مع المنشورين المنسوبين إليها من عامي 2013 و2015، وفق المعايير القانونية التي وضعتها المحكمة قبل 20 عاماً ودأبت على العمل وفقها طيلة الفترة الماضية، لا يمكن شطب أي مرشح استناداً إلى بيّنة واحدة أو اثنتين".

وتابع: "نشهد في السنوات الخمس الأخيرة حملة عنصرية يقودها رئيس حكومة اليمين، بنيامين نتنياهو، حملة لم نشهد شبيهاً لها حتى من قبل رؤساء حكومات سابقين من الليكود، مثل (مناحيم) بيغن و(إسحق) شامير و(أرييل) شارون. ويبدو أن نتنياهو، وبعد وقف المفاوضات مع الفلسطينيين، قد شخّصنا كعدو، فكل عملية أو حدث يستغله كمنصة للتحريض على العرب في الداخل".

وبالعودة إلى التغيير الجذري الذي ذكره جبارين في ما يتعلق بموقف المحكمة العليا في قضية النائبة هبة يزبك، قال: "من الطبيعي أن تؤثر أجواء التحريض العنصري تلك على مواقف وقرارات قضاة المحكمة العليا، كونها تعمل في هذا الفضاء السياسي".

"بعد 70 سنة احتلال، لم تثمر المشاركة في الكنيست الصهيوني أي مردود قومي، يحاول رفع الكرامة القومية بعد نكبة شعبنا الفلسطيني"... للمرة الثالثة في فترة قصيرة، فلسطينيو الداخل منقسمون حول المشاركة في انتخابات الكنيست

التصويت أم المقاطعة؟

مع كل انتخابات، ترتفع الأصوات العربية الفلسطينية في الداخل والتي تدعو إلى التصويت، وزيادة نسبته، وبالمقابل، ترتفع الأصوات التي تطالب بمقاطعة انتخابات الكنيست، ومنها صوت "الحملة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني"، وذلك من منطلق أن المشاركة في الانتخابات هي اعتراف بشرعية دولة إسرائيل التي أقيمت على حساب الشعب الفلسطيني وأدّت إلى تهجيره عام 1948.

هذه الأصوات لا تحضر فقط على أرض الواقع وفي نقاشات البيوت والمقاهي، إنما أيضاً لها حضورها القوي عبر منصات السوشال ميديا. تشارك فيها شخصيات عديدة، منها المنخرطة بالعمل السياسي بشكل أو بآخر، ومنها المعنية بالهم السياسي للفلسطينيين في بلادهم.

"أداة وليست هدفاً"

في ساعات باكرة من صباح الثاني من آذار/ مارس، كتبت د. هنيدة غانم، مديرة مركز "مدار الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية" منشوراً عبر صفحتها على فيسبوك، بعنوان "لماذا لا أقاطع؟ لماذا أصوت؟".

كمقدمة لمنشورها ذكرت أن "المقاطعة خيار استراتيجي يُسحب في اللحظة المناسبة وفق توافق، ويجب أن لا يسقط من الحسابات ويكون دائماً على الطاولة. هذا بالنسبة لي مفهوم ضمناً، وهذا منطلقي النظري والعملي. المشاركة في الانتخابات هي أداة وليست هدفاً، وأنا شخصياً كل مرة انتخب أشعر بالتوتر والتردد وأقوم بذلك مع شعور دائم بالمرارة، شعور لا يقتصر على المشاركة بالانتخابات بالمناسبة، بل هو جزء أساسي من تجربة العيش في هامش كيان كل ما فيه مصمم ليكون سالبنا الجمعي والفردي".

ومن الأسباب التي ذكرتها للإجابة على سؤال التصويت، قالت: "أظن أن التصويت هو أحد أدوات مقارعة الابارتهايد (الفصل العنصري) وفضحه وتوسيع مقاومته والوقوف بوجه الانجراف نحو مزيد من الظلامية والفاشية، هل يمكن أن ينجرف الوضع أكثر؟ بالتأكيد وكثيراً".

وتابعت: "الخيار أحياناً هو بين الوقوف على الحافة، وتعداد سيناريوهات القيامة المتعددة فلسطينياً ما بين نهاية القضية وحسمها وفرض الضم وترانسفير وإقامة إسرائيل الكبرى وتواطؤ العالم والعرب (الحقيقي)، إلخ، وما بين محاولة القيام بشيء من حيث تنظيم أنفسنا، تقوية وجودنا وثقتنا بأنفسنا كجماعة، وتحصين تمثيلنا، دون الغرق في توقعات عالية. سنحتاج هذه القوة بشرعيتها سنحتاجها كثيراً قريباً جداً".

"كيف نناضل بأدوات المناضَل ضده؟"

أما الناشط السياسي منهل الحايك، فقد دعا في منشور على فيسبوك إلى مقاطعة الكنيست الإسرائيلي. كتب: "لطالما كان هناك نقاش شرعي وطبيعي بين مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني وبين المشاركة. وكانت المشاركة في بعض الأحيان تأتي بتأثير جيد ضئيل على العرب الفلسطينيين الباقين على أراضيهم... ولكنها كانت مشاركة تلتزم بأحزابها وقواعدها الجماهيرية، وكان لهذه المشاركة الغطاء الفعلي بالعمل في الشارع وبين الناس ورفع الوعي بين الجماهير، وكان هناك شبه توازن ما بين اليومي والقومي".

ويتابع، منتقداً إلى ما استجد، في الفترة الأخيرة، من "اتخاذ أعضاء الكنيست العرب الأمور الحياتية اليومية كبرنامج عمل، مستثنين العمل في الجانب القومي"، وعلّق: "أصبحنا في زمن مقايضة القومي لأخذ فتات اليومي".

وتحدث الحايك عن "تغييب النضال الشعبي، وتصوير العمل الكنيستي بأنه ‘النضال’ الوحيد داخل هذا الكيان"، وتساءل: "كيف لنا أن نناضل بأدوات المناضَل ضده؟"، خاتماً حديثه بالقول: "بعد 70 سنة احتلال، لم تثمر المشاركة في الكنيست الصهيوني أي مردود قومي، يحاول رفع الكرامة القومية بعد نكبة شعبنا الفلسطيني".

"أظن أن التصويت هو أحد أدوات مقارعة الابارتهايد وفضحه وتوسيع مقاومته والوقوف بوجه الانجراف نحو مزيد من الظلامية والفاشية"... للمرة الثالثة في فترة قصيرة، فلسطينيو الداخل منقسمون حول المشاركة في انتخابات الكنيست

"القيادة الفلسطينية في الداخل في أزمة حقيقية"

في ظل الدعوات المتواصلة للتصويت، والمجهود، ربما المضاعف، الذي يبذل في البلدات العربية في الداخل الفلسطيني، من قبل القائمة المشتركة، كما والتوقعات التي تفيد بحصول هذه القائمة على 16 مقعداً في الكنيست، هنالك مَن يعتبر أن هذا ليس ضرورياً أن يكون مؤشراً "إيجابياً"، كما أنه غير مانح لأي "مساحة من الأمل" الذي يحتاجه الفلسطينيون/ات على المستوى اليومي، القومي والسياسي.

في حديث مع الباحثة الفلسطينية، د. همت زعبي، والحاصلة على زمالة ما بعد الدكتوراه في البرنامج البحثي "أوروبا في الشرق الأوسط - الشرق في أوروبا (EUME)" في برلين، تقول: "المناخ السياسي في إسرائيل الآخذ للانحراف نحو اليمين الفاشي، يضع القيادة الفلسطينية في الداخل في أزمة حقيقية".

وتضيف لرصيف22: "نحن نرى أن إسرائيل متوجهة نحو حسم القضية الفلسطينية، وتعمل منذ سنوات في هذا الاتجاه. سياساتها تجاه الفلسطينيين في إسرائيل يمكن تلخيصها بحقوق فردية مدنية، فولكلورية جماعية، مقابل ولاء للدولة اليهودية، وهي المعادلة التي تقترحها لحل التناقض البنيوي بين المواطنة الإسرائيلية والانتماء القومي الفلسطيني لهذه المجموعة من الفلسطينيين، والتي هي جزء من نفس عملية التصفية".

وتتابع: "مقابل هذا، نشهد أن هناك ميولاً لدى تيارات في القائمة المشتركة بحل هذا التوتر من خلال تماهي شبه كامل مع اللعبة البرلمانية الإسرائيلية، انعكس في تقديري في سابقة تاريخية للتوصية على رئيس حزب 'كحول لافان' لتشكيل الحكومة في الانتخابات الماضية (أيلول/ سبتمبر 2019) من قبل ثلاثة أحزاب من أصل أربعة تشكل القائمة المشتركة، وتم اشتراط هذه التوصية بمطالب مدنية وأسقطت منها المطالب القومية، حتى أدناها، وهي فرض الاعتراف بشرعية الصوت والوجود الفلسطيني في بلاده".

وتختم زعبي حديثها بالقول "إن حل هذا التوتر خطير جداً على السياسة الفلسطينية في الداخل، إذ يشكّل المساحة الوحيدة للمراوغة السياسية للفلسطينيين في إسرائيل. وحله بشروط إسرائيلية وبالتوقيت الحالي أكثر خطورة، وخاصة في ظل الظروف السياسية الفلسطينية والعربية والعالمية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard